ثلاث صفحات تحت القصف: وداع السيد هاشم الأخير
موقع ميادين المقاومة
15 ساعة مضت
أخبار هامّة, الرئيسية, النشرة اللبنانية, مقالات مختارة, منوّعات
قراءة وجدانية في الكلمات الأخيرة للسيد هاشم صفي الدين، بين رثاء السيد حسن نصر الله، والوصية غير المكتملة، وصورة «شبيه السيد» الذي كتب وداعه تحت سماء مثقلة بالقنابل.

تعرج على غزة وكأنك تحني رأس أمة خجلاً أمام أرض أثخنت بالجراح
خلافاً للمقربين والمحيطين بـ«رئيس حكومة حزب الله»، كما يقال، أو الأمين العام السابق السيد هاشم صفي الدين، وممن كانت همومهم شأناً أولياً بالنسبة إليه. أولئك الذين حمل عنهم تعبهم ويتمهم وجراحهم حين انفض الوطن عنهم، لم تتجاوز معرفتنا نحن به حدود صورة مألوفة، متعارفة، يتناقلها أول ناظر إليه كحكاية مختصرة، صورة تتقدم الاسم: «شبيه السيد». جميل المحيا مثله، في تودده وبسمته، في إيماءة رأسه حين إصغاءة لجليس، حتى في تلك الراء التي تتعثر حتى استحالت هوية يستسيغها سمعنا ويستهوينا تقليدها، إنه السيد هاشم صفي الدين.
ثلاث صفحات فقط خطتها يدك تحت سماء مطبقة بأطنان من القنابل التي تفتش عليك لاغتيالك. بدت الصفحات كأنها تحمل ثقل سنين طوال، ولا ندري بأي حال قبضت على القلم، ولا كيف استقامت يدك على ورقة غدت رسالة يتنقل فيها الحزن سطراً بعد سطر، متذيلاً بسكينة لا تريد أن تفزع القلوب، يسير بوقار لألّا يكسر من يقرأه إن اشتد وقعه عليه، تواسي بكلماتك عوائل الشهداء والجرحى وأنت أصبحت واحداً منهم «فاقداً صابراً محتسباً».
تعرج على غزة فلسطين، وكأنك تحني رأس أمة بأسرها خجلاً أمام أرض أثخنت بالجراح والدمار تستجدي لها عذراً على هول ما أصابها وأصابنا معاً، تسترضيها باسم الساعين إلى نصرتها وتحمل في قلبك على العاجزين طوعاً.
«المصاب الجلل»
وهنا، غير متكئ على كلمات كبيرة، تقول إن «مصابنا جلل، وإن القائد الذي فقدناه استثنائي، وهو فعلاً كان نادرة زمانه»، نخالك تتوقف لحظات لالتقاط أنفاسك، أو لإمهال قلبك متنفساً لغصة داهمته على عجل، أم أن العبرة كانت ستختنق عند ذكر اسمه فتختار صمتاً يفصل بين الفقد والواجب؟
أنت كنت تدرك أنك تكتب وداعك لا خطاباً تنعى فيه شهيداً وأي شهيد
أياً يكن فأنت كنت تدرك أنك تكتب وداعك لا خطاباً تنعى فيه شهيداً وأي شهيد!، تقول فيه: «وعلى أيّ حال الحديث عن هذا القائد يحتاج إلى وقت طويل ليس الآن وقته»، أكنت على عجلة من أمرك، فالموت يزاحمك والناس يجتاحهم الفقد والحزن أم أن شيئاً في داخلك كان يدفعك إلى الإيجاز، لأنّ الوجع أطول من أن يُختصر في صفحات ثلاث؟ لا وقت يتقدم على حديثك عن الشهيد السيد حسن نصر الله وأنت تعلم أنها آخر الصلوات وبداية اللوعات، ولا عذر بعزوفك عن الإسهاب إلا يقينك باللحاق به؟ أم أنّ أملاً عاندك بأنّ للغد متّسعاً من الكلام، وأنّ العمر، مهما ضاق، لا يتخلف عن طيب الإثر؟

صورته تتقدم الاسم: «شبيه السيد» جميل المحيا مثله، في تودده وبسمته
وقلت سأترك «عدداً من القضايا لوقت لاحق لأن الأحداث التي تحصل اليوم سواء في فلسطين أو لبنان أو كل المنطقة هي في الحوادث المفصليّة والتي لا يجوز أن نمرّ عليها سريعاً دون التأنّي والتفحّص»، أوَيجوز لمن يكتب وصيته أن يعد الملهوف بوقت لاحق؟
تحدثت عن «إخلاصه واستعداده للتّضحية بكل ما عنده ومن عنده في سبيل القضيّة التي آمن بها والتزم بها مع شعبه وأهله وعوائل الشّهداء والجرحى والعوائل المضحّية في مسيرتنا المقاومة»، فلم تكن العبارة تعداداً لخصالٍ محفوظة، بل شهادة من عاش القرب وعرف التفاصيل. وهل خطر لك، وأنت تستعيد إخلاصه وتضحياته، أنك تسير إلى الموعد ذاته، وأن درب التضحية لا يقف عند اسمٍ واحد؟
لا المقاومة في غزّة قبلت ولا نحن في لبنان كنا مستعدّين أن نقبل بشروطه المذلّة لا الآن ولا في أي وقت
وحين قلت «لقد كنا ننتظر إطلالته في مثل هذه الأحداث ليكون كلامه بلسماً للجراح ونافدةً لفهم ما يجري وتوضيحاً وتثبيتاً ووعوداً بالقدرة على التغلّب على كل المصاعب»، كأنك تقول لنا: أنا مثلكم، كنتُ أنتظره. ولربما كنتَ تستعيد ضحكةً عابرة، أو وصيّةً قيلت في ذات جلسة، وربما نظرةً فهمتَ من عنوانها ما لم يُقَل!

ذكرت «جوانب الفرادة في شخصيّته»، وكأنك تفتح باباً لذكريات لا يسعها مقام الخطاب، أيّ صورة مرّت في بالك وأنت تكتب؟ أهي جلسة بعيدة عن الأضواء؟ أم موقفٌ اشتدّ فيه الخطر فبان فيه معدن الرجال؟ كيف كنت ستنقل له، لو أمهلك الزمن، قهرنا على فراقه ليغدو حباً أبدياً له أن تهتف ونهتف سوياً «لبيك يا نصر الله»؟
ثم تغيّر الإيقاع قليلاً، لا يرتفع صوتك، لكن نبرته تزداد صلابة: «لا المقاومة في غزّة قبلت، ولا نحن في لبنان كنا مستعدّين أن نقبل بشروطه المذلّة لا الآن ولا في أي وقت». لم تكن العبارة تحدّياً عابراً، بل تقريراً لحقيقة تعرفها. حتى الغضب عندك بدا منضبطاً، قائلاً: «قدّمنا الشّهداء والتّضحيات الكبيرة من أجل المحافظة على هذه الأسقف، آخذين بعين الاعتبار كل الخصوصيّات في بلدنا العزيز»، هو غضبك الذي يعرف حدوده، كما يعرف مبتغاه.
ماذا بعد السطر الأخير؟ ماذا كنت تنوي الكتابة بعد النقاط الثلاث؟ هل كنت ستبدل ترتيب الفقرات؟ هل كنت تدري أن «آلات القتل المتطوّرة نتيجة الهيمنة الغربية على التّكنولوجيا…» لن تبقى تحليلاً في سياق خطابك، بل ستغدر بقبضة يدك على القلم لتبقى الأوراق ثلاثاً، بين جملةٍ اكتملت وأخرى اقتطعت، لنكتشف أن في تلك المسافة القصيرة بين السطر والنقطة صورة رجل «شبيه سيد» لم يكمل الحكاية بل مضى مخلفاً ألف سؤال وألف بين ما كُتب وما لم يُكتب؟
مرتبط