الحريري وجمهوره: زعامة تقاوم «المخرز السعودي»
موقع ميادين المقاومة
3 ساعات مضت
أخبار هامّة, الرئيسية, النشرة اللبنانية, مقالات مختارة, منوّعات
بعد 21 عاماً على اغتيال رفيق الحريري، يُثبِت سعد الحريري أنّ علاقته بجمهوره لا تزال عصيّة على الكسر، مستعرضاً قدرة لافتة على الحشد، ورسائل سياسية محسوبة داخلياً وإقليمياً، وخطاباً انتخابياً دقيقاً في مرحلة مفصلية.

كما هي الحال منذ 21 عاماً، يُثبِت سعد الحريري أنّه قادر على «القبض» على جمهورٍ بأكمله. الرجل الذي بدا، قبل سنوات، فاقداً لفنّ الخطابة والسياسة، نضجت لديه أساليب التواصل مع الجمهور، لا لأنه اكتسبها بالضرورة، بل لأنه اتّكأ على «حواضره»: العاطفة والكاريزما.
مع ذلك، يصعب فهم طبيعة العلاقة بين رئيس «تيار المستقبل» وجمهوره: علاقة عاطفية فريدة تتجاوز الولاء السياسي التقليدي، وتعاطف وجداني مستمر حتى بعد تراجع «عدّة الشغل» السياسية، وزخم شعبي حاضر رغم الغياب الجسدي وشحّ المال والخدمات.
في حالة الحريري، تتخطّى المسألة «كاتالوغ» العلاقة التقليديّة بين الزعيم والقاعدة. إنها رابطة يختصرها جمهوره بعبارة عفوية: «نحبّه على الصعيد الشخصي». وليس بالضرورة أن يكون من يردّدها قد التقاه يوماً، لكنه يشعر بأن علاقة شخصية نشأت بينهما، ولو من دون علم الحريري نفسه!
امتحانات الحريري الناجحة
هكذا، ينجح سعد الحريري في كل امتحان، وحتى في ذروة اشتداد الهجمة السعودية على «التيار الأزرق». فقد تقاطر أكثر من 120 ألفاً إلى ساحة الشهداء، غير آبهين بالطقس العاصف ولا بغياب الحوافز المالية، إذ شكّل تأمين النقل من مختلف المدن والقرى، وجولات الأمين العام للتيار أحمد الحريري على المناطق، إضافة إلى ترقّب موقف سعد من الانتخابات، «رأسمال» التيار الفعلي لحشد المشاركة الشعبية.
ومع ذلك، بدا هذا «الرأسمال» كافياً للتأكيد أن «زيت» التيار لم ينضب، وأن الحريري لا يزال قادراً على الحشد بوصفه مدخلاً أساسياً إلى أي مشاركة في الانتخابات النيابية المقبلة. والأهم، نجاحه في استقطاب جيل شاب لا يعرف من رفيق الحريري سوى صورٍ مُعلّقة على الجدران ومواقف تُستعاد في ذكرى اغتياله، ولم يعايش عن قرب تجربة الابن في الحكم أو يسمع منه استراتيجية سياسية واضحة المعالم.
ومع ذلك، يلبّي هؤلاء الدعوة، ويعتبرون أنفسهم العمود الفقري لتيار المستقبل وجزءاً أساسياً ممّا يُعرف داخل «المستقبل» بـ«جيل سعد».
هي مفارقة أخرى في قدرة الحريري على التأثير والاستقطاب وشدّ العصب. وإذا كان امتلاكه أدوات قيادة الشارع السنّي بات أمراً بديهياً لدى المراقبين، فإن رئيس «المستقبليين» يبدو، في كل مرة، وكأنه يُفاجأ بحجم هذا الالتفاف. لذلك لا يتردّد في الحديث عنه أمام زواره، وهو ما بدا جلياً حين دمعت عيناه بعد انتهاء كلمته، قائلاً: «بعد 21 سنة لستم قلّة».
وإلى جانب الكاريزما، أصبح الحريري أكثر تمرّساً في فنّ التواصل مع جمهوره ومخاطبته. صحيح أنه يبدو أكثر ارتياحاً وعفوية في اللقاءات الشعبية الصغيرة، إلّا أن خبرته باتت واضحة في مواقفه، وفي إتقانه مخاطبة جمهوره وإشباع تطلّعاته، كما في العناية الدقيقة بكل كلمة نطق بها خلال إحيائه الذكرى الـ 21 لاغتيال والده.
رسالة إلى السعوديّة بالتجاهل!
إلى حدٍّ بعيد، عبّرت الكلمة التي صاغها سعد بحنكة عن شخصيته نفسها، فبدت الأقرب إليه منذ قرّر ترك كلّ شيء خلف ظهره والانتقال قسراً إلى الإمارات. وقد أدّى خطابه وظيفته الأساسية في مخاطبة الجمهور وطمأنته إلى المشاركة في الانتخابات النيابية، بالتوازي مع توجيه رسائل سياسية إلى الجهات المعنية.
في مضمون الكلمة، بدا الحريري هذه المرّة أكثر جرأة في موقفه. وكانت الرسالة الأقوى إلى السعوديّة عندما وقف أحمد الحريري، بخلاف المرات السابقة، إلى يساره، كما في تجاهله للمرة الأولى ذكر السعودية صراحةً في كلمته، وإن جاء الخطاب ألطف مما كان متوقّعاً قياساً بشراسة الهجوم السعودي عليه.
اختبار الشارع ينجح مُجدّداً: أكثر من 120 ألفاً يؤكّدون أن «زيت المستقبل» لم يشحّ
انطلاقاً من ذلك، ركّز رئيس «التيار الأزرق» على سردية المظلومية، فجاءت عبارته «ظلم ذوي القربى» تلميحاً إلى الرياض، ليضيف أنّه رغم هذا الظلم «لا نبيع مواقف لا في سوق السياسة ولا في سوق الحديد»، مستعيداً دور والده رفيق الحريري في إقرار اتفاق الطائف.
ومع ذلك، حرص الحريري على محاولة إبعاد أصابع الاتهام عن السعودية في مسألة إقصائه، معتبراً أن السبب كان «رفض تغطية الفشل والمساومة على الدولة». وهو ما يردّده أيضاً في لقاءاته الضيّقة، إذ يشير إلى أنّ «سبب خروجي من السياسة هو عدم وجود شريك حقيقي في البلد»، مع التأكيد أنّ «البلد بحاجة إلى إصلاحات، وأن الدور السعودي أسهم في تثبيت اتفاق الطائف ودعم الاستقرار في لبنان».
ومن هذا المنطلق، بدا حذراً في مقاربة الأزمة مع السعودية، فنأى بنفسه عن الاصطفافات الإقليمية حين قال إن «تيار المستقبل لا يمكن إلّا أن يكون، مثل رفيق الحريري، باني جسور بين الدول العربية ومتخصّصاً في مدّها». بدت هذه المقاربة بمثابة «ضربة معلّم» لحماية نفسه من أي تداعيات سلبية مُحتملة. عملياً، أتقن رئيس «المستقبل» تدوير الزوايا في علاقته بالسعودية كما مع العهد، فيما تعمّد التطرّق إلى سوريا، وهو ما لاقى ترحيباً لافتاً من الجمهور.
خطّ الانتخابات الدقيق
بدا واضحاً أن الحريري يعرف جيداً ما يريد جمهوره سماعه، وهو ما ركّز عليه في حديثه عن الانتخابات النيابية، والذي بدا أقرب إلى «ربط نزاع» مع فكرة الاستحقاق. فرئيس «الزرق» يدرك أن الانتخابات قد لا تُجرى في موعدها، وبالتالي لا جدوى من فتح معركة مبكرة، لكنه في الوقت نفسه لا يستطيع تجاهل الموضوع أمام جمهور ينتظر كلمة عن الاستحقاق، لأنّ النطق بها من عدمها يعني عودته إلى العمل السياسي أو بقاءه خارجها، وما يستتبعه ذلك من إشعال حماسة قاعدته الشعبيّة أو إخمادها.
لذلك رسم الحريري خطّاً دقيقاً: قال ما ينبغي قوله من دون أن يكلّفه فتح المعركة قبل أوانها، وفي الوقت نفسه ثبّت حضوره ومرجعيته فيها، قائلاً: «قولوا لي متى الانتخابات لأخبركم ماذا سيفعل المستقبل»، مضيفاً: «متى حصلت الانتخابات سيسمعون أصواتنا وسيعدّونها».
والدقّة نفسها اعتمدها في مقاربة سلاح حزب الله بعد توجيه التحية إلى الجنوب. ففي مجالسه الخاصة، نفى ما سرّبته قناة «الحدث» السعودية عن لقاء أحمد الحريري بمسؤولين في الحزب، مشدّداً على أن «حزب الله جزء من السياسة اللبنانية وموجود في الحكومة اللب، وهناك حوار في البلد معه، والآخرون يتحدّثون إليه، أمّا نحن فلا». وأضاف: «إذا حصل احتقان سنّي – شيعي في الشارع يؤدّي إلى مشكلة أكبر، فحينها نتحدّث معه على رأس السطح».
وفي ما يخصّ سلاح الحزب، يقول في لقاءاته إن ما يجري في الجنوب يشبه إلى حدّ بعيد ما يحدث في غزة، منوّهاً بجهود الحكومة في حصر السلاح، على اعتبار أن الهدف الأساس هو حماية الاستقرار في لبنان وتعزيز دور الدولة.
رئيس «المستقبل» نجم إفطار دار الفتوى
علمت «الأخبار» أنّ الرئيس سعد الحريري لن يعود إلى مقر إقامته في أبو ظبي قبل نهاية الأسبوع الحالي، وأنه سيشارك في الإفطار الرسمي الذي يقيمه مفتي الجمهوريّة، الشيخ عبد اللطيف دريان في دار الفتوى.
وكان المتابعون استغربوا قرار دريان تنظيم الإفطار في اليوم الثاني من شهر رمضان، خلافاً للعادة، قبل أن يتبيّن تعمّد المفتي إقامته في حضور الحريري الذي يشدّد في مجالسه على ضرورة حماية المرجعيّة الدينيّة بعد التداعيات التي طاولتها من جراء قضيّة الأمير السعودي المزعوم «أبو عمر».
وعليه، سيكون رئيس «تيّار المستقبل» نجم الإفطار باعتباره أول مناسبة اجتماعيّة كبرى يشارك فيها منذ تعليق عمله السياسي. ومن المفترض أن يلتقي خلاله بجميع المسؤولين في الدّولة وعلى رأسهم رئيس الجمهوريّة العماد جوزيف عون، خصوصاً أنّه تقصّد للمرّة الأولى عدم زيارة أي شخصيّة سياسيّة «لعدم إحراج أحد».
كما سيجمع الإفطار الحريري برئيس الحكومة نوّاف سلام، من دون أن يعرف ما إذا كان الأخير الذي من المفترض أن يعود من ميونيخ خلال الساعات المقبلة، سيبادر إلى زيارة الحريري في «بيت الوسط» قبل أن تجمعهما دار الفتوى، خصوصاً أنّ رئيس «التيّار الأزرق» زاره السنة الماضية فور وصوله إلى لبنان، أم أنّه سيكتفي باتصال هاتفي لم يقم به خلال وجوده في ميونيخ، بخلاف رئيس مجلس النواب نبيه بري الذي بادر إلى الاتصال بالحريري.
مرتبط