عفو رئاسي بطعم سياسي: الشرع يميّع «الإعلان الدستوري»
موقع ميادين المقاومة
ساعتين مضت
أخبار هامّة, الرئيسية, النشرة الدولية, مقالات مختارة, منوّعات
أثار مرسوم العفو العام الذي أصدره الرئيس الانتقالي، أحمد الشرع، الأربعاء، جدلاً واسعاً في الأوساط القانونية والحقوقية السورية، وذلك في ظلّ غياب نص دستوري واضح يمنح الشرع صلاحية إصدار عفو عام خلال المرحلة الانتقالية.

فُسّر المرسوم على أنه رسالة إلى الفصائل والمقاتلين الذين تعرّضوا إلى الاعتقال منذ تسلّم الشرع السلطة
أثار مرسوم العفو العام الذي أصدره الرئيس الانتقالي، أحمد الشرع، الأربعاء، جدلاً واسعاً في الأوساط القانونية والحقوقية السورية، وذلك في ظلّ غياب نص دستوري واضح يمنح الشرع صلاحية إصدار عفو عام خلال المرحلة الانتقالية. واعتبرت تلك الأوساط أن الإقدام على هذه الخطوة في هذا التوقيت، ينمّ عن «مناورة سياسية» تهدف إلى تهدئة الأجواء الداخلية والبعث برسائل خارجية، بالتزامن مع ظهور موجة من الضغوط الأوروبية على خلفية ملفَّي الأكراد في شمال شرق البلاد، والدروز في السويداء.
والمرسوم الذي حمل الرقم 39، ويعدّ الأول من نوعه الذي يصدره الشرع منذ تولّيه السلطة نهاية عام 2024، منح عفواً عاماً عن طيف واسع من الجرائم والجنايات، من بينها الخطف (في حال قام الخاطف بإطلاق سراح الضحية خلال شهر)، وتعاطي المخدرات، والجنايات المتعلّقة بأمن الدولة الداخلي والخارجي، إضافة إلى الجرائم المنصوص عليها في قانون العقوبات العسكري وقانون الجرائم المعلوماتية، شريطة أن تكون قد ارتُكبت قبل 8 كانون الأول 2024، تاريخ سقوط النظام السابق. كما اشترط المرسوم، في الجنايات التي نتج منها ضرر شخصي، إسقاط الحق الشخصي أو تسديد التعويضات المحكوم بها، ضماناً لحقوق المتضرّرين. غير أنه استثنى الجرائم التي تنطوي على «انتهاكات جسيمة بحق الشعب السوري»، والجرائم المنصوص عليها في قانون «تجريم التعذيب»، والاتجار بالأشخاص، وسرقة الأملاك العامة، بما فيها مرافق الكهرباء والاتصالات. وفي الوقت عينه، حدّد مهلاً زمنية لتسوية الأوضاع؛ إذ أمهل الفارّين من السجون 60 يوماً لتسليم أنفسهم، وحائزي الأسلحة غير المرخّصة ثلاثة أشهر لتسليمها.
وبينما نُظر إلى المرسوم على أنه «واسع»، ومن شأنه أن يزيل بعض العقبات القانونية أمام اللاجئين الراغبين في العودة إلى سوريا، فهو عُدّ بمثابة رسالة سياسية إلى الدول التي تحاول التخلص من عبء اللاجئين، فضلاً عن رسائل أخرى تتعلّق بالحريات، ويراد منها أن تلامس المجتمع الغربي ومنظماته الحقوقية. إذ إن هذه الأخيرة تدأب على تأكيد سعيها الدائم إلى تبييض السجون، مواصِلةً رصد الملفات العالقة التي تستمرّ في التضييق على السلطة الانتقالية، ومن بينها المجازر التي شهدها الساحل والسويداء، والانتهاكات التي سُجّلت في مناطق شمال شرق سوريا، وبشكل خاص في عين العرب (كوباني) في ريف حلب الشمالي الشرقي.
لا يعتبر مرسوم العفو المخالفة الأولى من نوعها للإعلان الدستوري
وعلى المستوى الداخلي، فُسّر المرسوم على أنه رسالة إلى الفصائل والمقاتلين الذين تعرّضوا إلى الاعتقال منذ تسلّم الشرع السلطة. إذ يأتي العفو الرئاسي في وقت يتصاعد فيه الجدل في الأوساط «الجهادية» في سوريا، حول التضييق المستمرّ الذي يمارسه الشرع على المقاتلين الأجانب، والذي يندرج على ما يبدو في سياق «صفقة ما»، سواء مع فرنسا ودول الاتحاد الأوروبي، أو مع الولايات المتحدة التي تقود الملف السوري بالتعاون مع تركيا، والتي ركّزت وسائل إعلامها في تغطيتها للمرسوم على نقطة «إلغاء الآثار القانونية لمحاكم أمن الدولة» خلال حقبة الأسد.
ومن جهته، أكّد المحامي ميشال الشمال، في منشور له على موقع «فيسبوك»، أن مرسوم العفو «غير دستوري». وقال: «رغم وضوح الإعلان الدستوري، إلا أن بعض المؤيدين يصرون على أن الرئيس يملك صلاحية إصدار «قوانين» أو «مراسيم تشريعية» خلال المرحلة الانتقالية، وهو قول غير صحيح ويجافي المنطق، ولا يستند إلى أيّ نص في الإعلان الدستوري»، مشيراً إلى أن «الضرورة السياسية التي يستند إليها بعض المؤيدين، لا تخلق صلاحيات دستورية. الصلاحيات تُستمد من النص، لا من الظروف». وبيّن أن «الإعلان الدستوري واضح وصريح: يمارس السلطة التشريعية مجلس الشعب (نص صريح في باب السلطة التشريعية)»، مضيفاً أن «المادة 39 التي يستند إليها المؤيدون لا تعطي الرئيس سوى: حق اقتراح القوانين وإصدار القوانين التي يقرها مجلس الشعب، أي أن دوره تنفيذي وشكلي فقط، وليس تشريعياً».
وإذ أشار المحامي السوري، الذي اشتهر بدفاعه عن معتقلي الرأي خلال حقبة النظام السابق، إلى أن العفو العام يندرج ضمن اختصاص مجلس الشعب (السلطة التشريعية) حصراً (المادة 30/ج)، فهو أوضح أن صلاحيات الرئيس محصورة بالعفو الخاص فقط (المادة 40). وأضاف أن الاستشهاد بتجارب دول أخرى، من مثل تونس ومصر، لا ينطبق على الحال السورية، نظراً إلى أن «الإعلانات الدستورية» هناك منحت الرؤساء «صلاحيات تشريعية صريحة»، وهو ما لا يتوافر في الإعلان الدستوري السوري الحالي.
وفي وقت لم تصدر فيه بعد أي إحصاءات دقيقة حول عدد المستفيدين من مرسوم الشرع، قارن حقوقيون بينه وبين المراسيم التي كان يصدرها الرئيس السابق، بشار الأسد، والتي كانت في بعضها واسعة وتشمل طبقات متعدّدة من الجرائم، غير أنها لم تنفّذ فعلياً، علماً أنها استندت آنذاك إلى نص دستوري يمنح الرئيس تلك الصلاحية، وذلك وفق الدستور السوري حينها، والذي تم إلغاؤه بعد سقوط نظام الأسد. وفي هذا السياق، يرى مراقبون أن الحكم على نتائج المرسوم الحالي، وتقييم مدى تطبيقه بشكل فعلي، يتطلّبان وقتاً.
وعلى أي حال، فإن العفو الرئاسي لا يعتبر المخالفة الأولى من نوعها للإعلان الدستوري خلال المرحلة الانتقالية، إذ سبقته عشرات القرارات التي أصدرها الشرع متجاوزاً صلاحياته (غير المسبوقة) وفق الإعلان المذكور – التي تشمل من بين ما تشمل تعيين أعضاء في مجلس الشعب، ومنع مساءلة الرئيس- بما فيها اعتماد العلم والهوية البصرية وغيرها.
مرتبط