بعد عامٍ على التشييع أثرُ السيد لا يزول

عامٌ على تشييع السيد حسن نصر الله، وأثره لا يزال حاضراً في الوعي الجمعي. بين أرشيف خطاباته المتداول وضريحه الذي بات محطة يومية لمحبيه، يتبدّد رهان خصومه على انطفاء رمزيته.

ما بين الضريح وأرشيف الخطابات حضر السيد حسن في حياة أمته بثقله كله

مر عام على تشييع الأمين العام السابق لـ«حزب الله»، السيد حسن نصر الله. يُجمع كل من كان حاضراً في ذلك التشييع المهيب أنها كانت ساعات يقاوم فيها المرء اختلاج أنفاسه وتمرد الروح على الجسد، لحظات معلقة بين السماء والأرض تحفر عميقاً في الوعي الجمعي لأبناء هذه الأمة. ثوانٍ معدودات تخالها لثقلها دهراً، أطبق فيها الصمت على المكان وكأن العالم وقف يأخذ أنفاسه الأخيرة، قبل أن يدوي الصوت أخيراً، ناعياً نفسه، شاكراً الحضور ببلاغة من كانت البلاغة حِرفته، مقدماً نعشه بين يدي أنصاره، مثبتاً أن الشهادة في سبيل ما نؤمن به ليس شعاراً لعقاً على الألسنة، بل خلاصة أربعين عاماً من العمل والصمود والصبر ومراكمة القوة؛ وما الدم إلا مصداق القول.

ومنذ ذلك اليوم، صار غياب السيد موضوعاً يومياً يُستدعى في المجالس، في الشوارع، في البيوت، وفي الفضاء الرقمي، وهذا تحديداً ما لم يرده العدو. فالأخير أراد بقتل السيد بهذه الطريقة المدوية، التي لا تزال آثارها تحفر في نفوس اللبنانيين، أن يبيد الفكر قبل الجسد.

السيد الذي قدمه رئيس وزراء العدو، بنيامين نتنياهو، بوصفه «محور المحور»، وبما يمثله على الصعيد الشعبي والإقليمي وحتى العالمي، كان عليه أن يُقتل بطريقة تمحو رمزيته وأثره، بما ينعكس سلباً على البيئة الحاضنة التي عليها أن ترتدع عن إنجاب المقاتلين والمسير في درب المقاومة. لذلك، كان لا بد من ضربة معنوية ونفسية قاصمة تربكها وتزرع فيها الشك والخوف، تمهيداً لكسر إرادتها لتستسلم قبل أن تفكر في أي مواجهة أخرى. فالفراغ الذي يحدثه الغياب سيُطفئ أثر السيد، وسيكون للصدمة مفاعيل عجزت عنها القنابل.

السيد قد ترك لبيئته ومحبيه أرشيفاً طويلاً يعودون إليه عند كل استحقاق وطني أو إقليمي

ولكن ما حدث كان عكس ذلك، إذ إن السيد قد ترك لبيئته ومحبيه أرشيفاً طويلاً يعودون إليه عند كل استحقاق وطني أو إقليمي. فخوض السيد في المواضيع كافة وعلى الصعد كلها، قلّص دائرة الفراغ. تعجّ مواقع التواصل الاجتماعي بفيديوهات السيد وخطاباته، وحتى اقتباسات من كلامه. بعضها يُتداول في مناسبات وطنية ودينية، وبعضها، الذي يحمل دعوة متكررة إلى التحمل والصبر على البلاءات، يُعاد إلى الواجهة كلما أوغلت إسرائيل في غيّها.

وهكذا، عندما هُزِم عدد من «المثقفين»، وتخلّى آخرون عن أدوارهم في التفسير والبيان والتوضيح وطمأنة الجمهور في غياب السيد، عاد الأخير ليثبت أنه، رغم الغياب، سيبقى، منفرداً، عرّاب الثقافة وأهلها.

«خطاباته، صوره، فيديوهاته، وضحكاته، حافظهن بالتفصيل»، يقول لنا محمد عبد الكريم، موضحاً أنه «منرجع لأرشيفه لنفهم شو عم يصير، خصوصي لما تلتبس علينا الأمور، ولتخفيف آلام نفوسنا وتبديد هواجسنا، ما السيد حتى بموته بعدو قادر يطمنّا».

وبالإضافة إلى الخطابات الدينية والمعنوية، تُعدّ خطابات السيد حسن نصر الله السياسية الأكثر تداولاً خلال هذا العام، تُستعاد ويُعاد نشرها والاقتباس منها كلما طرأ حدث جديد على الصعيد العالمي أو الإقليمي أو المحلي؛ فمن خطاب «إذا سقطت سوريا في يد الأميركي والإسرائيلي والتكفيري وأدوات أميركا في المنطقة ستحاصَر المقاومة…»، إلى خطاباته عن الأطماع الإسرائيلية في المنطقة، التي أُعيد نشرها والاقتباس منها بعد تصريحات القادة الإسرائيليين والسفير الأميركي في تل أبيب، مايك هاكابي، عن أرض الميعاد أخيراً، كما خطاباته عن أن الأطماع الإسرائيلية لن تتوقف عند حدود أعدائها، بل ستطال أيضاً الدول المطبعة معها، والتي استعيدت يوم قصف قطر، كلّها خطابات عادت لتحتل الفضاء العام بوصفها إثباتاً لبصيرة السيد وحدّة مقاربته للملفات عند كل حدث يطرأ، وتأكيداً لصدقه في كل ما قال وفعل.

 تُعدّ خطابات السيد حسن نصر الله السياسية الأكثر تداولاً خلال هذا العام

«نستعيد كل خطاباته، في المجالات كافة، وعما ستؤول إليه الأمور. فالأحداث سريعة ومتتالية وقدرتنا على الاستيعاب تتضاءل، كما إننا نصدّق السيد»، يقول لنا محمد سعد، مستطرداً، في هذا الصدد، أنه «وهل أصدق منه حتى في يوم تشييعه؟ هناك حيث تجلّى الصدق بأبهى صوره. فبعد عقود من شيطنة المقاومة في لبنان ومحاولة تأطيرها في قوالب طائفية ومناطقية ضيقة، في دعايات صرف عليها أعداء المقاومة من أميركا وإسرائيل ودول الخليج مليارات الدولارات لانتزاع مشروعيتها وتحويلها إلى عدو الأمة بدلاً من إسرائيل، جاء يوم التشييع ليكذّب أباطيلهم»، وأوضح محمد أنه «يقف أمام العالم اليوم رجل خاطب الأمم أربعين عاماً، وتحدّى ودافع وقاوم وناصر المستضعفين، وفي هذا المشهد تحديداً، جاءت الـ40 عاماً من المواقف معمّدةً بالدم، فهل أعظم من هذا؟» وأضاف أنه «وما زاد المشهدية عظمةً، أن فقراء الأرض جميعهم، بأطيافهم وأديانهم وانتماءاتهم ولغاتهم كافة، أحاطوا به من كل حدب وصوب، يحتضنونه ويحتضنهم، ويسندونه ويسندهم، في مشهد أصدق من كلّ ما أُطّرت به المقاومة خلال 40 عاماً».

ولكن، لم تكن خطابات السيد هي الملاذ الأول والأخير الذي يعود إليه الفاقدون ممن أعياهم الغياب. فقد تحوّل ضريح السيد إلى محطة يومية يحجّ إليها الرجال والنساء، الأطفال والكهول، محمّلين بشكاواهم وهواجسهم، يبثّونها إليه ويخرجون محمّلين بطمأنينة وإصرار على إكمال المسير. يقول حسين حيدر «كان عندي رهاب زوره، فكّر إني رح انهار، بس لما وصلت لعند الضريح، حسّيت ببركة التواجد قربه، ونعمة إنو الناس اللي بيحبّوه صار عندن فرصة يكونوا قراب منّو، يستمدّوا منّو القوّة ويتطمّنوا. بتحسّه بهالمكان مثل المارد اللي رح يكون شاهد على انتصار جماعته وفكره. هيدا المكان وُجد كرمال يكون شاهد مستقبلاً على إنو هالرجل كان سبب دحر أعدائه وهو شهيد».

وبالإضافة إلى المقيمين في لبنان، جعل عدد كبير من المغتربين زيارة ضريح السيد أولى محطاتهم عند الوصول، وآخرها قبل المغادرة. «أول شي عملته بس وصلت من السفر جيت على ضريح السيد وشكيتله كيف ضاعت سوريا، وحكيتله إنو معش عندي وطن، صار ضريحه وطني»، يقول لنا أحمد العبد (سوري الجنسية). من جهته، يشرح الدكتور ح. ش.، (فلسطيني الجنسية): «أول شي بعمله بس أوصل لبنان، بجي لعند السيد بشكيله عن غيابه، وبستمد منه القوة لكفي بعملي، وآخر شي بعمله قبل ما سافر هو إني بجي بعاهده إني كمّل بالمسيرة اللي ربانا عليها». والدكتور ح.، طبيب جراح، قرر أن يخصص أوقات منتظمة من العام وفي أقرب منطقة تطل على مقام السيد، لعلاج الناس وتقديم الخدمات الطبية التي يحتاجونها، «عن روح السيد»، كما يقول، مضيفاً «أن كل واحد منا مطلوب منه مواصلة الطريق والاستمرار في هذا الدرب الذي يؤدي إلى استئصال الورم الحقيقي الذي يفتك بأمتنا وصيّرنا كلنا يتامى، إسرائيل».

وبالعهود والوعود وكظّ الأسنان تحيّناً لأوقات الثأر، يودّع عشرات آلاف المحبّين ضريح سيدهم الأسمى، عاقدين العزيمة على مواصلة الدرب «ولو على حجرٍ ذُبحنا، حتى يأذن الله لنا بالثأر، ثمّ النصر». وحتى ذلك الحين، يُجمعون على أنه «علينا دعم هذه المقاومة بالأشكال كافة، كل واحد من موقعه ومن وظيفته ومن شو قادر يقدّم، وعَ أقل تقدير، بالمال. ما حدا يقلي معيش آكل، مناكل تراب ومنشتري سلاح، سلاح المقاومة أهم من رغيف الخبز».

بعد عام من مواراته الثرى، يبدو واضحاً أن الرهان الذي عقده أعداء المقاومة على أن اغتيال السيد حسن نصرالله سيكسر بيئته ويطفئ أثره، لم يصمد أمام واقعٍ مغاير تماماً. فما بين الضريح وأرشيف الخطابات، حضر السيد حسن في حياة أمته بثقله كله، يعيد شرح المواقف والأحداث، يتنبأ بالمستقبل وبأفق المعركة، ويهدئ نفوس أنصاره متى ما أعياهم الغياب. أما هم، فرأيهم من رأي محمود درويش عندما قال «علينا، نحن، أن نحرس ورد الشهداء، وعلينا، نحن، أن نحيا كما نحن نشاء».

عن موقع ميادين المقاومة

من الداخل إلى الإقليم و العالم، لتكون الأقرب للمشهد السياسي.. بمنظورٍ مُقاوِم! هدفنا أن تكون بيئتنا الكريمة شريكةً في الوعي.. لا مجرّد متلقّية للخبر!

شاهد أيضاً

نتنياهو يدعو إلى «توحيد الصفوف»… ويتوعّد إيران

قال نتنياهو، في كلمة أمام الكنيست، اليوم: «نمر بأيام معقدة وصعبة للغاية تمس حياة البلاد، …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *