الضرائب توسّع هوامش الأرباح التجارية

لطالما وسّع التجّار هوامش أرباحهم في كل فرصة. فالضرائب التي فرضتها الحكومة أخيراً على رسوم المستوعبات وضريبة القيمة المضافة وضريبة البنزين سيتم تحميلها للمستهلك، مع أنه عندما انخفضت أكلاف البنزين مثلاً لم تنخفض الأسعار بشكل عام.

لطالما وسّع التجّار هوامش أرباحهم في كل فرصة. فالضرائب التي فرضتها الحكومة أخيراً على رسوم المستوعبات وضريبة القيمة المضافة وضريبة البنزين سيتم تحميلها للمستهلك، مع أنه عندما انخفضت أكلاف البنزين مثلاً لم تنخفض الأسعار بشكل عام. واعتراضات التجّار ليست على الضريبة بحدّ ذاتها، بل هم لا يمانعون فرضها طالما أنه لم تتخذ الكومة إجراءات في إدارات وهيكليات القطاع العام. وقد قالوا هذا الأمر لوزير الاقتصاد عامر البساط، لكنّ الوزير لم يطالبهم في المقابل بخفض هوامش أرباحهم.

تحاول الحكومة النبش في الأدراج القديمة بحثاً عن رسمٍ منسيّ أو تعرفة مهملة، علّها تعثر على بند يمكن «تحديثه» بما يوفّر لها إيرادات إضافية. هذا ما حصل في جلستها الأخيرة حين عمدت إلى «تحديث» رسم المستوعبات من 80 ألف ليرة على كل مستوعب بقياس 20 قدماً و120 ألف ليرة على كل مستوعب من قياس 40 قدماً إلى 50 دولاراً على كل مستوعب من قياس 20 قدماً و80 دولاراً على مستوعب من قياس 40 قدماً وما فوق.

ويعود أساس رسم المستوعب إلى الفقرة السابعة من المادة 3 من القانون الرقم 11/66 تاريخ 14/2/1966، والذي كان ينظّم الرسوم المرفئية بصورة عامة من دون أن يتضمّن في صيغته الأصلية أي رسم مقطوع على المستوعبات.

وأدخل هذا الرسم بموجب الجدول الرقم 9 المُلحق بالقانون الرقم 280 تاريخ 15/12/1993 (قانون موازنة 1993)، حيث أضيف نصّ يفرض على المستوعبات المستوردة من الخارج رسماً مقطوعاً. ثم جرى تعديل هذا الرسم في عام 2017 حين تكرّس بموجب القرار التطبيقي الرقم 788/2017 الذي كرّس آلية استيفاء هذا الرسم وأكّد العمل به اعتباراً من 26 تشرين الأول 2017، ورفعت قيمة الرسم المقطوع ليصبح 80 ألف ليرة على الكونتينر 20 قدماً و120 ألف ليرة على الكونتينر 40 قدماً، على أن يُستوفى لحساب الخزينة اللبنانية بموجب إيصال تصدره إدارة الجمارك، مع استثناء المستوعبات العابرة (الترانزيت).

إذاً، هناك رسم مقطوع على استيراد السلع في الحاويات أو المستوعبات إضافة إلى ضريبة البنزين التي بدأت تُجبى في صباح اليوم الأول على صدور القرار، وبانتظار إقرار قانون في مجلس النواب يتيح زيادة ضريبة القيمة المضافة بمعدل 1%. وبحسب رئيس نقابة الصناعات الغذائية منير البساط فإنّ الرسم الجديد على المستوعبات يبقى محدود الأثر مقارنةً بقيمة المستوعب التي تفوق عادة الـ 20 ألف دولار، إذ إن توزيع هذه الزيادة على كامل المُنتجات المستوردة يجعل انعكاسها المباشر على سعر السلعة طفيفاً.

في المقابل، يشير إلى أنّ التأثير الأكبر يأتي من كلفة المحروقات، ولا سيما البنزين، نظراً إلى انعكاسها على سلسلة النقل كاملة من المرفأ إلى المستودعات ثم إلى نقاط البيع. ويشدّد على أنّ السلع ذات التداول اليومي، كالخُضر والفواكه والمواد الطازجة، تتأثر بشكل أكبر لأنّها تحتاج إلى تنقّلات متكررة وسريعة، ما يجعل أي زيادة في كلفة النقل تنعكس عليها مباشرة.

أمّا ضريبة القيمة المضافة، فيؤكد أنها تُحتسب على المُنتج النهائي وتؤثر حكماً على السعر، لكنها تبقى ضمن هامش محدود قياساً بحجم الكلفة الإجمالية، لافتاً إلى أنّ المستوردين الكبار قد يلحظون فرقاً في الكلفة الإجمالية، إلا أنّه يُوزَّع على حجم بضائع كبير، ما يخفّف أثره النسبي على كل وحدة.

التجّار يحمّلون السلع المبيعة في السوق كل الأكلاف بما فيها كلفة النقل ورسوم المستوعبات وضريبة القيمة المضافة

من جهته، يشدّد فادي القدوم، الشريك في شركة «بيار القدوم وأولاده» والتي تُعنى باستيراد المواد الغذائية والمعلّبات والزيوت والمعكرونة، أنّ رسم المستوعبات كما أقرّه مجلس الوزراء لا يُعدّ عاملاً حاسماً في تسعير السلع، وبالتالي فإن أي ارتفاع يُسجّل في الأسعار تحت هذا العنوان لا يمكن تبريره بالكلفة الفعلية، بل يعود في جزء منه إلى جشع بعض التجار وضعف الثقة في السوق. صحيح، برأيه، أنّ المستهلك النهائي سيتحمّل جزءاً من هذه الزيادات، لكنّ تأثيرها يبقى محدوداً. ويشدّد على أنّ العبء الأكبر يظهر في كلفة التوزيع، ولا سيما لدى الشركات التي تعتمد على عدد كبير من سيارات النقل العاملة على البنزين، إذ إنّ ارتفاع أسعار المحروقات ينعكس مباشرة على كلفة عمل مندوبي المبيعات والتنقّل اليومي، ما يجعل زيادة البنزين، لا رسم المستوعبات، العامل الأكثر تأثيراً في الكلفة التشغيلية.

بخلاف البساط والقدوم، يعتقد رئيس نقابة مستوردي المواد الغذائية هاني بحصلي أنّ الأثر المباشر لزيادة أسعار البنزين على أسعار السلع يبقى محدوداً ومحصوراً بهوامش تُراوِح بين 2% و3% كحدّ أقصى. غير أنّ الإشكالية الأساسية، برأيه، تكمن في اعتماد الدولة سياسة فرض ضرائب ورسوم على المصاريف التشغيلية بصورة عشوائية وبلا رؤية مالية واضحة، في وقت يجري الحديث عن حاجة تمويلية تقارب مليار دولار سنوياً.

ويشير إلى أن رفع ضريبة القيمة المضافة إلى 12%، لا تعني زيادة 1% فقط، إذ إن سلعة كان سعرها 11 دولاراً تصبح 12 دولاراً، أي بزيادة دولار واحد، ما يوازي ارتفاعاً فعلياً بنحو 9.1%، فضلاً عن انعكاس هذه الزيادة على مجمل الكلفة التشغيلية، الأمر الذي يفاقم أثرها على الأسعار أكثر مما توحي به الأرقام المُعلنة.

عملياً، ما يحصل هو أن هوامش الأرباح التجارية تنسجم أكثر مع زيادة الضرائب التي تؤدّي إلى ارتفاع الأسعار. فالتجّار لن يتكلّفوا أكثر مما سيتكلّفون، إذ سيستردّون ضريبة القيمة المضافة مهما كان معدّلها، وسيتم تحميل السلع المبيعة كل زيادة في كلفة النقل وكل زيادة على رسوم الاستيراد بشكل عام من رسوم مستوعبات ورسوم مرفأ وسواها، لكنهم يخشون من أن هذه الزيادات الضريبية التي تنعكس زيادات في الأسعار، ستؤثّر سلباً على الاستهلاك والقدرة الشرائية.

وما يبقى ثابتاً بالنسبة إلى هؤلاء التجّار هو الحفاظ على هوامش الأرباح، بل تشكّل خطوات كهذه فرصة لتوسيعها بعيداً من أي رقابة فعلية في السوق.

فعندما انخفضت أكلاف النقل مع انخفاض سعر البنزين، لم يؤدّ ذلك إلى انخفاض أسعار السلع المبيعة في أسواق الجملة والتجزئة في السوق، بدليل أن التضخّم متواصل ولم يتوقف بأرقام ثنائية في السنة الماضية والسنة الجارية أيضاً. هذا التضخّم مصدره الاساسي محلّي الطابع، ويتعلق بتوسيع هوامش الأرباح.

26 مليون دولار إيرادات مُقدّرة من رسم المستوعبات

بلغت حركة المستوعبات في مرفأ بيروت خلال عام 2025 نحو 635 ألف حاوية، وهو رقم يعكس إجمالي حركة دخول وخروج المستوعبات من لبنان من دون عمليات الترانزيت. وبالاستناد إلى بنية التجارة الخارجية اللبنانية، حيث يشكّل الاستيراد نحو 83.4% من إجمالي التبادل مقابل 16.6% للتصدير، يمكن تقدير عدد المستوعبات الداخلة بنحو 530 ألف حاوية. وعلى هذا الأساس، إذا جرى احتساب الرسم الجديد المقطوع بقيمة 50 دولاراً على كل مستوعب 20 قدماً، تبلغ الحصيلة النظرية التقديرية نحو 26.5 مليون دولار سنوياً. ويُعدّ هذا التقدير متحفّظاً، إذ لا يأخذ في الاعتبار أنّ قسماً من هذه المستوعبات هو من فئة 40 قدماً وما فوق الخاضعة لرسم أعلى يبلغ 80 دولاراً، ما يرفع الإيرادات المتوقّعة.

عن موقع ميادين المقاومة

من الداخل إلى الإقليم و العالم، لتكون الأقرب للمشهد السياسي.. بمنظورٍ مُقاوِم! هدفنا أن تكون بيئتنا الكريمة شريكةً في الوعي.. لا مجرّد متلقّية للخبر!

شاهد أيضاً

كيف يحاول الاحتلال إعادة تشكيل جنوب لبنان؟

4400 شهيد منذ بدء العدوان، وضربات متواصلة بعد وقف إطلاق النار في 27 تشرين الثاني …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *