‎6 عائلات غزّية تغادر بيروت إلى مصر: ترميم الأطراف لا يرمم الروح

6 عائلات غزّية تغادر بيروت إلى مصر بعد رحلة علاجية طويلة قادها «صندوق غسان أبو ستّة لإغاثة الأطفال» في مستشفى الجامعة الأميركية. تقرير إنساني يوثّق قصص بترٍ وعمليات ترميم معقّدة، وحكايات فقدٍ ونجاةٍ معلّقة بين غزّة ومصر ولبنان.

استقبل صندوق غسان أبو ستة 24 عائلة من ضمنها 46 طفلاً خضعوا للجراحة في أماكن متفرّقة من أجسادهم..

تغادر ست عائلات غزية لبنان، غداً الثلاثاء، متوجهة إلى مصر، بعد قضائها فترتها العلاجية في بيروت، فيما تتحضر الأخيرة لاستقبال خمس عائلات جديدة، من بينها تسعة أطفال، لتبدأ رحلتها مع العلاج. لن تتوقّف هذه الحركة من الذهاب والإياب، فحتى من يغادرون اليوم سيعود جزء منهم خلال أشهرٍ لاستكمال علاجات قد تمتدّ لسنوات، وهذه درب ستطول ‎كلما تمدّدت الإبادة في غزّة.

منذ أيار من عام 2024، بدأ جرّاح الترميم والتجميل وابن قطاع غزّة، غسان أبو ستة، معركة ترميم حياة الغزّيين، ولا سيما الأطفال منهم، فكانت أول دفعة من الآتين من جحيم القطاع إلى بيروت، ثم كرّت السبحة، فوصلت الدفعة التالية قبل يومٍ واحدٍ من بدء الحرب على لبنان، إلى أن انطلق «صندوق غسان أبو ستة لإغاثة الأطفال» بشكلٍ رسمي في كانون الأول من العام نفسه، لتنتظم معه جداول الحضور والعمليات المعقّدة التي يجريها الأطباء في مستشفى الجامعة الأميركية في بيروت.

حتى اللحظة الراهنة، استقبل الصندوق 24 عائلة، من ضمنها 46 طفلاً خضعوا للجراحة في أماكن متفرقة من أجسادهم، أجرى أبو ستة وحده «325 عملية منذ عام 2024 حتى ما قبل ثلاثة أشهر»، تقول دارين دندشلي، العضو المؤسس في الصندوق والمديرة التنفيذية له. لم تكن تلك التجارب عابرة، فقد كانت أشبه بسجلّ توثيقي لتوحّش العدو الإسرائيلي المطبوع على أجساد الغزّيين. فكلّ جسد منهم يحتاج إلى سنواتٍ من الجراحات قبل التعافي، إذ إنها في معظمها، عمليات جراحية معقّدة، تقول دندشلي. أما الأصعب من التعقيد في العمليات هو شيوع عمليات البتر، بحيث يفقد العضو وظيفته ويصبح بترها واجباً، وهو إجراء يتطلب علاجات طويلة.

مع ذلك، لم يقف هذا الأمر حائلاً دون استكمال الطريق التي عبّدها أبو ستّة، ولم تتوقف متابعات صندوقه عند الإجراءات الاستشفائية، فقد نشأ هذا الأخير على أساس رسالة واضحة: الاحتواء، بحيث كان المطلوب هو الشعور بالأمان، بقدر الشعور بالانتماء إلى القضية، تقول دندشلي. من هنا، لم يتكفّل الصندوق فقط بتغطية كلفة العلاجات، وإنما أيضاً بتأمين مكان للمبيت بالقرب من المستشفى، كما تأمين التعليم للمصابين من الأطفال أو من الأطفال المرافقين لأهلهم المصابين، «حيث كانوا يتابعون دراستهم قبل الظهر في مؤسسة عامل، قبل أن يلتحقوا ظهراً عبر المنصة الإلكترونية بمدارس رام الله، ثم يُعاد تحضيرهم من قبل فريق في الصندوق بعد الظهر لتدريسهم». ولا تتوقف حصص الدرس عند الكتب، وإنما يخصص الصندوق حصة مضافة من خارج المنهج، كل أسبوعين، في النادي الثقافي الفلسطيني، للحديث عن تاريخ وجغرافيّة فلسطين، إضافة إلى إجراء لقاءات لهم في المخيمات الفلسطينية في لبنان، وإقامة بعض النشاطات الترفيهية «مثل الرحلات التي كانت آخرها إلى الثلج».

في أيار 2024 بدأ غسان أبو ستة معركة ترميم حياة الغزّيين ولا سيما الأطفال منهم فكانت أول دفعة من الآتين من جحيم القطاع إلى بيروت

ثمة ما هو أبعد من شعور الاحتواء والأمان، وهو الشعور بالانتماء، تقول دندشلي. هذا الشعور يجعل من السهل ألا يفرغ الصندوق من المتطوعين، إذ تشير دندشلي إلى وجود 60 ما بين متطوع ومتطوعة لمرافقة العائلات أو لتسهيل الأعمال في الصندوق. تفسّر دندشلي هذا الاندفاع لدى المتطوعين بما هو أبعد من دعم القضية «وإنما أيضاً بالتخفّف من شعور العجز، وهذا شعور داخلي في كل منا يدفعنا لأن نكون حاضرين هنا، في كل تفصيلة من حكاياهم». تروي دندشلي قصصاً «كنا نسمع عنها عبر الشاشة، أما اليوم فنحن نعيشها مع أصحابها». ومع كل «تفصيلة»، تغصّ للحكايات التي تشبه فيلماً هوليودياً… سيطول. وأكثر الحكايات التي أثّرت فيها «قصة العم الذي ترك عائلته وخرج مع ابن أخيه إلى مصر بعدما لم يبق له أحد من عائلته، يومها لم ينظر خلفه ولم يلتفت إلى أولاده تماماً كما يحدث في الأفلام».

الطبيب الفلسطيني غسان أبو ستة الذي تولى علاج الجرحى الغزيّين..

وفي رأي دندشلي، كان «علينا أن نكون معهم». وهذا ما يجعل من الصندوق بيتاً للذين يأوون إليه، وهم لم يعودوا فقط من الفلسطينيين، وإنما أيضاً من اللبنانيين، حيث يشترك الصندوق وجمعية «أقوى» بالتعاون مع منظمة اليونيسيف ووزارة الصحة العامة في علاج الأطفال اللبنانيين من جرحى الحرب الإسرائيلية. وتشير دندشلي في هذا السياق إلى أن الصندوق استقبل حتى اللحظة، ومنذ ما بعد وقف إطلاق النار بحدود 100 طفل جريح «حيث نتواصل مع وزارة الصحة العامة بعد الغارة للتأكد من المصابين ثم التنسيق فيما بيننا وبين المستشفى لمتابعة الأطفال وعلاجهم».

ابتسام الزيناتي: لعنة النجاة

اليوم، تغادر ابتسام الزيناتي بيروت بعد عامٍ وخمسة أشهر من الإقامة فيها بصحبة طفلتيها. لا شعور يرافق تلك العودة، فلا هو حزن ولا هو فرح، فقد تبلّد الشعور لدى الشابة التي تلاحقها فكرة النجاة، وكأنها لعنة. نجت ابتسام من جحيم غزة وأجرت عمليات ترميمية كثيرة لتستعيد الوقوف على قدميها، ولكن قلبها لم ينج. ثمة «شيء مات بداخلي»، تقول وهي تودّع العائلة الكبيرة التي عاشت وسطها في بيروت، قبل أن تعود إلى مصر، حيث من المفترض أن تستكمل علاجاتها في المستشفيات هناك. لا تزال حياتها معلّقة عند اللحظات الأخيرة التي عاشتها من دون لقب الناجية الوحيدة. وكانت هذه آخر ليلة قبل أن تتنقل بين المستشفيات ثم إلى مصر ومن بعده إلى لبنان.

تسترجع ابتسام آخر لقاء مع عائلتها، حينما اجتمعوا للمرة الأخيرة، قبل أن يأتي الموت مباغتاً 12 فرداً دفعة واحدة. «كل عائلتي»، تقول. نجت وحدها بكل هذا الثقل من الفقد. لا أب ولا أم ولا أشقاء. فقط هي وأولادها وشظايا كثيرة في جسدها. ‎تروي وعيناها تفيضان من الدمع، كأنها فقدت للتو. ورغم ألفة ملتقى الحمرا، المكان الذي أقيم فيه الحفل الوداعي للعائلات الغزية المغادرة، كانت ابتسام هادئة إلى الحد الذي لم تكن فيه مرئية. تسرد بصوت مهزوز درب جلجلتها من مستشفى كمال عدوان، المحطة الأولى، حيث أجريت لها الإسعافات الأولية وعدد من العمليات، تتذكر منها عملية في البطن أجرتها بلا بنج، كانت تسمع فيها أصوات الغرز في جسدها. ومع اشتداد القصف على المستشفى ثم حصاره، انتقلت إلى المستشفى الإندونيسي، حيث بقيت هناك حتى لحظة اقتحام جنود الاحتلال المستشفى وإجبارها على إخلاء المرضى، لتنقل بعدها ابتسام إلى المستشفى الأوروبي في الجنوب. هناك، خبرت ابتسام العجز والفقد الأصلي. استشهد ابنها البكر ثم ابنتها وبقي لها ثلاثة أطفال. ومذاك، لم يعد «للحياة طعم».

تغادر ابتسام الزيناتي بيروت بعد عامٍ وخمسة أشهر من الإقامة فيها بصحبة طفلتيها لا شعور يرافق تلك العودة فلا هو حزن ولا هو فرح

خلال تلك المدة، تقدمت ابتسام بخمس طلبات إلى وزارة الصحة لمتابعة علاجها خارج القطاع بعدما بات حتمياً في القطاع بتر قدمها بسبب عدم توافر العلاجات المناسبة، لكنها رفضت جميعها وفي المرة الأخيرة أتت الموافقة، غير أن المفجع في تلك الرحلة أنها غادرت القطاع بطفلتين من دون زوجها وابنها، إذ لم تستطع الحصول على تحويل للخروج به من غزة، ولا سيما أن الاحتلال كان يمنع خروج الشباب الذين يتخطون السادسة عشرة من العمر. خرجت ابتسام إلى مصر. كانت تظنّ أن إقامتها هناك لن تطول، فكانت تقول دائماً «كم شهر وبنرجع»، إلا أن الـ«كم» شهر، امتدت لثمانية أشهرٍ في مصر، قبل أن يتعذر العلاج في المستشفى لتُنقل بعدها إلى لبنان الذي بقيت فيه سنة وخمسة أشهر.

وطوال تلك المدة، كانت تتواصل عبر الهاتف مع ابنها الذي نجا من الموت ثلاث مرات ويعيش اليوم وحيداً في خيمة على الشاطئ، فيما والده يمكث في مكانٍ آخر. وفي آخر اتصال بينهما «قال لي ليش حاسس حالي ما رح شوفك؟». ومنذ تلك اللحظة، انقبض قلب ابتسام التي لم تعد تملك سوى هذا الوحيد وطفلتين، ويزداد الانقباض كلما تيقّنت أنها ستعود إلى مصر وأن معبر رفح، بوابتها إلى «الروح»، كما توصفها، قد لا تفتح في وجهها مرة أخرى.

نورا صادق وحكاية بيت الشاطئ

طوال الإقامة في غزة، في البيوت أو في مراكز النزوح، مشهد واحد يلتصق بذاكرة نورا صادق، التي تغادر اليوم بيروت مع ثلاث بنات. مشهد بيت الشاطئ حيث نزحت مع أهلها وإخوتها والأولاد، بعدما حدّد الاحتلال المناطق الآمنة التي يمكن النزوح إليها. كانت العائلة تحاول ترميم الحياة التي تشظّت على مدار عام كامل، وفي أحد الأيام «كنا نجلس في بيت أختي، فيما الأولاد يلعبون في الخارج، فجأة سمعنا صوتاً قوياً قبل أن يرتطم الصاروخ بالعمود عند الباب». في تلك اللحظة، لم يعد يُسمع سوى الصراخ، بعدما أصابت الشظايا طفلين ووالدهما وسقطوا شهداء. ولم يكد يلملم من في الداخل الشهداء، حتى كان «المشهد المرعب خارجاً، أربعة أطفال مقطعين في الخارج ومعهم والدهم وبقية الأطفال جرحى». مجزرة.

اعتصام لعدد من الأطباء من منظمة «أطباء بلا حدود» في بيروت لإيقاف حرب الإبادة في غزة..

هذا ما رأته نورا، ومن بين الجرحى طفلتان لها نقلتا إلى المستشفى لإجراء عمليات. تتذكر وقوفها عند باب غرفة العمليات من الظهر وحتى الحادية عشرة ليلاً، حيث أجريت العمليات لابنتيها. لم تعد نورا إلى غزة، إذ إن العمليات التي كانت تحتاجها الطفلتان معقدة، ولذلك كان القرار بالتحويل إلى مصر. «رحنا على مصر على أساس 3 شهور، فلقينا حالنا بلبنان»، واليوم تكمل السيدة وطفلتاها 3 سنوات من البعد. أكثر ما تفتقده هو الشعور بالاستقرار و«لمّة العيلة»، فرغم وجودها لعامٍ ونصف عام في بيروت وتكوينها علاقات ممتازة مع أبناء جلدتها، إلا أنها لم تمسك هذا الشعور يوماً. مع ذلك، حاولت جاهدة أن تعوّض هذا الشعور لدى بناتها، والأطفال النازحين في بيروت «فكنا نطبخ في الفندق أكلات فلسطينية مثل المقلوبة والقدرة وغيرهما».

خميس عكيلة «قصفونا نحنا وعم نخلي»

للمرة الأولى منذ ثلاثة عشر عاماً، يرى خميس عكيلة الثلج «وجهاً لوجه». قبل الرحلة التي نظمها صندوق غسان أبو ستّة لإغاثة الأطفال، لم ير خميس الثلج إلا على الشاشة في أحوال الطقس أو في الرسوم المتحركة. كان فرحاً عارماً ولكنه منقوص، إذ لم يكن قادراً على اللعب بسبب استخدامه لعكازين تسندان قدمه المصابة. لن يترك خميس اليوم بيروت، وإنما جاء مع والدته ليودّع العائدين، فقدمه لا تزال تحتاج إلى الكثير من العلاجات وكذلك جسده الذي يفيض بالشظايا.

وحتى بعد الانتهاء من العمليات المطلوبة في إقامته الحالية، يفترض أن يعود كل عام لتركيب جهاز ترميمي لقدمه حتى يبلغ الثامنة عشرة من العمر. حال خميس كحال البقية الذين تبلّدت مشاعرهم رغم ألفة الأمكنة في بيروت، فما يسيطر على وعي هؤلاء مشاهد الموت الذي لم يتحرروا منها، وهي ما يستعيدونها في شريط ذكرياتهم عن اللحظات الأخيرة التي توقفوا عندها. هكذا، يتجمّد الوقت عند خميس عند باب حيّ الصحابة، عندما لم يمهل الاحتلال الناس كي يخلوا، «فقصفونا نحنا وعن نخلي». هذا الشعور الذي يحفر ندوباً في قلب سليم لن تشفى مع بلوغه سن الرشد.

أسماء عبدو والحنين إلى تلّ الهوا

كان يفترض أن تتخرج الشابة أسماء محمد من المدرسة الثانوية العام الماضي، إلا أن هذا العام رسم طريقاً آخر لحياتها، عندما أصيبت يدها بالعطب. في الثاني من شباط من العام الماضي، كانت أسماء مع عائلتها في البيت في تل الهوا، عندما هوت القذيفة فوق المبنى ولم يبق منه سوى جزء من الطابق الأرضي حيث كانت تسكن العائلة، فأصيب معظم القاطنين بشظايا القصف، ومن بينهم أسماء التي كادت تفقد يدها. لم يسقط في تلك الليلة شهداء، ولكن أسماء تملك الكثير من الأقارب الذين سقطوا على دفعات من الموت المتنقل في غزة. بعد سقوط المنزل، نزحت العائلة إلى الشمال. بقيت يوماً واحداً قبل أن تنتقل أسماء ووالدتها إلى مصر، حيث مكثتا لمدة خمسة أشهر قبل أن تسافرا إلى لبنان للعلاج. اليوم، تقيم أسماء في فندق مع والدتها، وهو فسحتها الوحيدة بين مواعيد علاجاتها في مستشفى الجامعة الأميركية، التي لا تعرف متى ستنتهي، إذ إن «يدي لا تزال بحاجة إلى المزيد». هذه اليد نفسها هي التي حرمت أسماء من استكمال مرحلة «التوجيهي».

عن موقع ميادين المقاومة

من الداخل إلى الإقليم و العالم، لتكون الأقرب للمشهد السياسي.. بمنظورٍ مُقاوِم! هدفنا أن تكون بيئتنا الكريمة شريكةً في الوعي.. لا مجرّد متلقّية للخبر!

شاهد أيضاً

عون: لبنان لم يعد قادراً على تحمّل نزاعات أيّ كان

أعرب رئيس الجمهورية جوزاف عون أن لبنان لم يعد قادراً على تحمّل نزاعات أي كان، …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *