الإصلاح الزراعي في مهداف السلطة | مفتي سوريا للفقراء: لا أراضي لكم

أثار حديث مفتي سوريا، أسامة الرفاعي، حول أراضي الإصلاح الزراعي، موجة جدل واسعة بين اقتصاديين ومراقبين، خصوصاً أنه جاء في ظلّ تصاعد النقاش حول مستقبل الملكيات الزراعية، واحتمالات مراجعة سياسات التأميم والإصلاح في البلاد.

سبق أن شهدت سنوات التحوّل نحو اقتصاد السوق انتقادات لسياسات التأميم

أثار حديث مفتي سوريا، الشيخ أسامة الرفاعي، عن موقف الشرع الإسلامي حيال أراضي الإصلاح الزراعي، ردودَ فعلٍ واسعة، ولا سيما في أوساط الاقتصاديين الذين حاولوا استشراف ما يمكن أن يترتّب على أيّ قرار مستقبلي في هذا الخصوص. وفي ما يشبه «الفتوى»، اعتبر الرفاعي أنه «لا يجوز شراء هذه الأرض، ولا دخولها، ولا التعامل معها، ولا التوسّط في بيعها، بل ولا يجوز حتى الصلاة فيها».

وجاء أوّل الردود على ذلك من قِبل مدير «المركز العربي لدراسات سوريا المعاصرة»، سمير سعيفان، الذي اعتبر أن «من انتفعوا بتوزيع أراضي الإصلاح الزراعي لم يرتكبوا أي معصية، وعليهم ألّا يشعروا بأي ذنب؛ فمن كانوا أصحابها لم يمتلكوها بعرق جباههم وكدّ زنودهم، وإنما بطرق شتّى تفتقد العدالة والمشروعية»، مشيراً إلى أن «السلطة القائمة آنذاك هي من سلكت هذا الدرب الذي سلكته دول وشعوب كثيرة قبل سوريا». ونبّه سعيفان إلى أن «العودة عن الإصلاح الزراعي وعن التأميم إجراء غير قابل للتنفيذ لأسباب عدة، لكن يمكن العودة عن مبانٍ وعقارات مصادَرة كانت تستخدمها الدولة، لأن إعادتها لا تنتج آثاراً سلبية واسعة». أما إعادة أراضٍ ومصانع جرت عليها تغييرات وإضافات وتوارثتها أيدٍ كثيرة، فهو «أمر يثير تعقيدات لا تُحصى من جهة، ويثير غضباً واسعاً من قِبل الأرياف من جهة أخرى»، بحسب سعيفان، الذي خلص إلى أن فتوى الرفاعي «تصبّ في مصالح الأغنياء ضد مصالح جموع غفيرة من الفقراء»، قائلاً: «تصوروا أيّ اضطراب اجتماعي سينتج من قول الدولة للفلاح الفقير، الذي عانى ويعاني ما يعانيه، ويضع كلّ آماله في بضعة دونمات يفلحها وراثة عن والده وجدّه، إن الدولة ستأخذها منه وتعيدها إلى من كان يمتلكها قبل عام 1958؟!».

آلاف الأُسر المستفيدة

ليس جديداً انتقاد سياسات التأميم والإصلاح الزراعي التي طبّقتها البلاد قبل نحو سبعة عقود؛ إذ سبق أن شهدت سنوات التحول نحو اقتصاد السوق في العقد الأول من الألفية الحالية نقاشات وصلت إلى حدّ مطالبة بعض الصناعيين، في «المؤتمر الصناعي الأول»، الحكومة بدفع تعويضات إلى أصحاب المنشآت المؤمَّمة. لكن آنذاك، بدا أن ثمّة إجماعاً على أن الحلّ يكمن في منع إعادة إنتاج مثل هذه السياسات أو التوجهات، وهو ما نصّ عليه صراحة دستور عام 2012 لجهة حماية الملكية الخاصة ومنع مصادرتها. ومن ثمّ صدرت لاحقاً مراسيم تشريعية تمنح المتجاوزين سقف الملكية الزراعية من رجال الأعمال، فرصة وضعها في الاستثمار، وذلك كمخرج لعدم مصادرتها وفق ما ينصّ عليه قانون الإصلاح الزراعي الذي كان لا يزال سارياً في حينه.

لا يمكن مقاربة ملف التأميم والإصلاح الزراعي من زاوية واحدة أو خلال وقت قصير

وبالعودة إلى فترات الإصلاح الزراعي، والتي تُقسَّم، بحسب تطورات البلاد السياسية، إلى ثلاث مراحل، فإن المرحلة الأولى كانت ما بين عامَي 1958 و1961، وشملت مصادرة ما بين 600 و700 ألف هكتار، وفقاً لبيانات مجمّعة من عدة مصادر. ولم يُوزَّع في تلك المدة سوى ما يقرب من 175 ألف هكتار، فيما قُدِّر عدد المستفيدين منها بنحو 60 ألفاً. أما المرحلة الثانية، فكانت بين عامَي 1963 و1969، وفيها وصل إجمالي مساحة الأراضي المصادَرة بموجب قانون الإصلاح الزراعي إلى نحو 1.514 مليون هكتار بنهاية عام 1969. وآنذاك، تمّ توزيع وبيع نحو 644 ألف هكتار لحوالي 55 ألف عائلة ريفية، بحسب بيانات وزارة الزراعة، التي اعترفت في تقرير خاص بأن التوزيع «لم يكن عادلاً لعدّة أسباب»، وأن الإصلاح الزراعي «لم يُحدث تحولاً إيجابياً ملحوظاً» في الإنتاج الزراعي.

وبدورها، شهدت المرحلة الثالثة، التي جاءت بعد عام 1970، تراجعاً في عمليات مصادرة الأراضي مقابل استمرار توزيع الأراضي المصادَرة سابقاً. وانخرطت الدولة آنذاك في استثمار بعض هذه الأراضي عبر ما سُمّي مزارع الدولة والجمعيات التعاونية، التي تكشف البيانات الرسمية نموّها الكبير من نحو 82 جمعية عام 1962 إلى نحو 1359 عام 1971.

وخلال العقود الماضية، صدرت عدّة تشريعات وإجراءات تنظيمية تتعلّق بمستقبل الأراضي المصادَرة والموزَّعة بموجب قوانين الإصلاح الزراعي، سواء لجهة حجم المساحة التي يمكن توزيعها لكلّ مستفيد، أو طريقة استثمارها، أو مستقبلها بالنسبة إلى المنتفعين منها.

وبغضّ النظر عن الآثار الاجتماعية، بشقّيها الإيجابي والسلبي، التي خلّفتها عملية مصادرة الأراضي وإعادة توزيعها، فإن مرور سنوات طويلة عليها زاد من شريحة المنتفعين، وذلك بفعل توزيع الإرث داخل الأسرة الواحدة، أو عمليات البيع والتنازل خارجها، الأمر الذي يجعل أي خطوة لمراجعة تلك العملية محفوفة بالمخاطر الاجتماعية. والجدير ذكره، هنا، أن الكثير من الأسر التي وزّع عليها «حزب البعث» الأراضي، في الستينيات والسبعينيات، عادت، بعد ثلاثة عقود، لتتظاهر ضدّ الحزب نفسه مع بدايات عام 2011، حين هدّدت إجراءات التخلّي عن دعم القطاع الزراعي لقمة معيشة هذه الأسر ومصدر دخلها.

ما الحلّ؟

وفقاً للتقديرات السابقة، فإن مساحة الأراضي الموزَّعة بموجب تشريعات الإصلاح الزراعي تشكّل نحو 19% من الأراضي القابلة للزراعة في البلاد، فيما ذهبت تقارير دولية إلى القول إنها تصل إلى 22%. وهذا يعني أن نسبة لا يُستهان بها من العمالة توجد أيضاً في هذه الأراضي؛ إذ تشير بيانات مسح قوة العمل السنوي إلى أن نسبة العاملين في القطاع الزراعي الخاص بلغت عام 2022 نحو 21% من إجمالي عدد العاملين في القطاع الخاص بمختلف مجالاته، بينما كانت نحو 19% عام 2010.

وعلى أيّ حال، لا يمكن مقاربة ملف التأميم والإصلاح الزراعي من زاوية واحدة أو خلال وقت قصير. وفيما لا يحقّ للدولة التي استولت على منشآت وأراضٍ زراعية بموجب قوانين التأميم والاستملاك والإصلاح الزراعي أن تمنحها، اليوم أو غداً، لمؤسّسات وشركات خاصة لاستثمارها، فإنه لا يمكن معالجة هذا الملف بالطريقة التقليدية القائمة على إعادة المنشآت والأراضي إلى أصحابها السابقين، من دون الأخذ في الاعتبار ما يلي:

– البحث في مشروعية تأسيس الملكيات الكبيرة سابقاً ونشوء الإقطاعيات الواسعة.

– إجراء تقييم موضوعي ومستقلّ لتأثيرات الإصلاح الزراعي على حياة الأسر والريف عموماً.

– تحديد المسؤولية المترتّبة على المنتفعين لقاء استفادتهم من توجّهات حكومية في مرحلة زمنية معينة.

– والبحث في المتغيرات التي طرأت على هذه الملكيات خلال العقود السابقة وما أُنفِق عليها.

عن موقع ميادين المقاومة

من الداخل إلى الإقليم و العالم، لتكون الأقرب للمشهد السياسي.. بمنظورٍ مُقاوِم! هدفنا أن تكون بيئتنا الكريمة شريكةً في الوعي.. لا مجرّد متلقّية للخبر!

شاهد أيضاً

تقرير: ترامب محبط من محدودية الخيارات العسكرية تجاه إيران

ازداد إحباط الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، في الآونة الأخيرة إزاء ما يصفه مساعدوه بحدود النفوذ …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *