شهران حاسمان للمفاوضات | جولة ثانية: إيران أقلّ تفاؤلاً

قبيل جولة المفاوضات الثانية في جنيف، تتصاعد مؤشرات التعثّر بين واشنطن وطهران؛ مفاوضات تحت ضغط التحشيد والتهديد، وخلافات عميقة حول التخصيب والعقوبات تنذر بمواجهة محتملة.

علم العدو الإسرائيلي يتوسّط تظاهرة ضد الجمهورية الإسلامية في مدينة بوسطن الأميركية..

بينما من المُقرّر أن تُجرى الجولة الثانية من المحادثات بين إيران والولايات المتحدة غداً في جنيف، باستضافة من سلطنة عمان، لا تزال المؤشّرات تفيد بصعوبة توصّل الطرفين إلى اتفاق، وهو ما يبقي المواجهة العسكرية خياراً مُرجّحاً. وكانت انعقدت الجولة الأولى بين الوفدين الإيراني الذي يرأسه وزير الخارجية، عباس عراقجي، والأميركي الذي يتقدّمه الممثّل الخاص للرئيس الأميركي، ستيف ويتكوف، في 6 شباط الجاري في مسقط بصورة “غير مباشرة”. وأفادت التقارير وقتذاك بأن الطرفين قدّما مواقفهما ومطالبهما وتوقّعاتهما من دون الدخول في مساومات حول “التفاصيل”، فيما يمكن اعتبار الاتفاق على مواصلة المفاوضات الإنجاز الوحيد لتلك الجولة. وفي هذا الفاصل الزمني، وفي أثناء زيارة أمين المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني، علي لاريجاني، إلى مسقط والدوحة، الأسبوع الماضي، وُضعت كلّ من طهران وواشنطن عن طريق الوسطاء، في صورة التقييم النهائي لنظيرتها في شأن الجولة الأولى، في حين يتعيّن الآن معرفة ما إذا كانت هذه المواقف شهدت مرونة بحيث يمكن أن تنبثق منها نقاط مشتركة، أم أن الفجوة ما زالت عميقة وحظوظ التوصّل إلى اتفاق ضئيلة.

وتواصل واشنطن استراتيجية “المفاوضات المسلّحة” مع طهران؛ فمن ناحية، تُلِحّ على مواصلة التفاوض، ومن ناحية أخرى تعزّز يوماً بعد آخر، تحشيدها العسكري في المنطقة، والذي يبدو أن الهدف منه في الدرجة الأولى، ممارسة الضغط على إيران لقبول مطالب الولايات المتحدة، وفي الدرجة الثانية، الاستعداد لعمل عسكري ضخم ضدّ الأولى إن فشلت المحادثات؛ علماً أن الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، هدّد مراراً بأن “أموراً سيئة ستحدث” إن لم تبرم طهران اتفاقاً.

وفي الملفّ النووي، لا تزال الولايات المتحدة تصرّ على تصفير تخصيب اليورانيوم، وهو ما أكّده ترامب في مواقفه الأخيرة؛ كما أنها تطالب بإخراج مخزونات اليورانيوم العالي التخصيب من إيران. وفي الوقت ذاته، تدلي السلطات الأميركية بتصريحات متناقضة حول ما يجب أن يتضمّنه الاتفاق مع إيران، الأمر الذي يضاعف بدوره من حالة الغموض. وبينما كان قال ترامب عقب الجولة الأولى إنه لا يرى أن ثمة عقبة أمام التوصل إلى اتفاق في المجال النووي فقط، عاد أخيراً وقال في حوار مع قناة «فوكس نيوز»، إن أيّ اتفاق يجب أن يشمل إضافة إلى البرنامج النووي، “البرنامج الصاروخي وجميع الحالات الأخرى” أيضاً، وهو موقف قريب جداً من موقف رئيس الوزراء الإسرائيلي، بنيامين نتنياهو، الذي التقاه، الأربعاء الماضي، في واشنطن. كذلك، كرّر ترامب في الأيام الأخيرة الحديث عن “تغيير النظام” في إيران كـ”خيار منشود”.

الوفد الإيراني المفاوض أعدّ حزمة من المقترحات لـ”توفير الوقت” في جنيف

أمّا إيران، فتواصل التأكيد أنها جاهزة للاتفاق والحرب على السواء، وليست مستعدّة من أجل تجنّب الحرب، للرضوخ لأيّ اتفاق غير عادل أو غير متوازن. وتصرّ طهران على أنها مستعدّة للتفاوض حول الملفّ النووي فقط، وأن الملفّات الأخرى، بما فيها البرنامج الصاروخي، تبقى خارج نطاق المفاوضات. وفي ما يتّصل بالمسألة النووية، تعتبر إيران مبدأ التخصيب “خطاً أحمر” بالنسبة إليها، وتقول إنها ليست جاهزة لوقفه، لكنها حدّدت في الوقت ذاته إطاراً لإبداء المرونة، بما في ذلك إعلانها أنها مستعدّة لخفض “مستوى” التخصيب و”كمية” المواد المُخصّبة، وتخفيف اليورانيوم العالي التخصيب من دون إرساله إلى خارج البلاد، وأيضاً للسماح لمفتّشي “الوكالة الدولية للطاقة الذرية” باستئناف أنشطتهم العادية في البلاد. وفي المقابل، تتوقّع طهران أن تقوم واشنطن برفع العقوبات عنها.

وفي هذا السياق، أکّد نائب وزير الخارجية الإيراني، مجيد تخت روانجي، في مقابلة مع “هيئة الإذاعة البريطانية” (بي بي سي) نُشرت، أمس، أن “إيران مستعدّة للنظر في تقديم تنازلات للتوصل إلى اتفاق نووي مع الولايات المتحدة إذا أبدى الأميركيون استعداداً لمناقشة رفع العقوبات”، لكنه استبعد مراراً “ربط هذا الملف بقضايا أخرى، بما في ذلك برنامج الصواريخ”. وقال روانجي إنه “إذا كان الأمیرکیون مستعدّين للحديث عن العقوبات، فنحن مستعدّون لمناقشة هذا الموضوع وسائر القضايا المتعلّقة ببرنامجنا النووي”. وشدّد على أن مسألة “صفر تخصيب” لم تعُد مطروحة، وبالنسبة إلى إيران هي ليست على طاولة المفاوضات، کما أكّد رفض بلاده مناقشة برنامجها للصواريخ الباليستية مع الولايات المتحدة، قائلاً: “عندما تعرّضنا لهجمات من الإسرائيليين والأميركيين، جاءت صواريخنا لمساعدتنا، فكيف يمكن أن نقبل بحرمان أنفسنا من قدراتنا الدفاعية؟”.

كذلك، أعلن عضو لجنة الأمن القومي والسياسة الخارجية في البرلمان الإيراني، إبراهيم رضائي، أن الوفد الإيراني المفاوض أعدّ حزمة من المقترحات لـ”توفير الوقت” في جنيف، في جولة المفاوضات الجديدة. وأكّد أن “إيران لن تناقش في هذه الجولة وقف تخصيب اليورانيوم، ولن يجري إخراج مخزون اليورانيوم المخصّب إلى خارج أراضيها”، مشيراً إلى أن “واشنطن وافقت على هذا الأمر”. وقال: “لسنا متفائلين كثيراً بنتائج المفاوضات”، مُذكّراً بأن للولايات المتحدة “سوابق كثيرة في انتهاك الاتفاقات”.

وفي خضمّ ذلك، تظلّ لاضطلاع الأطراف الخارجية بدور في المفاوضات، حظوظ في التأثير على نتائجها. فمن جهة، هناك بلدان المنطقة، بما فيها تركيا وقطر ومصر وعُمان، وإلى حدّ ما السعودية، والتي تسعى في ظلّ دعم مسار الدبلوماسية، لمنع اندلاع مواجهة عسكرية بين إيران والولايات المتحدة، نظراً إلى أن تداعياتها يمكن أن تؤثّر عليها تأثيراً كبيراً. ومن ناحية أخرى، هناك إسرائيل التي تسعى لتسوية الحسابات مع “محور المقاومة” وتريد جعل اعتبارات واشنطن وقراراتها، متطابقة تماماً مع تلك الإسرائيلية.

وأياً يكن، ثمة أحداث مُنتظَرة عالمياً، بما فيها إقامة بطولة كأس العالم لكرة القدم في الولايات المتحدة وانطلاق منافسات انتخابات التجديد النصفي للكونغرس الأميركي، تجعل من الصعب على إدارة ترامب إطالة الملف الايراني ومدّه إلى ما لا نهاية. ولذلك، فإن الكثير من المراقبين يرون أن الشهرين المقبلين، يمكن أن يكونا حاسميْن ومصيريَّيْن في مسار التطورات، بدءاً من الدبلوماسية، وصولاً إلى الحرب.

عن موقع ميادين المقاومة

من الداخل إلى الإقليم و العالم، لتكون الأقرب للمشهد السياسي.. بمنظورٍ مُقاوِم! هدفنا أن تكون بيئتنا الكريمة شريكةً في الوعي.. لا مجرّد متلقّية للخبر!

شاهد أيضاً

مؤتمر باريس لدعم الجيش: وعود تنتظر التطبيق

تُعلِّق الحكومة والمؤسّسة العسكرية الآمال على مؤتمر دعم الجيش المُنتظر في باريس مطلع آذار المقبل، …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *