«أم الرزاينة»… ولّادة المقاومين من لبنان إلى غزة

يروي أقرباء ناريمان علوش، اللبنانية زوجة الفدائي الفلسطيني والأم لقائدين في المقاومة الفلسطينية، شهيد وأسير، سيرتها المليئة بالألم والصمود، من لبنان إلى غزة.

في كل زاوية من زوايا غزة، ترتسم حكاية ألم وصمود وعزيمة لا تنكسر. على تلك الأرض التي أنهكتها الحروب، تعيش ناريمان علوش، تلك المرأة السبعينية المهيبة، التي قست عليها الحياة وأذاقتها مرارة الفقد، فبقيت صامدة تضمّد جراحها بصبر، ووجهها ثابت يحمل في ثناياه ملامح مقاوَمةٍ تمتدّ من لبنان إلى فلسطين.

«لم أرَ امرأةً بهذه القوة»، تقول غادة علوش في وصف شقيقتها. أم مصطفى، والدة الشهيد علي الرزاينة «أبو البراء» (قائد لواء شمال غزة في «سرايا القدس» الذي اغتالته إسرائيل مع ابنته قبل أيام) والأسير حسين، أمضت طفولتها مع عائلتها المكوّنة من خمسة أفراد في مخيم تل الزعتر في بيروت. في تلك المرحلة، اضطرّت ناريمان الطفلة، المتحدّرة من بلدة هونين (إحدى القرى السبع) إلى العمل، و«تحمّلت المسؤولية بعد استشهاد أشقائي الثلاثة في معركة الـ76»، «كانت قوية جداً»، تروي علوش لـ«الأخبار»، مُستعيدةً حادثة إصابة شقيقها في معركة تل الزعتر، «حينها حملته ناريمان على ظهرها وأوصلته إلى المنطقة الغربية».

في منطقة الدامور، تعرّفت ابنة العشرين عاماً إلى الفلسطيني فتحي الرزاينة، المسؤول في «الجبهة الديمقراطية لتحرير فلسطين»، فتزوّجا وأنجبا سبعة أولاد. ومن هناك، بدأت الرحلة. «في أثناء الاجتياح الإسرائيلي للبنان، كنا نسكن في منطقة الظريف في بيروت، ومكثت ناريمان الحامل وأولادها: الشهيد علي ومصطفى ونسرين، معنا. حينها بقيت شهرين لا تعرف شيئاً عن زوجها، ثمّ تلقت خبر استشهاده، ليتبيّن لاحقاً عدم صحته، وفقدت جنينها»، تقول شقيقتها غادة.

بعد الاجتياح الإسرائيلي في العام 1982، غادر فتحي إلى اليمن، فبقيت ناريمان مع أولادها وأشقائها في بيروت. وفي العام 1983، انتقل الرزاينة إلى سوريا، فانضمّت إليه مع أولادها وأنجبت منه طفلاً. وفي العام 1986، عادوا إلى لبنان وسكنوا في مخيم برج البراجنة في ضاحية بيروت الجنوبية. «عاشت أمي كل حروب المخيمات وحيدة في مخيم برج البراجنة لأن أهلها كانوا خارجه وأبي كان بعيداً»، تروي نسرين ابنة ناريمان لـ«الأخبار».

في البداية كانت أم مصطفى بالغة التأثر لتركها لبنان، لكنها تأقلمت مع أهل غزة الذين أحبّوها كثيراً

في العام 1994، بعد عام من توقيع اتفاقية أوسلو، قرر أبو مصطفى أن يعود مع عائلته إلى غزة. «في البداية كانت أمي بالغة التأثر لأنها تركت بلدها وأهلها وإخوتها، ولكن، شيئاً فشيئاً، بدأت تتأقلم مع أهل غزة الذين أحبّوها كثيراً وأحبوا كلامها وقوّتها وجرأتها»، تقول نسرين. «كبر إخوتي على حب المقاومة في المنزل والشارع، وتأثروا بها وكانوا ينتظرون خطابات السيد حسن نصر الله بفارغ الصبر (…) كنا نشعر بالفخر لأن أمي لبنانية وجنوبية ولأننا نحمل جينات المقاومة (…) وعندما التحق إخوتي بالمقاومة ساندتهم مع والدي ودعمتهم».

«عندما سافرت ناريمان إلى غزة، كان ابنها علي يبلغ من العمر 13 سنة»، تروي شقيقتها. هناك، في مخيم جباليا، لم يمنعها فقدان أشقائها الثلاثة في لبنان وما قاسته من بعدهم، من مواصلة طريق المقاومة، فلم تتوقف يوماً عن تشجيع أولادها على سلوك هذا الطريق. فهي التي لطالما كانت تقول لشقيقتها غادة إن «المقاومة طريقنا ويجب أن نستمر على هذا النهج، أولادي من هذا البلد ويجب أن يدافعوا عنه».

في أثناء حرب غزة في العام 2014، تعرّض ابنها علي لمحاولة اغتيال وبُترت ساقا ابنتيها بعد استهداف منزلهم، فاضطرت إلى الانتقال معهما إلى لبنان كي تتلقيا العلاج. و«رغم ذلك لم تبدِ أيّ ندم لأنها سافرت إلى غزة»، تضيف غادة.

تتحدّث ابنتها نسرين، التي تتنقل بين ألمانيا ولبنان، عن صمود والدتها، فتروي كيف هدّد جيش الاحتلال الإسرائيلي في حرب 2008، بقصف منزلهم في مخيم جباليا، ورفض ناريمان لمغادرته ومرابضتها مع عائلتها وأصدقاء لهم فيه، ما أجبر جيش الاحتلال على عدم تنفيذ تهديده.

أمضت أم مصطفى الساعات الأولى من معركة «طوفان الأقصى» وحيدةً في المنزل، فكانت تُطعم من كان يمرّ بها، ولم تغادره إلا قبيل قصفه. وفي مشروع بيت لاهيا، تمّ استهداف مجمع سكني كانت موجودة فيه، فأصيبت ونزحت إلى داخل مخيم جباليا. وفي هذه المدة، كانت تجوب الطرقات علّها تجد أثراً لأولادها أو تلتقي بأحد يعرف عنهم شيئاً، تقول ابنتها نسرين.

فقدت ناريمان في معركة «طوفان الأقصى» حفيديها (نجل الشهيد علي وابنته). حينها، طلب منها أشقاؤها في لبنان الخروج من غزة إلى بيروت، إلا أنها رفضت وبقيت هناك حيث تحملت الجوع والتهجير. كما أسرَ العدو ابنها حسين من داخل مستشفى كمال عدوان، بعدما أصيب وبُترت ساقه. وقبل أيام، استشهد ابنها علي مع ابنته في غارة على دير البلح.

كانت ناريمان ترفض بشدة فكرة النزوح رغم اعتيادها منذ صغر سنّها على الترحال. «في آخر اجتياح أجبرها جيش الاحتلال على النزوح من المخيم إلى مدينة غزة، فكان ذلك من أصعب المراحل التي مرّت بها». كذلك، رفضت في أثناء عملية «عربات جدعون» النزوح من مدينة غزة إلى جنوب القطاع، وفقاً لابنتها نسرين. «كانت تعيش في مخزن تحت بناية، وعندما بدأوا بقصف الأبراج بقيت لأيام تحت التهديد حتى أمّنّا لها خيمة وسيارة تنقلها إلى المنطقة الوسطى».

رغم كل المآسي والهموم التي ألمّت بها، لا تزال ناريمان، تلك المرأة المحتسبة والصامدة في وجه التوحّش الإسرائيلي. وهي لا تفتأ تقول: «الحمد لله، نحن لم نقدّم شيئاً مقارنة بما قدّمه سوانا».

عن موقع ميادين المقاومة

من الداخل إلى الإقليم و العالم، لتكون الأقرب للمشهد السياسي.. بمنظورٍ مُقاوِم! هدفنا أن تكون بيئتنا الكريمة شريكةً في الوعي.. لا مجرّد متلقّية للخبر!

شاهد أيضاً

السعودية تَخلف الإمارات في «النهب» أيضاً: العين على معادن اليمن

أثار تفويض الرياض عقد اتفاقات لإستغلال المعادن اليمنية جدلاً واسعاً، وسط اتهامات باستغلال الانقسام السياسي …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *