الأوروبيون يتريّثون اقتصادياً: الأولوية لإعادة اللاجئين
موقع ميادين المقاومة
19 ساعة مضت
أخبار هامّة, الرئيسية, النشرة الدولية, مقالات مختارة, منوّعات
يتريّث الأوروبيون في الانخراط اقتصادياً في سوريا، مفضّلين مقاربة حذرة رغم التطبيع السياسي. ويأتي ذلك في وقت تتقدّم فيه أولوية معالجة ملف اللاجئين على أي تعاون استثماري واسع، مع تركّز الاستثمارات المعلَنة في قطاعات ريعية وضمن تكتلات محدّدة.

لا تبدو استعادة الزخم الأوروبي الاقتصادي السابق وشيكة
باستثناء بعض الشركات الأميركية العاملة في مجال الطاقة، لا يزال الغرب عموماً يتعامل بحذر مع الدعوات السورية إلى الاستثمار في البلاد. ويبدو ذلك واضحاً في مواقف معظم الدول الأوروبية، التي، وإنْ طبّعت علاقاتها الدبلوماسية والسياسية مع دمشق، إلّا أنها لا تزال تصنّف سوريا على أنها بلد غير آمن، رغم مرور أكثر من عام على سقوط النظام السابق. وتترجَم تداعيات هذا التصنيف في تريّث الشركات الأوروبية الكبرى في بدء مشاريع حقيقية، واكتفائها بالمراقبة إلى الآن، على الرغم من أن طبيعة اختصاصات بعضها دفعتها إلى دخول السوق السورية مبكراً. وحتى اللحظة، تفيد مؤشرات الاستثمار الأولية في البلاد بوجود منحنيَيْن رئيسيين: الأول، يتعلّق بتمركز الاستثمارات التي وُقِّعت بشأنها مذكّرات تفاهم أو عقود ضمن تكتل رباعي يضمّ قطر وتركيا والسعودية والولايات المتحدة؛ والثاني، يتّصل بطبيعة القطاعات الاستثمارية الرئيسة المُستهدَفة، من مثل الطاقة والعقارات والنقل.
وفيما تدخل غالبية الاستثمارات المُعلَن عنها في إطار ما يسمى «الاقتصاد الريعي»، يبيّن باحث اقتصادي، مقيم في لندن، أن الاستثمار في سوريا حالياً «يحمل بعدَين: سياسي وريعي»، عازياً ذلك، في حديثه إلى «الأخبار»، إلى أن البلاد «لا تزال غير جاذبة للاستثمارات الإنتاجية التقليدية». وهذا ما ينطبق، بحسبه، على الاستثمارات الأميركية التي تمّ الإعلان عنها أخيراً؛ فهي تتركّز في قطاع مُغرٍ كالنفط والغاز، لكنها في الوقت نفسه جاءت بفعل قرار سياسي. كما ينسحب الأمر نفسه على بعض العقود المحدودة التي أبرمتها الحكومة السورية مع شركات أوروبية. فعلى سبيل المثال، تقدّم مستثمر سوري بطلب يتيح لشركته الدولية تقديم خدمات أرضية للطائرات في مطار دمشق، إلا أن سلطة الطيران فضّلت، لسبب سياسي أيضاً، التواصل مع شركات غربية لتنفيذ ذلك المشروع.
وإذا كانت المعلومات تشير إلى قرب عودة شركة «غولف ساند» لاستئناف عقودها النفطية، والتي كانت قد توقّفت بسبب الحرب، فإنه لم يُعلَن حتى الآن عن استثمار أوروبي إنتاجي حقيقي في سوريا، وهو واقع قد يتغيّر في حال مُنحت تلك الاستثمارات امتيازات احتكارية، وفقاً لما يذهب إليه الباحث الاقتصادي.
حدّ الشراكة
خلال العقد الأول من الألفية الحالية، حافظت سوريا على علاقات اقتصادية جيدة مع الدول الأوروبية، ولا سيما في المجال التجاري. وكادت العلاقات تُتوَّج بتوقيع اتفاقية شراكة بين الجانبين في نهاية ذلك العقد، غير أن دمشق أرجأت التوقيع في اللحظات الأخيرة، قبل أن تؤدّي الحرب إلى تجميد هذا المسار بالكامل.
في نهاية عام 2010، بلغت قيمة صادرات دول الاتحاد الأوروبي إلى سوريا 4.536 مليارات دولار، ما شكّل نحو 26% من إجمالي المستوردات السورية. أمّا قيمة مستوردات دول الاتحاد الأوروبي من سوريا، فبلغت، في العام نفسه، 4.573 مليارات دولار، أي نحو 37% من إجمالي الصادرات السورية نحو الخارج. وبحسب البيانات الرسمية آنذاك، تصدّرت إيطاليا، ثمّ ألمانيا وفرنسا، قائمة دول الاتحاد في تعاملاتها التجارية مع سوريا؛ إذ بلغ حجم التبادل التجاري مع إيطاليا (الصادرات + الواردات) نحو 2.8 مليار دولار، ومع ألمانيا نحو 2.2 مليار دولار، ومع فرنسا نحو 830 مليون دولار.
لم يُعلَن حتى الآن عن استثمار أوروبي إنتاجي حقيقي في سوريا
وعلى الصعيد الاستثماري، لم يكن عدد المشاريع الأوروبية المباشرة في سوريا كبيراً قبل اندلاع الحرب، لكنه اتّسم بالأهمية نظراً إلى تمركز معظمه في قطاعات إنتاجية. فإلى جانب استثمارات الشركات النفطية الشهيرة، من مثل «شِل» و«غولف ساند»، برزت استثمارات هامة في مجال الصناعة، أبرزها مشروع إنتاج الجبنة المطبوخة لشركة «بل» الفرنسية الشهيرة، والذي احتلّ المرتبة التاسعة بين أكبر 50 مشروعاً مُنفَّذاً – بموجب قانون الاستثمار – قبل عام 2008، وذلك بكلفة 2.219 مليار ليرة سورية (نحو 46 مليون دولار بسعر الصرف آنذاك).
كما نفّذت شركة «نستله» السويسرية مشروعاً بكلفة 1.804 مليار ليرة سورية (نحو 37.5 مليون دولار)، حلّ في المرتبة الثانية عشرة بين قائمة المشاريع آنذاك. ويُضاف إلى ذلك، مشروع لشركة «فيمبكس» النمسَوية لإعادة تأهيل معمل الورق في دير الزور، جاء في المرتبة 43، بكلفة 649 مليون ليرة سورية (نحو 13.5 مليون دولار)، فضلاً عن مشروع إنتاج الإسمنت لشركة «لافارج» الفرنسية الذي دخل حيّز الإنتاج عام 2010.
وخلال العقد الذي سبق الحرب، شهدت سوريا كذلك زيادة ملحوظة في أعداد الزوار الأوروبيين؛ إذ تجاوز عدد السيّاح الألمان 80 ألفاً بنهاية عام 2010، فيما وصل عدد الفرنسيين إلى نحو 68.5 ألفاً، والبريطانيين إلى نحو 48 ألفاً، والإيطاليين إلى نحو 44 ألفاً، وغيرهم.
قطيعة الحرب
تراجعت العلاقات الاقتصادية بين الجانبين بشكل حادّ خلال سنوات الحرب، وذلك بفعل العقوبات التي فرضها الغرب على سوريا، وتدهور الأوضاع الأمنية في الداخل مع اشتداد المواجهات العسكرية وتوسّع رقعتها الجغرافية. وفي إثر تلك التطورات، علّقت الشركات الأوروبية أنشطتها الاستثمارية والتجارية مع الجانب السوري، فيما انخفضت المبادلات إلى أدنى مستوى تاريخي لها، بحيث لم تتجاوز مستوردات سوريا من دول الاتحاد الأوروبي، في عام 2022 مثلاً، 9% من مستواها المُسجّل عام 2010. أمّا الصادرات السورية إلى الاتحاد، فأصيبت هي الأخرى بانتكاسة كبيرة؛ إذ لم تتجاوز قيمتها في العام نفسه 0.6% من تلك المُسجّلة في عام 2010.
ورغم التحوّل السياسي الذي شهدته البلاد نهاية 2024، والذي لقي ترحيباً أوروبياً، فإن استعادة الزخم الاقتصادي السابق لا تبدو وشيكة، خصوصاً في المجال الاستثماري. أمّا المبادلات التجارية، فتشهد تحسناً تدريجياً مع رفع العقوبات الغربية، وفتح الحكومة الانتقالية باب الاستيراد.
غير أن التقييم النهائي لا يمكن إجراؤه إلا بعد صدور البيانات الخاصة بالمبادلات التجارية لعام 2025. وفي هذا السياق، يقول أحد ناشطي المجتمع المدني إن أولوية الوفود الأوروبية التي زارت سوريا أخيراً تتمثّل في «معالجة ملف اللاجئين السوريين في أوروبا أولاً، ثم يأتي لاحقاً بحث التعاون الاقتصادي». ويبيّن الناشط أن الأوروبيين يركّزون، في إطار تعاونهم مع الحكومة الانتقالية، على أولويتَين: الأولى، ترحيل اللاجئين غير المرغوب بهم في أوروبا إلى سوريا؛ والثانية، المساعدة على وقف تدفّق أي موجات جديدة من اللاجئين نحو أوروبا، إذ على الرغم من تراجع أعداد المهاجرين خلال العام الماضي، فإن حالة عدم الاستقرار في البلاد والمخاوف الأمنية قد تدفع، بحسب التقديرات الأوروبية، إلى تجدّد ظاهرة الهجرة واللجوء، وحتى ازديادها.
مرتبط