تضخّم «اقتصاد الظلّ» ينهك السوريين: الأجر الشهري يكفي لثلاثة أيام فقط!

خلصت دراسة بحثية متخصّصة إلى أن الأجر الشهري للأسر السورية يغطّي 3 أيام فقط، وذلك في خضمّ ارتفاع تكلفة خدمات «اقتصاد الظلّ»، واستمرار السلطات في رفع الدعم عن الخدمات الرئيسة وتَواصل اعتمادها على الاستيراد.

سُجّل تزايد في الاعتماد على التحويلات الخارجية أو العمل في قطاعات غير رسمية

تحتاج الأسرة السورية المؤلَّفة من أربعة أفراد، شهرياً، إلى نحو 7.713 ملايين ليرة (689 دولاراً)، تمثّل الحدّ الأدنى الضروري لتأمين البقاء الفيزيولوجي وإعادة إنتاج قوة العمل، من دون أن توفّر، بطبيعة الحال، مستوى عيش لائقاً أو مريحاً حتى. هذا ما خلصت إليه دراسة بحثية متخصّصة، أظهرت أن متوسّط التكاليف الشهرية التي من شأنها أن تَضمن للأسرة العيش بكرامة إنسانية، يقدَّر بنحو 11 مليون ليرة (982 دولاراً)، وهو ما يعني أن 90% من الأسر السورية الآن تفتقر إلى حياة كريمة، قادرة من خلالها على تأمين مستقبلٍ لأبنائها. وبحسب الدراسة التي أجراها «مركز ركاز للدراسات والبحوث الاقتصادية»، فإن تكاليف تأمين الغذاء الضروري تشكّل ما نسبته 44% من إجمالي التكاليف الشهرية، فيما يذهب نحو 56% منها لتأمين نفقات الحاجات غير الغذائية.

وتتوزّع سلة الغذاء، التي تُعادل ألفين و400 سعرة حرارية يومياً للفرد، على أربع فئات أساسية، تندرج تحتها أخرى فرعية. ومن حيث التكاليف، تأتي فئة اللحوم والبيض والألبان أولاً، بقيمة نحو 1.365 مليون ليرة، تليها فئة الخبز والنشويات بتكاليف قدرها 1.024 مليون ليرة، ثمّ الخضروات والفواكه بنحو 682.7 ألف ليرة، وأخيراً فئة الزيوت والسكر والبقوليات بنحو 341.4 ألف ليرة. بدورها، تصنَّف الحاجات غير الغذائية ضمن أربع فئات أساسية – تتشعّب منها أيضًا أخرى فرعية -، على رأسها فئة السكن التي تشمل الإيجار والفواتير بتكاليف شهرية تقدَّر بنحو مليونَي ليرة؛ ثمّ فئة اللباس والأدوات المنزلية والاتصالات بنحو مليون ليرة، فالصحة والتعليم بنحو 700 ألف ليرة، وأخيراً المواصلات بنحو 600 ألف ليرة. وبينما تتشابه، تقريباً، تكاليف الحاجات الغذائية بين المحافظات، فإن التباين يظهر بوضوح في تكاليف تلك غير الغذائية، وفي مقدّمتها الإيجارات؛ إذ تتصدّر دمشق القائمة، تليها حلب، فاللاذقية وطرطوس، ثمّ حمص وحماة وبعدهما إدلب.

تشكل تكاليف تأمين الغذاء الضروري ما نسبته 44% من إجمالي التكاليف الشهرية

واللافت، طبقاً للدراسة، أن جزءاً كبيراً من تكاليف المعيشة بات مرتبطاً بما يُعرف بـ«اقتصاد الظلّ»، وما يقدّمه هذا الأخير من خدمات بديلة يتمّ تحديد أسعارها وفقاً لسعر صرف الدولار، الأمر الذي يجعل التكاليف الشهرية لهذه الخدمات تُراوح ما بين 550-950 ألف ليرة، تتوزّع على كهرباء أمبيرات بسعر 300-500 ألف ليرة، ومياه صهاريج بتكلفة 100-200 ألف، جنباً إلى جنب خدمات الإنترنت والاتصالات بـ150-250 ألف ليرة. ومع استمرار تدنّي الحدّ الأدنى الرسمي للأجور، الذي يقدَّر بنحو 750 ألف ليرة (66.96 دولاراً)، فإن نسبة تغطيته لأبسط متطلّبات المعيشة لا تتجاوز الـ10%، ولمتوسّط التكاليف الـ7%. ويعني ذلك أن الأجر الحالي لا يكفي سوى لثلاثة أيام، وأن الفجوة المعيشية الشهرية تُقدَّر بنحو 6.963 ملايين ليرة. على أن هذه التقديرات الخاصة بشهر تشرين الثاني الماضي، تبقى عرضة للتغيير بفعل استمرار ارتفاع معدّلات التضخم، علماً أن الأخيرة بلغت، بين تشرين الثاني 2024 وتشرين الثاني 2025، نحو 13.44%، مسبِّبةً المزيد من «التآكل» في القوة الشرائية، بحسب المصدر نفسه. ومع استمرار تعمّق هذه الفجوة المعيشية، سُجّل تزايد في الاعتماد على التحويلات الخارجية أو العمل في قطاعات غير رسمية، وفي التقشّف القسري الذي تلجأ إليه الكثير من الأسر، من خلال التخلّي عن خدمات رئيسة كالرعاية الصحية والتعليم الجيّد وتقليص سلّة الغذاء إلى ما دون الحدّ الأدنى الضروري، جنباً إلى جنب هجرة الكفاءات والشباب بحثاً عن فرص عمل تؤمّن مدخولاً لائقاً.

ماذا بعد؟

في حال استمرت العوامل الهيكلية التي تعزّز التضخم غير الرسمي، على حالها، تستشرف الدارسة ارتفاعاً في التكاليف المعيشية خلال الأشهر الستة اللاحقة، أي بين كانون الأول 2025 ونيسان 2026، بنسبة متباينة تبعاً لنوعية التكاليف. فالحدّ الأدنى لهذه الأخيرة (689 دولاراً شهرياً) سوف يزداد بنسبة تتراوح ما بين 10-16.7%، فيما قد يرتفع متوسّطها (982 دولاراً) بنسبة تتراوح ما بين 13.6-22.7%. ويصنّف البحث العوامل الهيكلية المشار إليها ضمن ثلاث فئات، هي: أولاً، استمرار ظاهرة «دولرة» الحياة اليومية، والتي سيظهر تأثيرها الأكبر في متوسّط التكاليف، خاصة بالنسبة إلى الخدمات البديلة؛ وثانياً، التضخم في سلّة الغذاء من جرّاء الاعتماد على الاستيراد، والتي تؤثّر، بشكل كبير، على الحدّ الأدنى من التكاليف أو ما يُعرف بـ«سلة البقاء»؛ وثالثاً، غياب الحلول الجذرية، في ظلّ اقتران فجوة الدخل باستمرار الحكومة في رفع الدعم عن الخدمات الأساسية.

عن موقع ميادين المقاومة

من الداخل إلى الإقليم و العالم، لتكون الأقرب للمشهد السياسي.. بمنظورٍ مُقاوِم! هدفنا أن تكون بيئتنا الكريمة شريكةً في الوعي.. لا مجرّد متلقّية للخبر!

شاهد أيضاً

حصار نفطي ومالي شامل: كوبا في قبضة «الوحش» الأميركي

انتقلت واشنطن من العقوبات التقليدية إلى حصار نفطي شامل، وذلك ضمن حرب هجينة جرّدت هافانا …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *