سيد هاشم أتسمح لي بسؤال بعد؟

شهادة وجدانية عن السيّد هاشم صفي الدين: لقاءات الجامعات، حوارات الشباب، أسئلة النقد والوعي، ووصايا بقيت بعد الرحيل.

كانت معظم لقاءات السيد هاشم مع الطلاب الجامعيين نهار السبت

بين ميقات الذهاب إلى القرية نهاية الأسبوع بعد أيام الدراسة الجامعية أو «لقاء خاص» مذيل بدعوة ورقية عبر مندوب التعبئة التربوية في الكلية، لا حاجة إلى مساحة من التفكير، كيف ولو كان اللقاء مع السيد هاشم صفي الدين. يكفي أن تهاتف والدتك هذا السبت: «ماما ما تزعلي… إذا لحقت بطلع اليوم أو بكرا الأحد بكير»، إذ كانت معظم لقاءات السيد هاشم مع الطلاب الجامعيين نهار السبت.

في بدايات العمر الجامعي، كان لهذا الرجل الاستثنائي فضلٌ في تشكيل وعي الكثير من أقراني ثقافياً وسياسياً وبقي… لم تكن اللقاءات مجرد إحاطة سياسية بما عصف بتاريخ الجمهورية اللبنانية بعد عام 2005. بل كانت محاضراته، عن أي رؤية جامعية وأي طالب جامعي نريد؟

في التوجيهات السنوية للجان العمل مع مطلع كل عام جامعي، التحديات الثقافية في الساحة اللبنانية، وعلى رأسها في ذاك الوقت، مفاهيم المواطنة والانتماء إلى ولاية الفقيه، مساحة عبور نحو تأصيل تربوي قائم على التفكير لا الإسقاط، فهو ينظر إلى الطالب الجامعي بوصفه فاعلًا مقاومًا لا متلقيًا، وأنّ المعرفة شرط للمقاومة، وإن معركة الوعي في الحرم الجامعي لا تقل أهمية عن أي معركة أخرى…

شكلت محاضراته نقلة استثنائية ونموذجاً لحزب تفرد قيادته مساحة حوار بينها وبين جمهورها، فكيف الشباب؟ عرفت لاحقاً أن السيد كان ممن يرون في هذه اللقاءات مع الشباب أمتع الحوارات، بل ويُقدمها على أي ارتباط آخر…

لم ينزعج السيد هاشم يومًا من أي سؤال مشاكس حتى لو كان نقدًا للحزب

لم ينزعج يومًا من أي سؤال مشاكس، حتى لو كان نقدًا لاذعًا للحزب على أدائه السياسي، كان يقابله بابتسامة الأب لابنه. حتى أني توجهت إليه يومًا بسؤال هل حزب الله: حزب الأمة أو أمة الحزب؟ ضحك مستغربًا عن الفارق بينهما! أجبته الحق على نائب الأمين العام (الأمين العام الحالي الشيخ نعيم قاسم)، فهو أدرج هذا العنوان في كتابه: حزب الله المنهج، التجربة والمستقبل.

وفي لقاءٍ آخر مع مجموعة شبابية قبل حرب تموز 2006، كنا في ضيافته حول سلسلة من محاضرات حول حزب الله المبادئ والأهداف، استوقفتني عبارة «الثورة الإسلامية» على دفتر صغير على الطاولة، سارعت إلى سؤاله: سيد، ألم يتخلَّ حزب الله عن شعار الثورة الإسلامية في لبنان؟ لم يستغرب السيد السؤال، فلربما واجهته ضابطة الاتهام تلك مرات عدة سابقاً، لكنه كان حاسمًا بجواب صغير: هيدي دفاتر قديمة من أيام الشِعار، أما اليوم لا إمكانية في بلد مثل لبنان لقيام شيء اسمه الثورة، فالظروف والأسباب وطبيعة هذا البلد تحول دون ذلك، وهذه قناعتنا.

شكلت محاضراته نقلة استثنائية ونموذجاً لحزب تفرد قيادته مساحة حوار بينها وبين جمهورها

فرصة اللقاء هذه لم تقتصر على شباب التعبئة، بل كانت فرصة للقاءات أخرى مثل «الأيام المجيدة» للذكرى السنوية للتفاهم بين التيار الوطني الحر وحزب الله، يتبادل القطاع التربوي الزيارة، إذ يقوم وفد جامعي من مندوبي التعبئة بزيارة مسؤول في التيار والعكس…

مائدةُ أسئلة هذه اللقاءات كانت دومًا: لماذا تتمسكون بالعلاقة مع نبيه بري؟ نحن وإياكم أتينا من خارج هذه السلطة تعالوا نبني لبنان سويًا. يحتفظ اليوم الصديق في التيار بصورة مع السيد في ختام ذاك اللقاء بين أغراضه الشخصية، وربما بجواب السيد أيضًا حينها: إن العلاقة مع التيار لا تعني قطع العلاقة مع حركة أمل، هذه العلاقة كلفتنا الكثير لنحافظ عليها.

في آخر لقاء معه قبل أشهر قبل استشهاده، توجه إلى مندوبي الساحات الجامعية والثانوية بالقول: نحنُ جميعًا في قلب ميدان هذه المواجهة وهذا الصراع، لسنا متلقين ولسنا مراقبين ومتابعين فحسب. نحنُ في قلب هذا الصراع.

عامٌ ونيف مرّ على الرحيل. أفتش في تلك القصاصات الورقية التي كنا نخبأها في دفاترنا بعد كل لقاء معكم وما أزال أحتفظ بها كوصايا، ربما على شاكلة لقمان الحكيم لابنه، ويا للمصادفة، آخر اللقاءات معكم كان في تفسير سورة لقمان، حيث اشترطت علينا أن نتحدث بكل شيء إلا في السياسة. لقاء لم نكن نعرف أنه الأخير، ذاك العام 2024، يوم أصررنا عليك أن تستكمل اللقاءات ولو في الشهر مرة.

كنت ترى في الشباب التعبوي الأنموذج القادر على تولي المسؤولية الذي وصفته بـ «رساليون»، وكنا نرى فيك درب السيد حسن بعد استشهاده. أعذرنا إذا ما أكثرنا أسئلتنا عليك يوماً. ولكن هل ستسمح لي بسؤال أخير لك بعد؟

«شو نفع يلي بيحب إذا بتشتقلو بالسر وما فيك تحكيه؟

شو ذنب الأيام إذا أعمارا أطول من أعمار الناس؟

مين بهالدنيا بيعرف إذا بنبقى أو يمكن نغيب؟

وشو حلوة الإيام تخلص وما ينقص حدا من الناس»

عن موقع ميادين المقاومة

من الداخل إلى الإقليم و العالم، لتكون الأقرب للمشهد السياسي.. بمنظورٍ مُقاوِم! هدفنا أن تكون بيئتنا الكريمة شريكةً في الوعي.. لا مجرّد متلقّية للخبر!

شاهد أيضاً

هل جُمّدت مهمّة سيمون كرم؟

للمرة الأولى لهذا العام، تعقد لجنة «الميكانيزم» اجتماعاً غداً في رأس الناقورة بعد تعليق استمر …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *