الجنوب اللبناني: سردية الخذلان الرسمي من التأسيس إلى المواجهة

منذ تأسيس دولة لبنان الكبير عام 1920، بقي الجنوب خارج أولويات السلطة المركزية. بين الحرمان الاقتصادي، انتفاضة مزارعي التبغ 1973، الاحتلال الإسرائيلي (1978–2000)، وأزمات اليوم، يتكرّس جدل العلاقة بين الدولة والمقاومة في ظل تبعية سياسية وعجز عن حماية السيادة.

امرأة من أهالي قرية مارون الراس تتفقد بيتها المدمر

الجنوب في وجدان السلطة اللبنانية ليس مجرد حدود، بل هو ذلك «الوجع البعيد» الذي اختارت بيروت تجاهله لترسم لنفسها صورة «سويسرا الشرق». منذ لحظة التأسيس عام 1920، لم تُبنَ الدولة لتكون وطناً للجميع، بل أُديرت كشركة خاصة لبيوتات إقطاعية وعائلات نفوذ، رأت في «المركز» (بيروت وجبل لبنان) مصدراً للربح والرفاهية، وفي «الأطراف» مجرد مساحات منسية تُترك لتقلبات القدر وأطماع العدو.

إقطاع المال والسياسة: حين صار الجنوب «خزان حرمان»

في الوقت الذي كانت فيه عشرات المليارات من الدولارات تُصب في تجميل وسط العاصمة لخدمة النخبة، كان المزارع الجنوبي يعجن خبزه بمرارة التبغ. لم تكتفِ الدولة بحرمان الجنوب من مشاريع الري الكبرى، بل حولت زراعة التبغ إلى أداة لاستعباد الفلاحين عبر احتكار «الريجي» الذي يمتص عرق الجبين بأبخس الأثمان.

بلغ هذا القهر ذروته في انتفاضة عام 1973، حين خرج مزارعو النبطية يطالبون بكرامة العيش، فلم يجدوا أمامهم جيشاً يحمي حدودهم من الصهاينة، بل أجهزة أمنية أطلقت الرصاص على صدورهم ليسقط الشهيدان حسن حايك ونعيم عباس. كانت تلك اللحظة إعلاناً صريحاً: إن الدولة اللبنانية، التي صيغت لمصالح حفنة من العائلات، مستعدة للفتك بمواطنيها دفاعاً عن احتكاراتها، بينما هي «حمامة سلام» عاجزة أمام انتهاكات العدو الإسرائيلي اليومية.

من النكبة إلى «قوة الضعف»: ولادة المقاومة من رحم اليتم

لم يكن الجنوبيون يوماً هواة حروب، لكنهم وجدوا أنفسهم وجهاً لوجه مع الوحشية الصهيونية منذ مجزرة حولا عام 1948، حين ذُبح 80 إنساناً بدم بارد والدولة تراقب من بعيد. في تلك الحقبة، اخترعت السلطة نظرية «قوة لبنان في ضعفه»، وهي في الحقيقة «شرعنة للهروب» ورفض لتحمل مسؤولية الدفاع عن مواطنيها.

بلغ قهر الجنوبيين ذروته في انتفاضة عام 1973 حين خرج مزارعو النبطية يطالبون بكرامة العيش

أمام هذا «اليتم الرسمي» الممنهج، لم يكن أمام الجنوبيين خيار سوى الدفاع عن وجودهم. لم تنتظر القرى الحدودية قراراً من بيروت لم يأتِ أبداً، بل نبتت المقاومة كفعل شعبي فطري؛ فلاحون وطلاب وعمال سدوا بأجسادهم الفراغ الذي خلفه انسحاب الجيش بقرار سياسي. إن كل رصاصة أُطلقت بوجه الاحتلال كانت في جوهرها احتجاجاً على دولة تركت سماءها وأرضها مستباحة للعدو تحت ذريعة «الحياد» المذل والارتهان للإملاءات الخارجية.

الاحتلال والقضاء الهش: طعنة في خاصرة الذاكرة

عاش الجنوب 22 عاماً تحت نير احتلال غاشم (1978-2000)، ذاق فيها الناس ويلات «معتقل الخيام» وعسف العملاء، بينما كانت السلطة في العاصمة غارقة في صراعات المحاصصة وتوزيع المغانم. الطامة الكبرى لم تكن في غياب الدولة أثناء الحرب فحسب، بل في خذلانها لضحاياها بعد التحرير.

في عام 2000، وبدلاً من إرساء عدالة تشفي صدور المظلومين، صدمت الدولة الجنوبيين بأحكام «هزلية» بحق العملاء المتورطين بجرائم الخيانة والتعذيب. صِيغت الأحكام في المحكمة العسكرية وكأنها «تسوية سياسية» لبيوتات الحكم، حيث أُطلق سراح الجلادين بمدد سجن مخجلة، في رسالة مفادها أن دماء الجنوبيين وآلامهم ليست ذات قيمة في موازين «التوازنات الطائفية» التي تحكم القضاء والسياسة.

الارتهان الحديث: حين تترك الدولة سماءها وأرضها للاستباحة

اليوم، يصل التخاذل الرسمي إلى ذروة الهشاشة مع التبعية المطلقة للإدارة الأميركية، حيث تحولت «السيادة» في قاموس السلطة إلى مجرد مادة خطابيّة دعائيّة تُستدعى فقط لإدانة الضحية. فرغم المجازر اليومية والخراب الممنهج الذي يلحق بالجنوب والبقاع، ترفض السلطة اللبنانية تسليح الجيش بمنظومات دفاعية أو اتخاذ مواقف سيادية حقيقية، خوفاً من «الفيتو» الأميركي الذي يحرّم على لبنان امتلاك وسيلة لردع الطيران الإسرائيلي، وكأن المطلوب رسمياً أن تبقى السماء اللبنانية ممرّاً آمناً لطائرات الموت.

تظهر الدولة اليوم ككيان متفرج، لا هي أمّنت ملاجئ للمدنيين، ولا هي وفّرت شبكة أمان للمهجّرين، بل تكتفي بممارسة دور «الوسيط» الذي ينقل إملاءات الخارج ويضغط على المدافع عن أرضه بدلاً من الضغط على المعتدي. إن خطورة هذا الدور تكمن في خضوع الدولة المطلق لإرادة الوصاية الجديدة، التي تسعى تحت بريق الشعارات الدولية إلى انتزاع سلاح المقاومة، تلك الورقة الوحيدة التي تجبر العدو على الحساب والتردد.

اليوم يصل التخاذل الرسمي إلى ذروة الهشاشة مع التبعية المطلقة للإدارة الأميركية

إن محاولات السلطة لتجريد الجنوب من عناصر قوته في ظل توحش صهيوني غير مسبوق، ليست إلا خطة استراتيجية لتجريد لبنان من درعه الأخير، وإعادة الجنوب إلى زمن القرى المكشوفة والمجازر الصامتة التي لا يوقفها بيان تنديد. إنها ذات العقلية التي بدأت عام 1920: لبنان هو «واجهة سياحية» للقلة، أما الجنوب فهو مجرد ساحة تضحية، يُطلب منه الصمود ويُحرم من أبسط مقومات البقاء، بل ويُطالب اليوم بتسليم مخالبه التي تمنع افتراسه، مقابل وعود اقتصادية واهية من قوى لم تقدم للبنان يوماً إلا الغطاء السياسي لجلّاده.

لقد أثبتت المحطات التاريخية أن الدولة، حين ترهن قرارها للخارج، تصبح شريكاً في إضعاف نفسها. والجنوب اليوم لا يواجه العدو فحسب، بل يواجه منظومة محلية مستعدة لبيع أمنه القومي مقابل شهادة حسن سلوك من السفارات، وهو ما يجعل المقاومة اليوم ضرورة بشرية ووطنية تتجاوز حدود الحسابات السياسية الضيقة.

إن تاريخ الجنوب مع الدولة اللبنانية هو تاريخ من الخيانة الموصوفة، خيانة الفلاح في رزقه، والشهيد في دمه، والوطن في سيادته. وما نشهده اليوم من صمود أسطوري ليس إلا انتصاراً للإنسان الجنوبي على دولته المتخاذلة وعدوه الغاشم معاً.

عن موقع ميادين المقاومة

من الداخل إلى الإقليم و العالم، لتكون الأقرب للمشهد السياسي.. بمنظورٍ مُقاوِم! هدفنا أن تكون بيئتنا الكريمة شريكةً في الوعي.. لا مجرّد متلقّية للخبر!

شاهد أيضاً

رعد من عين التينة: موقفنا متطابق مع الرئيس بري وسنخوض الانتخابات معاً

أكد رئيس كتلة «الوفاء للمقاومة»، النائب محمد رعد، تطابق المواقف مع رئيس مجلس النواب، نبيه …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *