«فتيل أزمة» بين العشائر وحكومة دمشق عنوانه آبار النفط

قبل اندلاع الحرب عام 2011 كان النفط يشكّل ركيزة أساسية في الاقتصاد السوري، إذ بلغ الإنتاج الإجمالي عام 2010 نحو 380 إلى 400 ألف برميل يومياً، بعد أن كانت الذروة التاريخية في تسعينيات القرن الماضي بين 580 و600 ألف برميل يومياً.

أغلقت سوريا حوالى 20 بئر نفطي في مناطق من الجزيرة السورية

لم تسر الأمور بسلاسة بين العشائر وقوات الحكومة بعد انتهاء المعارك مع «قسد» وخلو الساحة من قواتها، إذ برزت ورقة النفط كفتيل أزمة بين الجانبين. العشائر لم تقبل بإخراجها «من المولد بلا حمّص»، والحكومة السورية لا تريد ترك أي دور لهم في حقول النفط الصغيرة منها والكبيرة.

بعد انحسار قوات سوريا الديموقراطية «قسد» إلى محافظة الحسكة في أقصى الشمال الشرقي السوري، تركت خلفها مساحة واسعة من الجزيرة السورية حلّت فيها تشكيلات عشائرية كانت قد قاتلت سابقاً إلى جانب «قسد»، ولكنها سرعان ما انقلبت للقتال إلى جانب قوات الحكومة السورية عندما وصلت الأخيرة إلى مشارف الطبقة في الرقة.

لذا، أقدمت قوات العشائر خلال الأيام الفائتة بحرق بئر نفط للمرة الثانية في قرية «طيب الفال» في ريف دير الزور الشرقي، كما اندلعت اشتباكات عنيفة بين العشائر وقوات تابعة للحكومة الانتقالية في بلدة السوسة بريف دير الزور أيضاً، على خلفية إشكال يتعلق بتقاسم الحصص من النفط وعائداته.

تركزت عمليات العشائر التخريبية في دير الزور وريفها، ووصلت إلى منطقة الجلاة في ريف البوكمال حيث أضرمت النيران في عدد من المنازل وتضررت البساتين من جراء اشتباكات شهدتها المنطقة إثر خلافات على النفط مع قوات حكومية.

لا تقتصر تحركات العشائر على حرق الآبار وتخريب الأنابيب، بل أيضاً نفذت تجمعات احتجاجية، حيث أظهرت مقاطع فيديو مصورة تجمعاً لعشائر في ريف دير الزور هددوا فيه بحرق آبار نفطية بالكامل في حال لم تسمح لهم حكومة دمشق بالاستمرار في العمل على أخذ حصتهم من النفط إلى «الحراقات» البدائية الخاصة بهم، ثم إلى البيع والاستفادة من الأرباح.

ماذا تريد العشائر؟

ما تريده العشائر من الحكومة السورية الانتقالية هو إطلاق يد أبنائها في آبار النفط كما كان الوضع سابقاً عندما كانت هذه المناطق تحت سيطرة «قسد».

كانت «قسد» تعتمد سياسة تقاسم عائدات النفط مع عشائر دير الزور العربية، فيما كانت رواتب قوى الأمن الداخلي وموظفي مؤسسات «الإدارة الذاتية» في مدينتي الرقة ودير الزور تُصرف من حصة «قسد» نفسها، وليس من حصة العشائر، وذلك بحسب مصدر في قوات سوريا الديموقراطية لـ«الأخبار».

مصدر محلي في دير الزور قال لـ«الأخبار» إنّ «أهالي دير الزور يريدون تسلّم الحقول النفطية وإنشاء إدارة ذاتية لهم كما كان الحال في السابق، بينما تريد الحكومة المؤقتة السيطرة الكاملة على الآبار وعائداتها، ومن هنا بدأت الخلافات».

وأكد المصدر أنّ الحكومة السورية أغلقت حوالى 20 بئر نفطي في مناطق مختلفة من الجزيرة السورية، ومنعت العشائر من الدخول إليها منذ انسحاب «قسد».

 ما تريده العشائر من الحكومة السورية الانتقالية هو إطلاق يد أبنائها في آبار النفط كما كان الوضع سابقاً عندما كانت هذه المناطق تحت سيطرة «قسد».

وكانت قد انتشرت مقاطع صوتية لقيادي في العشائر العربية في دير الزور يتحدث خلالها عن حرق آبار النفط جاء فيها أنّ «العشائر هي من دخلت الحقول و بعدها تسلّمتها منهم قوات الحكومة السورية المؤقتة»، متهماً قوات الحكومة بـ«مصادرة الغنائم من العشائر واقتحام منازلهم لتفتيشها دون إذن».

وأضاف القيادي أنّ «النفط حالياً يسبح في الأراضي دون جدوى بسبب سياسات الحكومة السورية التي تريد منع العشائر والبدو من الاستفادة منه، ومن عائداته».

كيف تقلب الإنتاج النفطي بين عامَي 2011 و2026؟

قبل اندلاع الحرب عام 2011 كان النفط يشكّل ركيزة أساسية في الاقتصاد السوري، إذ بلغ الإنتاج الإجمالي عام 2010 نحو 380 إلى 400 ألف برميل يومياً، بعد أن كانت الذروة التاريخية في تسعينيات القرن الماضي بين 580 و600 ألف برميل يومياً قبل أن يبدأ التراجع لأسباب تقنية ونتيجة ضعف الاستثمار، وكانت الصادرات تقارب 150 ألف برميل يومياً والباقي للاستهلاك المحلي، بإدارة الشركة السورية للنفط وشراكات مع شركات أجنبية مثل «توتال» و«شل».

ومع اندلاع الحرب انهار الإنتاج سريعاً نتيجة فقدان السيطرة على الحقول وتدمير البنية التحتية والعقوبات، ووصل في أسوأ الفترات إلى ما بين 24 و50 ألف برميل يومياً، بحسب تقارير حكومية رسمية آنذاك.

ابتداءً من عام 2014 سيطرت قوات سوريا الديموقراطية «قسد» المدعومة من الولايات المتحدة على معظم حقول النفط شرق الفرات، بما في ذلك العمر والتنك والجفرة وحقول رميلان والحقول الصغيرة في الحسكة، وتراجع الإنتاج تحت إدارتها مقارنة بما قبل الحرب بسبب نقص الاستثمار والأضرار التشغيلية، حيث تراوحت التقديرات بين 40 و80 ألف برميل يومياً في فترات مختلفة، مع تقديرات أدنى وصلت إلى نحو 15 ألف برميل يومياً في بعض السنوات.

في أواخر 2025 وأوائل 2026 استعادت الحكومة السورية الانتقالية السيطرة على عدد من الحقول الرئيسية مثل العمر وكونيكو الغازي ومناطق نفطية في دير الزور والحسكة والرقة، وكان الإنتاج الفعلي في مناطقها قبل الاستعادة يُراوح بين 10 و25 ألف برميل يومياً، مع إعلان خطط لرفع الإنتاج إلى نحو 100 ألف برميل يومياً بعد إعادة التأهيل، مع الإشارة إلى أن هذه الأرقام تبقى قابلة للتغير تبعاً للظروف الميدانية والعقوبات والقدرات الفنية، وأن التقديرات الصادرة عن مختلف الأطراف قد تتباين أحياناً لأسباب سياسية أو تقنية.

عن موقع ميادين المقاومة

من الداخل إلى الإقليم و العالم، لتكون الأقرب للمشهد السياسي.. بمنظورٍ مُقاوِم! هدفنا أن تكون بيئتنا الكريمة شريكةً في الوعي.. لا مجرّد متلقّية للخبر!

شاهد أيضاً

اعتداءات صهيونية متواصلة على لبنان: شهيدان في طلوسة وحانين

استُشهد مواطنان، اليوم الاثنين 16 شباط/فبراير 2026، في اعتداءين صهيونيَين الأول في بلدة حانين والثاني …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *