الاستخبارات المالية بمنهجية البنك الدولي بدلاً من التحقيقات القضائية؟ توسيع دائرة الشبهات بجرائم تبييض الأموال
موقع ميادين المقاومة
ساعتين مضت
أخبار هامّة, الرئيسية, النشرة اللبنانية, مقالات مختارة, منوّعات
تتواصل التحضيرات لدى الجهات الحكومية والقضائية من أجل إنجاز تعديلات تتعلّق بآليات وإجراءات التعامل مع الجرائم المالية بما ينسجم مع متطلبات «فاتف» التي تجرّد لبنان مما تبقّى له من سيادة.

تتواصل التحضيرات لدى الجهات الحكومية والقضائية من أجل إنجاز تعديلات تتعلّق بآليات وإجراءات التعامل مع الجرائم المالية بما ينسجم مع متطلبات «فاتف» التي تجرّد لبنان مما تبقّى له من سيادة. وهذا الأمر لا يتم بواسطة تشريعات، بل من خلال تعاميم تصدرها النيابة العامة التمييزية وعلى أساسها يُطلب من مجلس الوزراء «مساعدة تقنية» من البنك الدولي لـ «تعليم» لبنان منهجية التعامل مع الجرائم المالية.
في هذا الإطار، أصدر النائب العام التمييزي القاضي جمال الحجار، تعميماً في 19/1/2026 عنوانه «تعزيز فعالية التحقيقات المالية الموازية في قضايا تبييض الأموال والملاحقات والأحكام القضائية والمصادرات»، وفيه يحدّد مجموعة من الإجراءات والمعايير التي ستُعتمد لإجراء التحقيقات المالية الموازية التي أوكل القيام بها إلى شعبة المعلومات بما يوسّع ويتجاوز، عملياً، ما يرد في قانون مكافحة تبييض الأموال الرقم 44 .
وقد جاءت هذه المعايير استناداً إلى «التقييم الوطني المشترك للجمهورية اللبنانية المُجرى من قبل مجموعة العمل المالي «فاتف» ولا سيما التوصية 30 منه، وفي إطار «الإجراءات التصحيحية المطلوبة وفق خطّة العمل الموضوعة لرفع لبنان عن اللائحة الرمادية، ومنها رفع مستوى التحقيقات والملاحقات والأحكام القضائية والمصادرات لقضايا تبييض الأموال…».
وبالاستناد إلى هذا التعميم، وجّهت هيئة التحقيق الخاصة في 2 شباط 2026، كتاباً إلى الأمين العام لمجلس الوزراء القاضي محمود مكيّة، تفيده بأن «البنك الدولي سيقدّم للبنان مساعدة تقنية حول كيفية استخدام منهجية البنك الدولي لإنجاز التقييم الوطني لمخاطر تبييض الأموال وتمويل الإرهاب (مطلوب بناءً على خطّة عمل حدّدتها فاتف)، وأن المطلوب بداية هو تشكيل الفريق الوطني الذي سيواكب فريق البنك الدولي لإنجاز هذا العمل الذي سيستمر لنحو سنة…».
وأرفقت الهيئة ملحقاً بالجهات التي يُفترض أن تسمّي ثلاثة أشخاص من قبلها للمشاركة في هذا الفريق الوطني، وهي: وزارة المال (مديرية الواردات)، وزارة الداخلية والبلديات (المديرية العامة للشؤون السياسية واللاجئين المعنية بموضوع الرقابة على الجمعيات غير الهادفة للربح)، وزارة العدل (الأمن العام والسجلّ التجاري)، وزارة الدفاع الوطني (مديرية المخابرات، المحكمة العسكرية)، المديرية العامة لقوى الأمن الداخلي شعبة المعلومات، مكتب مكافحة الجرائم المالية وتبييض الأموال)، المديرية العامة للجمارك، النيابة العامة التمييزية، الهيئة الوطنية لمكافحة الفساد، هيئة التحقيق الخاصة.
إذاً، ما المضمون الفعلي لهذا التعميم؟ وما الهدف من المساعدة التقنية من البنك الدولي؟
يُعتقد على نطاق واسع أن «المساعدة التقنية» التي ستمتد على مدى عام كامل، ستساعد في تصنيف «مخاطر» و«مجالات خطرٍ»، تمهيداً لإعادة رسم السياسة الجزائية والمالية للدولة خارج أي نقاش تشريعي سيادي. وهذا يعني أن المساعدة ستتحوّل تلقائياً بواسطة تعاميم ومذكّرات وإجراءات تطبيقية للقوى المولجة بالتحقيقات وسواها، إلى آلية توجيه خارجي يكون تدخّل السيادة اللبنانية فيها أقرب إلى أداة تنفيذ لسياسات خارجية، ومنهجيات مُتّبعة في الخارج لمطابقة نفسها مع معايير مفروضة مُسبقاً.
تعميم النائب العام التمييزي يوحي بأن مجرّد فتح تحقيق مالي موازٍ يستتبع الادّعاء بجرم تبييض الأموال
إلا أنّ هذا الكتاب لم يأت بشكل منفصل ووحيد. بل أتى ضمن مسار التعميم الصادر عن النائب العام التمييزي الذي يثير بدوره إشكاليات منهجية وقانونية عميقة تتجاوز مسألة تعزيز التحقيقات المالية الموازية بحدّ ذاتها، إذ إنه يفرض على الضابطة العدلية، عند التحقيق في أي جريمة منصوص عليها في المادة الأولى من القانون الرقم 44/2015، مساراً شبه إلزامي لفتح تحقيق مالي موازٍ بجرم تبييض الأموال، عبر تنظيم كتاب مُلخّص بالقضية وإيداعه لدى مكتب مكافحة الجرائم المالية، متى توافرت معايير مُحدّدة سلفاً.
ففي الجرائم المُصنّفة عالية المخاطر، يكفي تحقّق أحد المعايير الواردة، سواء تجاوزت قيمة الجريمة أو المتحصّلات سقف 30 ألف دولار، أو وُجدت مؤشرات عدم تناسب بين أموال المشتبه بهم ومداخيلهم الشرعية، أو ارتُكبت الجريمة عبر جمعيات أو شركات واجهة، ليفتح التحقيق المالي تلقائياً. أمّا في الجرائم غير المُصنّفة عالية المخاطر، فيُشترط توافر جميع المعايير، وأبرزها تجاوز المتحصّلات 50 ألف دولار وارتباط الجريمة بطابع مُنظّم أو عابر للحدود.
والإشكالية القانونية في هذا التنظيم، بحسب قضاة وخبراء قانون، تكمن في تحويل التحقيق من أداة استقصائية قائمة على شبهة جدّية، إلى مسار إجرائي شبه آلي يُفعَّل استناداً إلى سقوف مالية وتصنيفات عامة، من دون ترك هامش كافٍ للسلطة التقديرية للنيابة العامة أو للقناعة القضائية المبنية على وقائع الملف. بمعنى، أن التحقيقات التي ستقوم بها شعبة المعلومات، ستكون إلزامية، بينما كان يمكن لأي قاضي أن يوقف أو يواصل التحقيقات تبعاً لتقديراته المرتبطة بالتحقيقات والقانون.
كما أنّ اعتماد معايير رقمية ثابتة لا يستند إلى نص تشريعي صريح، ويؤدّي عملياً إلى تعميم الاشتباه، بحيث يصبح مجرد حيازة أموال أو عدم القدرة الفورية على تبرير مصدرها سبباً كافياً لفتح تحقيق بجرم خطير كجرم تبييض الأموال، ما يهدّد مبدأ الاشتباه الجدّي وقرينة البراءة، ويحوّل التحقيق المالي من وسيلة لكشف الحقيقة إلى إجراء قد يسبقها ويفرض منطق الاتهام قبل اكتمال عناصره. فضلاً عن أنه ما الهدف من تحديد سقوف مالية كهذه، إلا إذا كان الأمر عبارة عن إملاءات خارجية؟
أيضاً تبيّن أن البند السابع من التعميم، ونصّه: «لدى ورود محضر تحقيق بالجرم الأصلي إلى النيابة العامة المختصة ومُدوّن على الصفحة الأولى منه عبارة «يوجد تحقيق مالي موازٍ بهذه القضية بإشراف النيابة العامة التمييزية» يتم الادّعاء بجرم تبييض الأموال بموجب ورقة طلب مستقلّة وذلك لدى ورود محضر التحقيق المالي الموازي إليها»، يوحي بأن مجرّد فتح تحقيق مالي موازٍ يستتبع الادّعاء بجرم تبييض الأموال بورقة مستقلة. وهذا ما ينقل التحقيق من كونه أداة للتثبت من توافر عناصر الجرم إلى مسار اتهامي شبه تلقائي. ويزداد هذا التحوّل إشكاليةً، عند مقارنته بالواقع القضائي السابق مع بقاء عدد الأحكام الصادرة بجرم تبييض الأموال محدوداً جداً لسنوات طويلة: فهل المطلوب زيادة عدد التحقيقات بهذا النوع من الجرائم بناءً على معايير تصيب أياً كان؟
كأنّ المطلوب من هذا التوسّع في التحقيقات والشبهات، هو الحكم تبعاً على النوايا. وهذا ما هو يمكن فهمه من منح الضابطة العدلية صلاحية مباشرة التحقيقات المالية وفق معايير رقمية محدّدة، بالتوازي مع الدور الذي أناطه القانون 44/2015 بهيئة التحقيق الخاصة في تقييم بلاغات الاشتباه وتحليلها والتحقيق فيها. هذا الأمر يثير إشكالية تداخل الصلاحيات، ويؤدّي عملياً إلى توسيع دائرة الاشتباه بحيث يصبح كل مشتبه به في جريمة أصلية مُصنّفة عالية المخاطر عرضة تلقائياً لشبهة تبييض أموال، ولو قبل تثبيت الوقائع أو انتهاء التحقيقات.
أمّا في ما خصّ البند الثامن من التعميم، والذي يمنح مكتب التحقيقات المالية في شعبة المعلومات، صلاحية إجراء التحقيقات المالية الموازية للتحقيقات في الجرائم الأصلية التي تجريها قطعات الشعبة نفسها، وكذلك التحقيقات التي ترى النيابة العامة التمييزية وجوب إحالتها إليه، فإنه «يمسّ جوهرياً بهرمية الصلاحيات القضائية، إذ يؤدّي عملياً إلى تركيز مسار التحقيقين – الأصلي والمالي – بيد جهاز أمني واحد، بما يحدّ من القدرة الفعلية للنيابة العامة التمييزية على ممارسة صلاحياتها الأساسية في تقدير الملف، ولا سيما صلاحية حفظه أو صرف النظر عن الادّعاء» يقول أحد خبراء القانون.
والأخطر من ذلك أنّ هذا البند يعكس تحوّلاً نوعياً في وظيفة التحقيق المالي نفسها، من أداة قضائية مرتبطة بتقدير النيابة العامة، إلى ما يشبه جمع الاستخبارات المالية داخل جهاز أمني. ثمّة خلط واضح بين العمل القضائي والعمل الأمني.
مرتبط