المدينة الرياضية أم مدينة الأحزان؟

تحوّلت مدينة كميل شمعون الرياضية بعد تشييع السيد حسن نصر الله والسيد هاشم صفي الدين، من ملعب للمباريات إلى فضاء محفور بالفاجعة والوداع وذاكرة لا تنطفئ.

طبعت جنازة نصر الله على جدران المدينة الرياضية ومقاعدها

حتى 23 شباط العام الماضي، لم تكن مدينة كميل شمعون سوى محطة استدلّ بها لقياس الطريق أو لزيارة مكان قريب، وملعب ضخم أعبر من أمامه من دون أن يستوقفني. حتى صار الملعب يطاردني كلما مررت به متجهة إلى عملي. كم هائل من صور تشييع الشهيدين السيد حسن نصر الله والسيد هاشم صفي الدين نصر الله تظهر كـ«فلاشات» سريعة متشابكة. وسحابة كآبة تظلل المكان، حتى استحالت المدينة أن تكون بعد الحدث العظيم، مدينة رياضية، بل مأساوية، أو مدينة الأحزان.

اليوم، لا يمكن تخيل انفصام المدينة التي جمعت شخصية استثنائية مثل السيد مع أبنائه ووجعهم يوم الوداع كيف يمكن أن تستقبل مباراة حماسية أو أي عرض آخر. فالمقاعد مسكونة بالفاجعة، بعدما احتضنت اليتامى المفجوعين الذين رموا بأنفسهم على نعش الشهيد، ومن دون تكليف أو إحراج من الكاميرات الموزعة أطلقوا العنان لدموعهم وآهاتهم المؤجلة. ومهما علا صراخ المشجعين ودوت صفارة الحكم، يبقى صوت نصر الله حاضراً وهو يستقبل معزيه وينعى نفسه بخطابه الشهير «أيها الأحبة، أيها الكرام، يا أشرف الناس، وأطهر الناس وأكرم الناس السلام عليكم. أيها الإخوة والأخوات أنتم اليوم تدهشون العالم من جديد وتثبتون بحق أنكم شعب عظيم وأنكم شعب أبي وأنكم شعب وفي وأنكم شعب شجاع…»

 

«كيف نصل إلى المدينة الرياضية؟»، سؤال تكرر في يوم الوداع

أين المدينة الرياضية؟

شغلت مدينة الأحزان حديث الإعلام في الفترة التحضيرية لمراسم التشييع، وبعدها عندما دارت السجالات حول العدد الذي ضمته المدينة بسذاجة من يكشف ما في صناديق الاقتراع، متجاهلين كيف حضر هؤلاء؟ بأي حالة وصلوا؟ وأي علاقة غريبة تجمعهم بالسيد وخطه ونهجه أتت بهم، وستأتي بهم في أي زمان ومكان إلى ما هو أعمق بكثير من صناديق الاقتراع.

في مدينة الأحزان، اهتزت الأرض من هول الصدمة

«كيف نصل إلى المدينة الرياضية؟»، سؤال تكرر كثيراً على مسامع المنظمين في يوم الوداع. وعلى لسان المارين في طريقهم نحو قدر لا مهرب منه. وقتها، جلسوا برهة على الطريق لاستيعابه، كيف يمكن أن نمضي نحو جنازة السيد؟ ومشوا على آمالهم التي ما عاد بالإمكان تصديقها، مشوا على ثقل الخبر ومرارة الفقد.

كم كانت المدينة ضيقة على وجع الفراق. لا مكان في العالم كان يتسع لمحبي السيد في لبنان والعالم. حتى صار الملعب يلفظ أنفاسه من شدة الازدحام، وفي الساحة الخارجية دارت «معارك» من أجل الدخول، بين سيدة تريد وداع سيدها، ورجل مسن ربما يتوسل للمرة الأولى من أجل نظرة وداع، وصغار يشدون فستان أمهاتهم الأسود، «ما رح نفوت»، ورجال أمن في المقابل حصلوا على تعليمات للتو: «المدينة امتلأت بالكامل، أوقفوا المد البشري».

لا مكان في العالم كان يتسع لمحبي السيد في لبنان والعالم

هناك، في مدينة الأحزان، اهتزت الأرض من هول الصدمة. ها هو نصر الله بيننا بتابوت خشبي ولن يخطب فينا كما ظننا. ظهرت الحقيقة لا لبس فيها، بل أحزان ودموع. حتى من صدق نبأ شهادته كيف يصدق أن تُرفع عمامة نصر الله على تابوت؟ وكيف نأتي للقاء نصر الله فنسمع خطاباً من الأرشيف؟ كيف يمشي نصر الله بيننا في آخر خطواته نحو مثواه الأخير؟ أما اختنقت هذه المدينة بضيق صدورنا؟ أما فاضت بدموعنا المخزنة منذ أشهر؟ أما احترق قلبها لما ضربنا على رؤوسنا من هول الفاجعة ورمينا قبلاتنا الأخيرة لعزيز الروح، وسلمنا عليه، وعاتبناه على فراقنا، وأخبرناه من تلك اللحظة كم سنشتاقه، ورثيناه ورثيناه كل على طريقته.

كان يوماً ثقيلاً على ذاكرتنا وعلى ذاكرة المدينة. لقد طبعت جنازة نصر الله على جدرانها ومقاعدها، ولبسها السواد وعبقت فيها رائحة نصر الله حتى استحالت بعد ذاك اليوم أن تكون رياضية، هي في نظري مدينة الأحزان حتى قيام الساعة.

عن موقع ميادين المقاومة

من الداخل إلى الإقليم و العالم، لتكون الأقرب للمشهد السياسي.. بمنظورٍ مُقاوِم! هدفنا أن تكون بيئتنا الكريمة شريكةً في الوعي.. لا مجرّد متلقّية للخبر!

شاهد أيضاً

هل جُمّدت مهمّة سيمون كرم؟

للمرة الأولى لهذا العام، تعقد لجنة «الميكانيزم» اجتماعاً غداً في رأس الناقورة بعد تعليق استمر …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *