العدو فشل في تطبيق توصيات «فينوغراد»: نجاح تكنولوجي… واستمرار الفشل الميداني

تكشف معركة «أولي البأس» اتساع الفجوة بين بروباغندا «الانتصار المطلق» والواقع الميداني، مع عجز جيش العدو عن تحويل تفوّقه الاستخباري إلى حسم ناجزٍ في البر

يمثّل الحديث الإسرائيلي المتزايد عن مواصلة حزب الله ترميم قدراته، والاستعداد المقابل لرفع وتيرة العمل العسكري ضدّه، تناقضاً جوهرياً مع سردية «الانتصار المطلق» أو «سحق القدرات» التي رُوّج لها في ذروة عدوان «سهام الشمال» عام 2024. فما لم تعترف به تل أبيب بالجُملة، تُقِرُّ به بالمفرّق، في ظلّ اتساع الفجوة بين الهدف والواقع.

قامت السردية الرسمية الإسرائيلية على أن توجيه ضربات استراتيجية (اغتيال القيادة، تفجير أجهزة الـ«بيجر»، تدمير مخازن الصواريخ…) سيؤدّي إلى انهيار تنظيمي وفقدان القدرة على القيادة والسيطرة لدى المقاومة. ومع ذلك، تستمر القيادات العسكرية والسياسية الإسرائيلية في الإفصاح عن نيّتها التصعيد عسكرياً ضدّ حزب الله، لأن الردع لم يتحقق بالشكل الكافي، والبنية العسكرية للخصم أظهرت مرونة وقدرة على إعادة التشكّل، بوتيرة أسرع مما توقّعه تقدير الموقف الاستخباري الإسرائيلي.

ورغم الاختلاف في طبيعة المواجهة بين تموز 2006 وأيلول 2024، يُسوِّق تيار واسع ممن يعبّرون عن الخطاب الإسرائيلي الرسمي لعملية «سهام الشمال» بوصفها «الإصلاح التاريخي» لإخفاقات عام 2006 والتطبيق الناجز لتوصيات لجنة «فينوغراد». لكنّ فحص الوقائع ومجريات العمليات العسكرية وأداء كل من جيش العدو والمقاومة فيها، يُظهِر أن الالتزام بتوصيات «فينوغراد» اقتصر على الشكل، مع فشل جوهري في التطبيق العملي.

فشل في تطبيق التوصيات

قارن «مركز الاتحاد للأبحاث والتطوير» بين عدد من التوصيات الأساسية للجنة ووقائع المعركة، فتبيّن له أن جيش العدو فشل في تطبيق المخرجات، خصوصاً تلك المرتبطة بالأداء العسكري الميداني، ووقع في الثغرات القديمة نفسها.

– «الفشل المعلوماتي»: يدّعي القادة العسكريون (مثل: رئيس الأركان السابق هيرتسي هليفي وقائد المنطقة الشمالية أوري غوردين) أن جيش العدو نفّذ توصية «فينوغراد» بضرورة وجود «استخبارات دقيقة وعميقة». ويستشهدون بعملية تفجير الـ«بيجر» واغتيال القيادات العليا كدليل على أن الاستخبارات لم تعد عمياء كما كانت عام 2006، بل أصبحت محرّك العمليات الأول. لكن هذا الادّعاء يغفل أن التوصية ركّزت على «الاستخبارات التكتيكية» (الميدانية) وليس فقط الاستراتيجية. فبينما نجح جيش العدو في الاغتيالات، وقعَ (وحدة «إيغوز»، لواء «غولاني»…) في المقابل في «كمائن القرى» نتيجة نقص المعلومات، ما يثبت عدم تنفيذ الجانب الميداني من التوصية.

– «التخطيط المُسبق»: تقول قيادة المنطقة الشمالية العسكرية إن المناورة البرية عام 2024 كانت مبنية على خطط مُعدّة سلفاً (خطة «تنوفا»)، وتم التدريب عليها لسنوات (في قبرص واليونان)، تنفيذاً لتوصية «فينوغراد» بمنع «الارتجال». لكنّ الواقع الميداني كشف عن «ارتجال» جديد؛ فالوقفات التعبوية المتكررة (أربع وقفات) وتغيير محاور الهجوم بعد الفشل في اقتحام بلدتي الخيام وعيتا الشعب، تشير إلى أن الخطط المُسبقة لم تصمد أمام الواقع، ما اضطر جيش العدو إلى العودة إلى أسلوب «التلفيق»، وتعديل الخطط تحت النار.

– «القيادة والسيطرة والوحدة»: لطالما روّجت السردية الرسمية الإسرائيلية عن تناغم تام بين القيادة السياسية والعسكرية، بعكس التخبّط الذي رصدته «فينوغراد» بين رئيس الحكومة إيهود أولمرت ورئيس الأركان دان حلوتس عام 2006.

إلّا أنه أثناء معركة 2024، برزت سريعاً أزمة الثقة داخل لواء «غولاني» والاتهامات المتبادلة بين الضباط الميدانيين والقيادة العليا، مع شكاوى متكررة حول نقص العتاد. فقد اتهم بعض الضباط قائد اللواء يائير بلاي، بسوء الإدارة، وطالبوا بعزله، ما يعكس انهياراً في التسلسل القيادي والانضباط، خلافاً لتوصية «فينوغراد» تماماً. كما يشير الحادث إلى استمرار معاناة الثقافة التنظيمية من مظاهر «التملص من المسؤولية» وغياب الشفافية الداخلية، علماً أنها النقاط التي حذّرت منها «فينوغراد» بشكل صريح.

– «الجوانب اللوجستية وقدرة التحمل»: فشل جيش العدو في تأمين الإمداد وعجز عن حماية خطوط إمداده الخلفية (بوابة فاطمة، الخيام وشمع) نتيجة استهدافات المقاومة المركّزة، ما أربك استدامة العمليات. كما برزت أزمة النقل والتضاريس، إذ تعطّلت حركة المدفعية والمقطورات بسبب الوحل والنيران، ما اضطر جيش العدو إلى الاعتماد على مدافع ذاتية الحركة لتعويض النقص. وأضيف إلى ذلك الإخفاق في الإنقاذ والإخلاء، الذي تجسّد في معركة اللبونة، حيث عجز العدو عن إخلاء دبابات وجرحى لمدّة 18 ساعة تحت النار، في خرق مباشر لتوصية «فينوغراد» بضمان لوجستيات قتالية آمنة ومستمرة.

– «التكامل بين الأذرع» (معركة الأسلحة المشتركة): كشفت «مجازر الدبابات» (تدمير أكثر من 40 ميركافا) عن خلل جوهري في مفهوم العمل المشترك، إذ تُرِكت المدرّعات مكشوفة أمام الصواريخ المضادة للدروع دون غطاء كافٍ من المشاة أو المُسيّرات. وأظهرت التحقيقات (مثل تقارير «Ynet») فشل الطيران في تقديم الدعم القريب لقوات النخبة المحاصرة في كمائن (العديسة، طير حرفا وشمع) بسبب «ضبابية المعركة» والخوف من النيران الصديقة، ما دفع القادة الميدانيين إلى اتخاذ قرارات اضطرارية بالانكفاء أو التثبيت تحت النار بمعزل عن هيئة الأركان، ما يُظهر تآكل القرار القيادي ويعكس فشل نماذج التنسيق التي أوصت بها «فينوغراد».

– «التمسّك بالمهمة» و«الانضباط العملياتي»: فشل جيش العدو في تطبيق معيار السيطرة والتثبيت؛ إذ استُبدلت أهداف «احتلال الأرض» بـ«الانسحاب» و«الوقفة التعبوية» عند أول احتكاك قوي، كما جرى في الانسحابات من بلدتي عيتا الشعب والخيام لتجنّب الخسائر. كذلك، حلّت فوضى القيادة وخرق الضوابط. وتجسّد غياب الانضباط في حادثة قلعة شمع، حيث قُتل عالم آثار دخل منطقة قتال دون إذن رسمي برفقة قيادات رفيعة، ما عكس استهتاراً بالأوامر العسكرية.

كما وثّقت تقارير (مثل «هآرتس») سلوكيات تدميرية ونهب ونشر فيديوهات مسيئة، ما أظهر انفصال الجنود عن سلسلة القيادة وتحوّل مناطق القتال إلى «ساحات بلا قانون». وبرزت أيضاً أزمة الاحتياط، إذ سجّلت المعركة انخفاضاً حاداً في نسب التحاق الاحتياط (من 100% إلى 75%)، مع رفض علني من جنود وقادة سرايا تنفيذ مهام اقتحام دون تمشيط كافٍ، تحت شعار «لن ننتحر».

«عقدة 2006» مستمرّة

حاول جيش العدو بداية المعركة تطبيق بعض توصيات «فينوغراد»، ولا سيما في المجال الاستخباري والتقني، لكنه سرعان ما انزلق إلى تكرار الأخطاء الاستراتيجية والعملياتية التي حذّر منها التقرير. وفشل في الاستمرار بتنفيذ التوصيات التي طبّقها بداية العملية. وبالتالي، شكّلت معركة «أولي البأس» بتسميتها اللبنانية، اختباراً كاشفاً لمدى قدرة جيش العدو على تجاوز «عقدة 2006».

فرغم التفوّق التكنولوجي والاستخباري الهائل بداية المعركة، إلا أن النتائج الميدانية أظهرت أن جيش العدو نجح في «حرب الشاشات» والاغتيالات، لكنه تعثّر على الأرض. يؤكد ذلك أن توصيات «فينوغراد» حول «الحسم البري» لم تتحول إلى عقيدة قتالية ناجحة، بل ظلت حبيسة التدريبات النظرية. فالمقاومة بأسلوبها اللامركزي و«الدفاع الإقليمي» قادرة على تحويل الخطط العسكرية الأكثر صرامة (مثل «تنوفا») إلى «ارتجال مكلف»، ما يجعل أي حديث إسرائيلي عن «انتصار مطلق» مجرّد استهلاك سياسي داخلي.

ومع أن جيش العدو بدأ المرحلة الابتدائية لعدوان 2024 بمعلومات استخباراتية استراتيجية متقدّمة، وقوات مضاعفة الحجم، وتكنولوجيا متطوّرة في مجالات السايبر والذكاء الاصطناعي، لكن بمجرد صمود منظومة القيادة والسيطرة لدى المقاومة رغم اغتيال بعض قادتها، انهار التخطيط الإسرائيلي وعاد جيش العدو لارتكاب أخطاء مماثلة لتلك التي سُجّلت في عدوان 2006، أبرزها تعرّض دباباته للاحتراق دون توفير غطاء مشاة كافٍ، ووقوع القوات الخاصة في كمائن نتيجة ضعف الاستطلاع التكتيكي، إضافةً إلى الفشل في إحباط هجمات المقاومة الصاروخية والمُسيّرات حتى نهاية الحرب.

عن موقع ميادين المقاومة

من الداخل إلى الإقليم و العالم، لتكون الأقرب للمشهد السياسي.. بمنظورٍ مُقاوِم! هدفنا أن تكون بيئتنا الكريمة شريكةً في الوعي.. لا مجرّد متلقّية للخبر!

شاهد أيضاً

22 مليون يمني بلا أمن غذائي: الأمم المتحدة تنفض يدها من اليمن

رمضان يمرّ ثقيلاً على اليمنيين هذا العام، في ظل حصار وفقر متفاقمين وتراجع المساعدات الدولية، …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *