تدشين مجلس «سلام ترامب»: الهيمنة بلا قُفّازات
موقع ميادين المقاومة
ساعتين مضت
أخبار هامّة, الرئيسية, النشرة الدولية, مقالات مختارة, منوّعات
تتجاوز التحديات التي تواجه «مجلس السلام» العقبات الفنّية المرتبطة بآلية تطبيق خطّة ترامب في غزة. إذ إن الكثير من قادة العالم ما زالوا يعزفون عن الانضمام إلى المجلس، وذلك بسبب مخاوف من تقويض الأمم المتحدة وإرساء قواعد دولية جديدة تخضع لهيمنة ترامب الحصرية.

ارتأت بعض تلك الدول إرسال وفود بصفة «مراقب» فقط
قبيل انعقاد الاجتماع الأول لـ«مجلس السلام» الذي أنشأه الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، في واشنطن أمس، بدا واضحاً أن القضية الفلسطينية لن تشكّل العائق الوحيد أمام طموح الولايات المتحدة إلى استبدال الأدوات والمؤسسات التي سادت عقب الحرب العالمية الثانية، وعلى رأسها الأمم المتحدة؛ إذ إنه على الرغم من أن ترامب جمع ثلّة من القادة للاستماع إلى «تقرير حالة» حول خطّته للسلام في قطاع غزة، إلا أن الاجتماع هدف أيضاً إلى استعراض ما وصفه الرئيس بـ«الإمكانات غير المحدودة للمجلس» التي تخوّله أن يصبح «الهيئة الدولية الأكثر أهمية في التاريخ». ودفع ذلك بالعديد من المراقبين إلى التحذير من أن عوامل من مثل «التفويض الغامض»، والشخصنة المبالغ فيها، جنباً إلى جنب قانون الدفع مقابل العضوية، والذي يؤدّي إلى تحييد غالبية الدول الصاعدة، قد تُحوّل «مجلس ترامب» إلى مشروع متضخّم يبحث عن مهمة موسّعة تفتقر إلى الشرعية الدولية الكاملة.
والواقع أن المجلس، الذي أنشئ، بدايةً، لمعالجة الأوضاع في غزة، عاد لينتقد، في ميثاقه الصادر حديثاً، «المؤسسات التي فشلت في كثير من الأحيان» في حلّ الأزمات، زاعماً أنه «يسعى إلى تعزيز الاستقرار واستعادة الحكم القانوني وتأمين السلام الدائم في المناطق المتضرّرة أو المُهدَّدة بالصراع». وفي مؤشر إلى أن واشنطن بدأت تفرض «شرعية» الكيان الوليد، قرّب مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة موعد اجتماعه الرفيع المستوى، الذي كان مُقرّراً أمس، ويهدف إلى بحث اتفاق وقف إطلاق النار في غزة ومساعي إسرائيل للسيطرة على الضفة الغربية، إلى أول من أمس، وذلك على خلفية إعلان ترامب نيّته عقد اجتماعه الخميس، ما هدّد بتعقيد سفر الدبلوماسيين الذين يخطّطون لحضور الاجتماعَين.
وبصورة أعم، وبعدما استخدمت واشنطن القانون الدولي وما يسمّى بـ«النظام القائم على القواعد» لحماية هيمنتها، وتجاوز هذه القواعد عندما تتعارض مع مصالحها، بما في ذلك عن طريق إساءة استخدام «حق النقض» في الأمم المتحدة، ومواصلة التدخل في الانتخابات والانقلابات والاغتيالات ضدّ الدول ذات السيادة، يبدو أن «مجلس السلام» يهدف، اليوم، إلى تعزيز هذا الاتجاه وتكريسه، ولا سيما أنه يتجاهل، إلى حدّ كبير، المبادئ الدولية التي أعقبت الحرب العالمية الثانية، بما في ذلك حق السيادة الوطنية، وتقرير المصير، والمساواة في الحقوق، طبقاً لتقرير أورده موقع «ريسبونسيبل ستايتكرافت».
كذلك، فإن العديد من البلدان الأكثر اضطراباً وتخلّفاً في العالم لم تتلقّ دعوات إلى المشاركة في المجلس، ناهيك عن أنها سوف تجد صعوبة في سداد الرسوم البالغة مليار دولار، والمطلوبة مقابل عضوية تمتدّ لثلاث سنوات فيه. وطبقاً للموقع، وعلى الرغم من أن دولاً وأطرافاً «مهمة»، بما فيها السعودية وتركيا وإندونيسيا وإسرائيل، قبلت دعوة ترامب، إلا أن «حوالي 40 دولة من أصل 60 تودّدت إليها واشنطن للانضمام، لم توافق بعد». ويردف التقرير أنه حتى أعضاء المجلس العرب الذين قبلوا دعوة ترامب، اتخذوا هذا الموقف في محاولة لتجاوز أزمة غزة فقط، وهو ما قد يؤدّي، مستقبلاً، إلى تقويض شرعية المجلس، وخاصة في ما يتعلّق بالنزاعات التي تشمل دولاً غير أعضاء أو قضايا عالمية.
حوالي 40 دولة من أصل 60 دولة تودّدت إليها واشنطن للانضمام إلى «مجلس السلام»، لم توافق بعد
وممّا يزيد الوضع تعقيداً، «الشخصنة» من جانب ترامب، الذي يحاول ضمان نفوذ يتجاوز فترة ولايته كرئيس للولايات المتحدة، للمشروع؛ فهو يحدّد، بنفسه، من يتلقّى دعوات العضوية، ويتحكّم في الشؤون المالية لمجلس الإدارة، ويضع جدول الأعمال، ويمكِنه الاعتراض على القرارات، وطرد أعضاء المجلس التنفيذي، فيما لا يجوز، في المقابل، استبداله إلا إذا استقال أو أُعلن بالإجماع عجزه عن أداء مهامه، على أن يعيّن، منفرداً، رئيساً جديداً. وحتى في حال غيّرت كلّ من الصين وروسيا والهند موقفها، بعدما رفضت الانخراط في المجلس، فإنها قد تظلّ أكثر ميلاً إلى الأمم المتحدة، حيث تتمتع بنفوذ أكبر، فيما حافظت العديد من الدول الأوروبية على مسافة من مشروع ترامب، وذلك على خلفية تحفظات من ضمّ روسيا إليه، مناقضةً إعلان الرئيس الأميركي، في حديثه إلى الصحافيين، الإثنين، أنه «سيجمع جميع زعماء العالم» في جلسة أمس.
وكان لافتاً، في هذا الإطار، إعلان الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، في وقت سابق، أن بلاده مستعدّة لإنفاق مليار دولار من الأصول المجمّدة في الولايات المتحدة على «مجلس السلام»، حتى قبل أن تقرّر ما إذا كانت ستنضمّ إلى المبادرة أم لا، في وقت ترى فيه موسكو في مشروع ترامب محاولة أميركية لإدارة الأزمات الدولية بشكل «فردي»، وانتزاع صلاحيات مجلس الأمن. من جهتها، انتقدت بكين غياب أي تمثيل فلسطيني رسمي في «مجلس السلام»، مؤكدة أن هذا التغييب يجعل من المبادرة بمثابة «إدارة قسرية» تفتقر إلى القبول الشعبي والشرعية الأخلاقية اللازمة لتحقيق سلام دائم.
وبالأرقام، وعلى الرغم من أن بعض وسائل الإعلام الغربية أشارت إلى أن إجمالي عدد الوفود الحاضرة في اجتماع أمس، يتجاوز الـ45 دولة، إلا أنّه ومن بين نحو ستين دعوة وجّهها ترامب إلى رؤساء العالم للعمل في المجلس – لا حضور الاجتماع فقط -، وافق حوالي عشرين قائد دولة فحسب على الانضمام. ومن بين هؤلاء بعض الشخصيات البعيدة كلّ البعد عن أحداث الشرق الأوسط، إلا أنّها تحظى بـ«قبول» لدى ترامب، من مثل الرئيس الأرجنتيني خافيير ميلي ورئيس الوزراء المجري فيكتور أوربان. وإذ وافق، مثلاً، رئيس الوزراء الباكستاني على الحضور، فإن الكثير من الدول في الشرق الأوسط قرّرت إرسال مسؤولين من الرتب الدنيا.
من جهتها، رفضت بعض الدول الأوروبية، بما فيها النمسا وفرنسا والمملكة المتحدة وألمانيا واليونان وإيطاليا وأوكرانيا وغيرها، الانضمام إلى المبادرة، وذلك على خلفية تحفّظات على ميثاق المجلس وغياب أي تمثيل فلسطيني فيه، فيما أصبح البابا ليو، أحدث زعيم عالمي يرفض دعوة ترامب. وبينما ارتأت بعض تلك الدول إرسال وفود بصفة «مراقب» إلى جلسة أمس، رفض رئيس وزراء الاحتلال بنيامين نتنياهو الحضور، ليمثّله وزير الخارجية جدعون ساعر. وعلى الرغم من موافقة كندا على الانضمام، فقد ألغى ترامب الدعوة الموجّهة إليها، بسببٍ من تنديد رئيس وزرائها، مارك كارني، في خطابه في «المنتدى الاقتصادي العالمي» في دافوس، بـ«الهيمنة الأميركية» .
ووسط انتشار أنباء عن خطط أميركية لبناء قاعدة عسكرية تتّسع لخمسة آلاف شخص في غزة – وفقاً لسجلّات التعاقد مع «مجلس السلام» التي اطّلعت عليها صحيفة «الغارديان» البريطانية -، وستُستخدم كـ«قاعدة عمليات عسكرية للقوة الدولية لتحقيق الاستقرار»، إلا أنه حتى الآن، بدأت إندونيسيا، وحدها، ترتيبات لإرسال قوات إلى غزة، وذلك بحلول نيسان. وعلى الرغم من قرار جاكرتا هذا، أكّد المسؤولون الإندونيسيون أن جنودهم لن ينتشروا خارج النصف الذي لا يزال يحتلّه الجيش الإسرائيلي، في انعكاس لواحدة من بين جملة من القضايا، التي تجعل أهداف خطة ترامب لغزة، بعيدة المنال في الحدّ الأدنى.
ترامب يعِد بـ«جنّة» مفقودة
على الرغم من المساعي المُكثّفة التي بذلها الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، لتحويل تدشين «مجلس السلام» في مقرّ «المؤسسة الأميركية للسلام» في واشنطن إلى حدث دولي بارز، فقد جاءت هذه الفعالية لتعزّز الارتياب لدى أكثر من عاصمة، ولا سيما في صفوف الحلفاء التقليديين الذين رفضوا الدعوة، أو حضروا بتمثيل متدنّ، أو اكتفوا بالمراقبة، في مؤشر إلى ضعف التأييد الدولي للمشروع.
وقال ترامب خلال كلمته الافتتاحية إنه «لا شيء أهم من السلام، والحرب تكلّف أكثر بكثير من السلام»، مضيفاً أن «مجلس السلام» من «إنجازات إدارتي إلى جانب إنهاء عدد من الحروب». وإذ رأى أن «هذا المجلس سيحقّق إنجازات كبيرة»، فهو عاد وهدّد بأن «حركة حماس ستفي بالتزاماتها بموجب اتفاق غزة وإلّا سنواجهها بقسوة».
وفيما أعلن ترامب أن الولايات المتحدة ستساهم بـ«10 مليارات دولار» في «مجلس السلام»، أشار أيضاً إلى أن كازاخستان وأذربيجان والإمارات والمغرب والبحرين وقطر والسعودية وأوزبكستان والكويت قدّمت أكثر من 7 مليارات دولار لدعم جهود الإغاثة في غزة.
وإذ تُعدّ هذه المساهمة ضئيلة بالمقارنة مع التقديرات المالية لإعادة إعمار القطاع، والتي لا تقلّ عن 70 مليار دولار، فقد جاءت أبرز المساهمات من الدول الخليجية؛ إذ تعهّدت السعودية وقطر والكويت بتقديم مليار دولار من كلّ منها، والإمارات بـ1.2 مليار دولار. كما أعلنت خمس دول (إندونيسيا والمغرب وكازاخستان وكوسوفو وألبانيا) إرسال قوات للعمل ضمن ما يُسمى «قوة الاستقرار الدولية»، وأكّدت مصر والأردن، من جهتهما، أنهما سيتولّيان تدريب عناصر شرطيين فلسطينيين، في حين جدّدت تركيا التي يعترض الاحتلال على مشاركتها، على لسان وزير خارجيتها حاقان فيدان، استعدادها «للإسهام في قوة الأمن في غزة».
وفي السياق نفسه، أعلن منسّق «مجلس السلام»، نيكولاي ملادينوف، أن باب الانتساب فُتح لإنشاء قوة من الشرطة في قطاع غزة «تكون بعيدة من نفوذ حركة حماس». وقال ملادينوف، خلال الاجتماع، إنه «في الساعات الأولى فقط (لفتح باب الانتساب)، قدّم ألفا شخص طلبات للانضمام إلى قوة الشرطة».
مرتبط