إعادة استكشاف سوريا نفطياً: متى التخلّص من «اقتصاد الوهم»؟
موقع ميادين المقاومة
16 ساعة مضت
أخبار هامّة, الرئيسية, النشرة الدولية, مقالات مختارة, منوّعات
تطرح عودة ملفّ ثروات سوريا الطبيعية إلى الواجهة التساؤلات حول حجم الثروة والوعود؛ فبين احتياطات محدودة وبنية مدمّرة، يبرز التحدّي في إدارة شفافة تعالج «اقتصاد الوهم» وتحوّل الموارد المتاحة إلى رافعة تنمية حقيقية.

مضخات آبار النفط في محافظة الحسكة شمال شرق سوريا..
عاد ملفّ ثروات سوريا الطبيعية وإمكانياتها «غير المستثمَرة» إلى الواجهة، ولا سيما مجالا النفط والغاز، باعتبارهما وعداً مؤجّلاً بـ«الخلاص» الاقتصادي. غير أن ما أخذ يطفو على السطح مجدداً، في هذا السياق، يبدو أقرب إلى خطاب دعائي وتعبوي يتغذّى من شحّ المعلومات وغياب الشفافية، غايته تسويق صورة «ورديّة» عن المستقبل، لا تستند إلى تقييم واقعي لتلك الموارد من حيث نوعها وحجمها وجدواها الاقتصادية.
وامتلأت الفضاءات الإعلامية، المحلية والعربية، في السنوات الأخيرة، بمعلومات متضاربة بل ومختلقة أحياناً حيال حجم تلك الموارد؛ إذ تحدّثت الروايات المتداولة عن احتياطات «هائلة» من السيليكون والغاز والنفط، وعن تحوّل سوريا إلى «خزّان الطاقة في الشرق الأوسط». بيد أن معظم هذه الادعاءات لم تستند إلى أيّ مسوحات جيولوجية حديثة أو معترف بها دولياً، إنما كانت، في الغالب، أدوات لتغذية الرأي العام بمزيج من الأمل والغضب، تبعاً للظرف السياسي القائم. ومع سقوط النظام السابق، لم يَظهر أن الاستثمار في «اقتصاد الوهم» الذي استنزف البلاد لعقود، وخلق فجوة مبكرة بين توقّعات الناس والقدرات الواقعية للدولة، قد وجد نهاية له.
ذلك أن بعض التصريحات والتحليلات الحالية لا تفتأ تتبنى جوانب من تلك الروايات، من دون أن تستند إلى دراسات علمية حديثة – علماً أنه لا تُجرى أيّ دراسات في هذا الشأن منذ عام 2010 -، أو إلى نتائج مسوح ميدانية جديدة. والجدير ذكره، هنا، أنه حتى نهاية عام 2025، لم تدخل أيّ شركة أجنبية متخصّصة إلى البلاد لإجراء أعمال مسح واستكشاف أو تقييم احتياطات في البرّ أو في المياه الإقليمية، حسبما تؤكده مصادر وزارة النفط نفسها. وعليه، تبقى الثروات القابلة إلى التقدير هي تلك المكتشفة سابقاً والموثّقة محلياً ودولياً، والتي، رغم محدوديتها النسبية، ليست ضئيلة، إذا ما أُحسِن استثمارها وتوجيهها ضمن أطر قانونية وتنافسية شفافة.
ما الذي تملكه سوريا فعلياً؟
تُعدّ سوريا من الدول التي لم يُستكشف منها سوى جزء محدود من أراضيها، وذلك باستخدام طرق قديمة، في وقت بات العالم فيه يستخدم طرقاً بالغة التطور والتقانة. وتشير تقديرات جيولوجيين سوريين إلى أن ما يزيد على نصف المساحة الكلية للبلاد لا يزال غير مستكشَف بصورة كافية. وبحسب خبير ومسؤول نفطي سابق تحدث إلى «الأخبار»، فإن المناطق المُستكشفة سابقاً بحاجة إلى «إعادة استكشاف جديدة عبر الاستفادة من التقنيات الحديثة»، إلى جانب إدماج الطاقة المتجدّدة – التي لا تزال هامشية في سوريا -، لتقليل الاعتماد على الوقود الأحفوري مستقبلاً.
وبحسب بيانات «منظمة الدول العربية المصدّرة للنفط» (أوابك)، يبلغ الاحتياطي السوري المؤكّد من النفط نحو 2.5 مليار برميل، ومن الغاز قرابة 285 مليار متر مكعّب. أما احتياطي الفوسفات، فيتجاوز، بحسب بيانات المؤسسات الرسمية المعنية، 1.8 مليار طن، وسط تقديرات بأنه يتجاوز مليارَي طن. وإذ لا تعدّ هذه الأرقام قليلة استناداً إلى المقاييس الإقليمية، لكنّها أيضاً لا تجعل من سوريا دولة نفطية بالمعنى التقليدي.
الثروة الحقيقية تكمن في القدرة على تحويلها إلى تنمية مستدامة تحفظ حق المواطن في الحاضر والمستقبل
والجدير ذكره، هنا، أن البلاد كانت تحتلّ، قبل العام 2011، المرتبة التاسعة عربياً من حيث الإنتاج، بطاقة يوميّة تقارب 385 ألف برميل فقط. غير أن استثمار هذا الاحتياطي يتطلّب إنفاقاً ضخماً لإصلاح ما خلّفته الحرب من دمار ونهب وتوقف في البنية التحتية، علماً أن وزارة النفط قدّرت، عام 2023، حجم الأضرار المباشرة وغير المباشرة – بما فيها قيمة فوات الإنتاج – بأكثر من 115 مليار دولار.
الإنتاج والإيرادات الممكنة
تشير دراسة رسمية غير منشورة، كانت قد أعدّتها وزارة النفط عام 2017، إلى أن خطة إعادة التأهيل الكاملة للحقول والمصافي على امتداد الجغرافيا السورية، استهدفت رفع إنتاج النفط يومياً إلى نحو 205 آلاف برميل من النفط، وإنتاج الغاز إلى 18 مليون متر مكعب. وهذه كميات إنتاج تبلغ قيمتها حالياً، وفقاً لأسعار النفط والغاز (65 دولاراً للبرميل عالمياً ونحو 43 سنتاً للمتر المكعب من الغاز السوري) نحو 8 مليارات دولار سنوياً.
إلا أن هذه التقديرات تبقى محاكاة حسابية لا أكثر، نظراً إلى أن سوريا بحاجة أولاً إلى سنوات من إعادة التأهيل قبل أن تقترب من تلك المعدّلات. كما أن أيّ عائد فعلي سيكون رهناً بعاملَين حاسمَين: نسبة الصادرات والاستهلاك المحلي إلى الإنتاج المحلي، ونموذج التعاقد الذي ستعتمده الحكومة مع الشركات الأجنبية. ففي حال تبني نموذج «المشاركة في الإنتاج» بشروط غير مجحفة بحقّ الجانب الوطني – النموذج المعمول به سابقاً منذ سبعينيات القرن الماضي، وكما فعل العراق بعد 2003 -، فإن حصة الدولة ستتراوح بين 40 و60% من الإيرادات الصافية. وفي حال اتجهت البلاد نحو نموذج الامتياز الكامل، فإن حصة الدولة ستكون أقلّ، لكنها أكثر استقراراً مالياً على المدى الطويل.
أما الفوسفات، فقد بلغ إنتاجه قبل الحرب نحو 3.5 ملايين طن سنوياً – معظمها من مناجم الشرقية وخنيفيس -، وهو ما يمكن أن يحقّق إيرادات تقارب 200 مليون دولار وفق الأسعار الراهنة. إلّا أن هذا القطاع، رغم أهميته، لا يملك الوزن المالي نفسه الذي يتمتع به النفط والغاز في الميزان التجاري الوطني.
ما عمر الثروات الحالية؟
قبيل اندلاع الحرب بثلاث سنوات تقريباً، حذّر خبراء سوريون من احتمال دخول مرحلة نضوب نسبي للنفط بين عامي 2020 و2025، ما لم تجرِ اكتشافات جديدة. وبالاستناد إلى الاحتياطي الحالي المكتشف ومعدلات الإنتاج السابقة (عام 2010)، فإن عمر الاحتياطيات النفطية المتبقية يُقدر بنحو 17 عاماً، مقابل 37 عاماً للغاز، فيما يمتدّ عمر الفوسفات إلى عقود طويلة بناءً على معدلات الإنتاج القديمة.
ويستدعي ذلك اعتماد استراتيجية إنتاج متوازنة تراعي الاحتياجات المحلية، وتحافظ على حقوق الأجيال المقبلة، وتراعي، في الوقت نفسه، تسارع التحوّلات البيئية والضرائب المفروضة على الدول المنتجة للثروات النفطية باعتبارها مساهماً كبيراً في الأضرار البيئية.
الرهان، إذاً، في المرحلة الانتقالية، لا ينبغي أن يكون على تعظيم الإنتاج وحده، بل على إعادة بناء منظومة إدارة الموارد، على أسس الشفافية، والمساءلة، وأولوية الاكتفاء الذاتي، وتقليص فاتورة الاستيراد، وتوجيه الموارد نحو التصنيع المحلي بدلاً من تصدير المواد الخام. هكذا فقط يمكن تحسين الميزان التجاري ودعم سعر الصرف من دون اللجوء إلى وعود خيالية. وفي هذا السياق، تثبت تجارب العراق وليبيا، مثلاً، بعد التحوّلات السياسية فيهما، أن الوفرة لا تضمن التنمية، وأن غياب الحوكمة قد يحوّل الثروة إلى عبء سياسي واقتصادي.
مرتبط