عن «العمى» الأميركي في إيران: لا طريق إلى إسقاط النظام
موقع ميادين المقاومة
14 ساعة مضت
أخبار هامّة, الرئيسية, النشرة الدولية, مقالات مختارة, منوّعات
يحذر مراقبون غربيون كثيرون من أن الولايات المتحدة تفتقر إلى المعرفة الكافية بالداخل الإيراني للمضيّ قدماً في حرب لإسقاط النظام، داعين إدارة ترامب إلى عدم الانجرار خلف «الغطرسة» الإسرائيلية ومصالح نتنياهو، والذي سيؤدي إلى إغراق المنطقة في الفوضى.

تطالب تل أبيب، كحدّ أدنى، باتفاق يسلب طهران أوراقها كافة
لعلّ من أبرز اللحظات التي طبعت عهد الرئيس الأميركي الأسبق، جيمي كارتر، استضافته شاه إيران، ليلة رأس السنة عام 1977، قبل أيام قليلة من بدء الاحتجاجات التي أطاحت بالأخير. آنذاك، أشاد الرئيس الأميركي بضيفه لقيادته ما وصفها بـ«جزيرة الاستقرار في منطقة مضطربة». وعلى الرغم من الوجود الأميركي الضخم في البلاد في ذلك الوقت، والذي كان يتيح للولايات المتحدة المتابعة عن كثب للتطورات الداخلية، قيل لكارتر إن حكم الشاه في أمان، وإن آية الله الخميني، ودور الدين في البلاد، «غير مهمَّيْن». أمّا اليوم، وعلى وقع زيارة رئيس وزراء الاحتلال، بنيامين نتنياهو، إلى واشنطن للضغط في اتجاه حرب شاملة مع إيران، فإن التحذيرات تتصاعد من وضع مصالح إسرائيل – وربما مصالح نتنياهو الشخصية حتى -، فوق المصالح الأميركية، وسط افتقار صنّاع السياسة الأميركيين إلى «الداتا» الكافية حول الوضع في إيران.
وعلى الرغم من أن اللقاء المُرتقب بين الرئيس الأميركي دونالد ترامب ونتنياهو، عُقد «بعيداً عن الأضواء» في البيت الأبيض، إلا أن مطالب رئيس وزراء الاحتلال باتت واضحة إلى حدّ كبير، إذ إن نتنياهو، الذي عارض، في وقت سابق، شنّ ضربة ضدّ طهران بالتزامن مع الاحتجاجات الداخلية في إيران، فعل ذلك، على الأرجح، بناءً على مخاوف من أن تتسبّب ردود الفعل الانتقامية من الجانب الإيراني بأضرار كبيرة في المدن الإسرائيلية، من دون تحقيق «نتائج أمنية طويلة الأمد»، وعلى رأسها «تدمير» الجمهورية الإسلامية وإسقاط نظامها.
أمّا اليوم، وعلى وقع التحشيد العسكري الأميركي المتزايد في المنطقة، فبات مفهوماً أن تعارض تل أبيب العودة إلى مسار المفاوضات، وتطالب، كحدّ أدنى، باتفاق يسلب طهران أوراقها كافة، أو بـ«ضربة حاسمة»، في حال عدم قبولها بـ«الاستسلام التام». عندئذ، ولدى «إسقاط» النظام، سيرسّخ نتنياهو مكانة إسرائيل كـ«قوة إقليمية من دون أي مُنازِع لها»، قبل أن يصل إلى انتخابات تشرين الأول المقبل، وقد توّج «إنجازاته» ضدّ محور المقاومة، بتغيير «رأس الهرم»، أي النظام الإيراني، والقضاء على «تهديده الوجودي».
وعلى الرغم من الشكوك التي تدور حول المفاوضات الأخيرة، على وقع الضغوط الإسرائيلية الرامية إلى إفشالها من جهة، والتشكيك في قدرة إدارة ترامب على إجراء مفاوضات «ذات مغزى» من جهة أخرى، إلا أنّ الحل الأنسب، بالنسبة إلى كثيرين، يقضي بأن تميّز واشنطن، في ما يخص الملف الإيراني تحديداً، بين مصلحتها ومصلحة نتنياهو، وتقرّ، في الوقت عينه، بأن «الغطرسة» لن تعوّض نقص «المعطيات» الكافية تجاه إيران.
وفي هذا السياق، ينبّه تقرير نشرته وكالة «بلومبرغ» إلى أن «مصالح إسرائيل ليست بالضرورة مصالح الولايات المتحدة، وفرض انهيار النظام لن يبعث إلّا على الفوضى». وفي حين قد تجد تل أبيب أن مثل ذلك السيناريو سيكون «ناجحاً»، نظراً إلى أنّها ترى في طهران «تهديداً وجودياً»، إلا أن الولايات المتحدة، «ليست في الموقف نفسه، ولا تركيا التي تشعر بالقلق إزاء تدفّق اللاجئين عبر حدودها، أو دول الخليج، التي تشعر بالقلق من مهاجمة إيران لبنيتها التحتية النفطية». وفيما يتطلّب تحقيق تلك الغاية فهماً أعمق لطبيعة رد فعل «الحرس الثوري الإسلامي» والقيادة السياسية الإيرانية ومواطنيها على المزيد من الضربات الجوية، فإن لدى الولايات المتحدة، في هذه المجالات كافة، «تاريخاً من عدم المعرفة الكافية»، في إشارة تحديداً إلى حقبة «الثورة الإسلامية» في إيران.
وطبقاً للمصدر نفسه، تدرك واشنطن أنها كانت تعتمد، منذ أزمة الرهائن، على «الآخرين» للحصول على المعلومات والتحليلات، بما في ذلك السفارات الافتراضية و«مراقبي إيران» الموجودين في دول من مثل الإمارات. وعليه، ينصح مُعِدّ التقرير القيادة الأميركية بـ«الاعتراف» بما لا تعرفه عن إيران، بدلاً من اتباع أسلوب «الغطرسة» التي توهم القادة بأن القوة العسكرية وحدها كافية لتغيير واقع الدول السياسي، مذكّراً بفشل واشنطن التاريخي في أفغانستان والعراق.
تدرك واشنطن أنها كانت تعتمد على «الآخرين» للحصول على معلومات حول إيران
ويختم التقرير بالإشارة إلى أنّه بعبارات «أكثر فظاظة»، يجد ترامب نفسه ممسكاً بـ«مطرقة» القوة العسكرية الأميركية، ويبحث، في الوقت عينه، عن «المسامير»، فيما يبقى السؤال هو ما إذا كانت الصفقة النووية التي يبدو المسؤولون الإيرانيون مستعدّين لمناقشتها سترضي غرور ترامب، أم أن الولايات المتحدة، وبعد كلّ هذا الحشد العسكري، سترفع سقف التصعيد ثمّ تضغط الزناد من دون أيّ حساب لما قد يحصل بعد الضربة.
وعلى الجانب الإيراني، يرجّح العديد من المراقبين أن إيران لن تقبل بالظهور في مظهر «الطرف الضعيف أو الخاضع» خلال المفاوضات القادمة، مهما كانت «التبعات». وفي هذا الإطار، يؤكّد كريم سجادبور، الباحث في الشوؤن الإيرانية في «مؤسسة كارنيغي للسلام الدولي»، في حديث إلى مجلة «فورين بوليسي»، أنه بعد حرب حزيران، بدأت تتبلور قناعة لدى بعض قادة «الحرس الثوري»، وربما المرشد الأعلى، بأن غياب أيّ رد قوي من جانبهم دلّ على «حالة ضعف»، وبالتالي، يتعيّن عليهم حالياً، التلويح بـ«وجود تكلفة كبيرة» لأيّ حرب على البلاد.
ولا يخفي المحلّل تشاؤمه بمصير المسار الدبلوماسي، ما يرجع، جزئياً، إلى عدم وجود خبرة حقيقية لدى الجانب الأميركي؛ إذ وبينما يتمتع وزير الخارجية الإيراني، عباس عراقجي، بخبرة تفاوضية تمتدّ لعقدين من الزمن، ويعرف الملفات النووية والصاروخية وغيرها من الداخل والخارج، فإن الفريق الأميركي – وتحديداً المبعوث الخاص للرئيس ترامب، ستيف ويتكوف، الذي سيعترف بسهولة بأن لديه خلفية عقارية – لا يعرف هذه الملفات عن كثب.
أمّا النقطة الثانية التي تدعو إلى «التشاؤم»، طبقاً للمصدر نفسه، فهي أنه على الرغم من التهديدات التي تتعرّض لها إيران، إلا أنها ترفض التفاوض من موقع من يشعر بـ«خطر وجودي»، إلى درجة أن من لا يتابع الملف عن كثب قد يظنّ، لوهلة، أن وزير الخارجية الإيراني هو من يمثّل «القوة العظمى» في المفاوضات.
ويبرّر سجادبور الموقف الإيراني بالإشارة إلى أن «رؤية آية الله خامنئي للعالم كانت قائمة، منذ فترة طويلة، على أنه عندما تتعرض للضغوط، سواء من الداخل أو الخارج، يتعيّن عليك إظهار القوة، ولا ينبغي عليك أبداً إظهار الضعف، لأن ذلك سيشجّع خصومك». ويتابع التقرير: «إحدى تجارب خامنئي التكوينية كانت المشاركة في ثورة 1979. في أواخر عام 1978، عندما كانت الاحتجاجات ضدّ الشاه تتزايد، ظهر الأخير على شاشة التلفزيون قائلاً للشعب: (لقد سمعت صوت ثورتكم)». وبعد سنوات، خرج خامنئي بخطاب يؤكّد فيه أن «الشاه اعتقد، أنه من خلال الاعتذار لنا، يمكنه تهدئة الاحتجاجات، ولكن على العكس من ذلك، فقد رأينا، آنذاك، مدى ضعفه. شممنا رائحة الدم، وانقضضنا».
مرتبط