النظام الكوبي يخوض أصعب معاركه… ولا خيارات سهلة أمامه

أصدر البيت الأبيض، أواخر كانون الثاني، بياناً صارماً حذّر فيه كل من يبيع أو يزوّد كوبا بالنفط، مؤكداً عزمه فرض رسوم جمركية إضافية على الواردات من أي دولة تقدّم لها النفط بشكل مباشر أو غير مباشر.

شحنت المكسيك خلال العام الماضي ما قيمته 500 مليون دولار من النفط الخام والمشتقات النفطية إلى كوبا.

حريق كبير نشب يوم الجمعة في محطة تكرير للنفط في العاصمة الكوبية هافانا، كاد أن يلتهم المحطة لولا التدخل السريع لفرق الإطفاء التي قامت بالسيطرة عليه. قد يكون هذا الحريق مفتعلاً أو نتيجة خلل تقني، لكن الأكيد أنه لا يمكن فصله عن سياق الحصار الأميركي للجزيرة الكاريبية الذي بلغ أشده أخيراً، حتى بات يُمنع على أي دولة بيع النفط لكوبا تحت طائلة العقوبات الأميركية ومضاعفة التعرفات الجمركية.

حصار نفطي محكم

إثر اختطاف الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو في الثالث من كانون الثاني الماضي، صار واضحاً أن الولايات المتحدة انتهجت مساراً أكثر عدوانية في أميركا الجنوبية، واتخذت قراراً بـ«تنظيف» ما تعتبره باحتها الخلفية من الحكومات المعادية، ويبدو أن كوبا هي الهدف التالي لواشنطن.

وضعت واشنطن أخيراً ضغوطاً اقتصادية هائلة على هافانا، مانعةً أي دولة من بيعها النفط ومشتقاته. كانت كوبا تحصل على جزء أساسي من حاجتها من النفط الخام من فنزويلا والمكسيك، وتعمل على تكريره في محطاتها المحلية. إلا أن السيطرة الأميركية المستجدة على مبيعات النفط الفنزويلي عنت أن فنزويلا لن ترسل بعد الآن شحنات النفط إلى كوبا.

بعدها استدارت الإدارة الأميركية نحو المكسيك ووجهت لها تحذيراً واضحاً من إرسال أي شحنات نفطية إلى كوبا.

وأصدر البيت الأبيض، أواخر كانون الثاني، بياناً صارماً حذّر فيه كل من يبيع أو يزوّد كوبا بالنفط، مؤكداً عزمه فرض رسوم جمركية إضافية على الواردات من أي دولة تقدّم لها النفط بشكل مباشر أو غير مباشر.

المكسيك التي شحنت خلال العام الماضي ما قيمته تقريباً 500 مليون دولار من النفط الخام والمشتقات النفطية إلى كوبا، وفقاً للمدير التنفيذي للشركة الوطنية المكسيكية للنفط، رضخت بسرعة للتهديدات الأميركية. والأسبوع الماضي، كشفت الرئيس المكسيكية كلاوديا شينباوم أن بلادها أوقفت شحنات النفط إلى كوبا، كي تفسح المجال أمام حكومتها لتقييم خياراتها، كما استنكرت التهديدات الأميركية قائلةً إنه «لا يمكن لهذه العقوبات أن تضع الشعب الكوبي في الظروف التي يواجهها حالياً، سواء اتفق المرء مع الحكومة الكوبية أم لا».

ومع تردي الوضع الإنساني في كوبا، قامت المكسيك، الخميس، بإرسال سفينتي شحن محملتين بالمساعدات، فيما وعدت شينباوم بإرسال سفن أخرى في محاولة لتخفيف وطأة الأزمة الإنسانية في الجزيرة الشيوعية. كما أكدت أن بلادها تسعى إلى «فتح الأبواب أمام تطوير الحوار» بين كوبا والولايات المتحدة، ولكنها شددت على أن الحفاظ على سيادة كوبا سيكون في صدارة أولوياتها.

في ظل العجز المكسيكي عن كسر الحصار الأميركي عن كوبا، كان لافتاً البيان الذي صدر الخميس أيضاً عن السفارة الروسية في هافانا، والذي أبدت فيه نيتها إرسال نفط ومنتجات نفطية إلى الجزيرة المحاصرة كمساعدة إنسانية، من دون الإفصاح عن موعد تسليم هذه الشحنات أو عن حجمها، أو إيضاح ما إذا كانت روسيا ستواظب على إرسال مساعدات من هذا النوع إلى كوبا أم لا.

ورغم هذه المحاولات الخجولة للتخفيف من معاناة الكوبيين، إلا أن إبقاء عجلة الحياة مستمرة في الجزيرة التي يفوق عدد سكانها العشرة ملايين نسمة يحتاج إلى ما هو أكثر بكثير من بضع سفن محملة بمساعدات إنسانية بين الحين والآخر.

السيناريو الإيراني يتكرر في كوبا

كان للقرار الأميركي تشديد الحصار على كوبا أثره السريع على الأرض. ولأول مرة منذ عام 2015، كشفت تقارير مختصة أنه لم تصل أي شحنة نفط إلى الجزيرة خلال شهر بأكمله (كانون الثاني)، ما خلق أزمةً خدماتية وإنسانية عميقة.

وفي هذا الإطار، حذرت الأمم المتحدة من أن النقص الحالي في النفط يعرّض توافر الخدمات الأساسية للخطر على مستوى البلاد، نظراً إلى اعتماد أنظمة الصحة والغذاء والمياه على الوقود الأحفوري المستورد.

ولفتت إلى أن أكثر من 80 في المئة من معدّات ضخ المياه تعتمد على الكهرباء، مشيرةً إلى أن انقطاع التيار يقوّض الوصول إلى المياه الآمنة وخدمات الصرف الصحي والنظافة.

كما أكدت أن نقص الوقود يؤدي إلى تعطيل نظام الحصص والسلة الغذائية الأساسية المنظمة، ويؤثر أيضاً على شبكات الحماية الاجتماعية مثل التغذية المدرسية، ودور الأمومة، ودور رعاية المسنين.

وأمام هذا المشهد الإنساني البالغ الصعوبة، من الصعب تجاهل التشابه الكبير بين ما يجري اليوم في كوبا وما يحصل في إيران، من استخدام أميركي للعقوبات من أجل فرض واقع إنساني صعب، يدفع بالمواطنين إلى النزول إلى الشارع ويُغرق هذه الدول في دوامة من الفوضى.

وكما في إيران، فتح الرئيس الأميركي دونالد ترامب الباب أمام محادثات مع الحكومة الكوبية، فوفقاً لبيان البيت الأبيض الصادر أواخر كانون الثاني، يجوز لترامب تعديل القرار «إذا اتخذت كوبا أو الدول المعنية خطوات جوهرية لمعالجة التهديد، أو للمواءمة مع أهداف الأمن القومي والسياسة الخارجية للولايات المتحدة».

وقال ترامب أيضاً منذ نحو أسبوعين إن إدارته تتحدث مع المسؤولين في هافانا، معرباً عن اعتقاده بـ«أننا سنبرم اتفاقاً مع كوبا» من دون أن يوضح شكل هذا الاتفاق المحتمل.

بالنتيجة، يبدو أن النظام الكوبي يعيش فترةً حاسمة، وأمامه خيارات بالغة الصعوبة، فإما الرضوخ للرغبة الأميركية وفقدانه رمزيته كقلعة شيوعية في أميركا الجنوبية، أو مواجهة الحصار الأميركي مع ما قد يحمله هذا الخيار من أثمان باهظة على الشعب والنظام الكوبيَين على حد سواء.

عن موقع ميادين المقاومة

من الداخل إلى الإقليم و العالم، لتكون الأقرب للمشهد السياسي.. بمنظورٍ مُقاوِم! هدفنا أن تكون بيئتنا الكريمة شريكةً في الوعي.. لا مجرّد متلقّية للخبر!

شاهد أيضاً

النائب علي عمار: الدولة مطالبة بالقيام بمسؤولياتها لا أن تعالج السمّ بالأكثر سمًّا!

 تكريماً لعطاءاته في خط الجهاد والمقاومة، أقامت بلدية حارة حريك، مراسم إزاحة الستار عن النصب …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *