يوم رفض الله رشوتي

من إجابة طفلة عن معركة كربلاء إلى لحظة تشييع السيّد حسن نصر الله: نصّ شخصي عن معنى الشهادة والانتصار حين يتحوّل القائد إلى فكرة لا تموت.

كل شيء عن كربلاء سيصبح أكثر وضوحاً بعد عصر 27 أيلول 2024

مقدّمة لا بدّ منها: «انتصر معسكر الباطل ومات الإمام الحسين في معركة كربلاء»، ببراءة وموضوعية، هذه كانت إجابة ابنتي في مادة التربية الدينية عن سؤال: «من انتصر في معركة كربلاء ولماذا؟». بالطبع، نالت صفراً من معلمتها على إجابتها. ضحكت كثيراً يومها من الإجابة، ولكنني لم أستطع كما لم تستطع على ما يبدو معلمتها أن تشرح لها معاني كربلاء والتضحية.

تذكرت نفسي عندما كنت في مثل عمرها، يوم حكت لي أمي قصة عاشوراء التي نتردد لإحياء مراسمها. بكيت تأثراً، إلا أنّني جبنت يومها عن سؤالها عن كثير من الأمور التي خطرت على بالي، مثلاً لماذا ذهبوا إلى معركة خاسرة؟ ولماذا لم يهربوا وينجون بحياتهم؟ أليس هذا الفوز الأكبر؟ النجاة؟ كيف ينتصر من مات؟ ثم كيف لا يخافون ويذهبون بقرارهم إلى الموت؟

كربلاء العصر

كل شيء عن كربلاء والتضحية سيصبح أكثر وضوحاً بعد عصر يوم الجمعة 27 أيلول 2024، وصباح يوم السبت 28 أيلول 2024. في تلك الساعات أعيد يوم العاشر من المحرّم بالنسبة إليّ. شعرت بالضيق، وتمسكت بالأمل. وبانتظار خبر يطمئننا عن صحة المستهدف (حسن نصر الله) بعد أن استبعدنا، لأسباب لا نفهمها، كلّ تسريبات العدو، بدأ القلق يتسرب إلى قلوبنا. انتظرنا رنّة رسالة لم تأتِ أبداً تقول إنّ السيّد لا يزال بيننا.

كل شيء عن كربلاء والتضحية سيصبح أكثر وضوحاً بعد عصر يوم الجمعة 27 أيلول 2024

لمعالجة القلق حاولت أن أقدّم لله رشوة، بأن أبقِ لنا السيد حسن بيننا وسأقوم بتقديم النذور والذبائح، على طريقة القدماء. ولكن لم يكن في حوزتي غير مبلغ زهيد مقارنة بالمطلوب، وهو بقي في جيبي بعد أن بدأت رحلتي مع التهجير. سألت عن كلفة ذبح خروف لعلّي أعيد قصة فدو إسماعيل بـ«الذبح العظيم». 400 دولار هو ثمن الخروف، كان معي 900 دولار، فقلت من دون تردد: إذن أريد التضحية بخروفين وتوزيع لحومها على المساكين.

أخذت أفكر هل يقبل الله هذا الفدو الزهيد مقابل السيد نفسه، لا بد أن يكون الرقم كبيراً 50 ألف دولار مثلاً، ولكن من أين لي هذا المبلغ؟ هل أستدين؟ هل أنوي النذور، فإن خرج السيد سالماً تصبح الاستدانة منطقية أكثر في هذه الحالة. قاطعت نفسي تكراراً، وأكّدت لمحدثي بتوتر ضرورة الإسراع في التنفيذ «أريد استباق أي خبر مكروه لا سمح الله». ولكن لم يقبل الله رشوتي يومها، وكانت إرادته قد سبقت محاولاتي يوماً كاملاً.

سنشيّع حسيننا

مرّت الأشهر الخمسة بعد اغتيال السيد ثقيلة، وفيها سؤال واحد: أين السيد، لماذا لا يكرم هذا العبد بدفن لائق؟ كلّ هذه الأسئلة انتفت بعد الإعلان عن تشييع السيد في المدينة الرياضية، وحلّت مكانها أسئلة من نوع آخر، فأول ما خطر لعقلي المشكك في كل شيء: «يا للخيار السيئ»، لماذا لا يشيّع السيد في مساحة مفتوحة؟

مرّت الأشهر الخمسة بعد اغتيال السيد ثقيلة، وفيها سؤال: أين السيد؟

ولكن نحن ذاهبون حتماً، ومن دون تفكير حسمت أمري قاطعة «نجلس خارج الملعب، رغم مساحة المكان الكبيرة، إلا أنّه محصور، وإن حصل أيّ مكروه لن يتمكن أحد من الهروب، فضلاً عن الفوضى المتوقعة». المخاطر التي دارت في عقلي المتوجس تتمحور حول قيام العدو بضرب التشييع، وصورة الدرونات المحملة بالرشاشات، والتي تقتل الناس المجتمعة في غزة لا تغادر رأسي.

وفي فجر 23 شباط 2025، وبينما نستعد للنزول إلى التشييع، وكقائدة لفرقة من خمسة أشخاص يومها من ضمنهم ابنتي وأمي، قررت التوضؤ قبل النزول، فرغم ضعف إيماني وتمسكي بالحياة ركنت إلى ما أسمعه من الرواية الدينية أنّ «من مات على وضوء، مات شهيداً». قلت في نفسي: نصل باكراً أفضل، إذ يمكن أن أماكن جيدة في الخارج من دون أن نضطر إلى الدخول. أنهيت وضوئي ونظرت في المرآة، وسألت نفسي: ماذا لو لم تتمكني من رؤية السيد؟ حسمت أموري، سندخل لداخل المدرجات في المدينة الرياضية.

وصلنا قبل شروق الشمس، المكان مظلم، إلا أنّ المدرجات امتلأت على آخرها. جلست يا سيد وانتظرت مرورك الأخير. وحين أتيت لم أسمح لعينَي رغم دموعها المنهمرة أن تغمض للحظة، أو أن تستريح. أردت أن أشبع منك، تحدثت معك كثيراً، ولم يقطع حديثي سوى ضجيج طائرات رأيت تفاصيلها كاملة بعد مرورها فوق رؤوسنا. وفي هذه اللحظة تذكرت ابنتي، نظرت إليها فكانت مثلي غاضبة حانقة تهتف مع الجموع من كل عزمها. لم يخف أحد في حضورك يا سيّد، حتى ابنتي «الجبانة» لم تخف.

كنت بيننا شخصاً، والآن روحاً وفكرةً، لذا لن نهزم، ومعسكر الباطل لا ينصر بموت القائد، بل على العكس، يصبح لمعسكر الحق المزيد من العزم للقتال، ورفض فكرة الاستسلام من أساسها…

عن موقع ميادين المقاومة

من الداخل إلى الإقليم و العالم، لتكون الأقرب للمشهد السياسي.. بمنظورٍ مُقاوِم! هدفنا أن تكون بيئتنا الكريمة شريكةً في الوعي.. لا مجرّد متلقّية للخبر!

شاهد أيضاً

هل جُمّدت مهمّة سيمون كرم؟

للمرة الأولى لهذا العام، تعقد لجنة «الميكانيزم» اجتماعاً غداً في رأس الناقورة بعد تعليق استمر …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *