«مرونة» حزب الله في مواجهة «حرية الحركة» | «ألما»: تأثير الغارات محدود على البنية العسكرية
موقع ميادين المقاومة
ساعتين مضت
أخبار هامّة, الرئيسية, النشرة اللبنانية, منوّعات
في ظل تصاعد الاعتداءات على لبنان، تتزايد في إسرائيل أسئلة حول قدرة هذا التصعيد على «تحييد» حزب الله.

برزت تساؤلات في إسرائيل حول جدوى التصعيد المتواصل للعمليات العدائية ضد لبنان وأثرها في «تحييد» حزب الله، رغم تمتّع جيش العدو بـ «حرية الحركة»، براً وجواً وبحراً، بالتوازي مع ضغوط سياسية واقتصادية على بيروت لتوريطها في مواجهة الحزب.
ونشر مركز «ألما» البحثي الإسرائيلي المتخصّص في «التحدّيات الأمنية على الحدود الشمالية» دراسة بعنوان «حزب الله – تحليل كمّي ونوعي لفعالية عمليات الاغتيال الإسرائيلية الموجّهة خلال فترة وقف إطلاق النار»، خلصت إلى عدم فعالية الضربات في تحييد قدرات حزب الله. ووثّقت الدراسة تنفيذ 254 عملية اغتيال منذ سريان وقف إطلاق النار، لكنها أشارت إلى أن 73.6% من المُستهدفين كانوا من «الرتب الدنيا»، ما جعل تأثير هذه الضربات محدوداً على بنية الحزب العسكرية وقدرته على التعافي.
وكشفت الدراسة، من ضمن نقاط عدة، أربع نقاط أساسية استندت إليها في هذه الخلاصة، وهي: مرونة الهيكل القيادي، والبنية التحتية المُحصّنة، واستراتيجية استنزاف الدفاع الجوي، والقدرة على التعافي السريع. وأوضحت أن حزب الله يمتلك نظام قيادة وسيطرة هرمياً ومرناً في آن. ورغم الاغتيالات التي طاولت قيادات ميدانية، إلا أن الحزب يمتلك «نظام استبدال» سريعاً، إذ يتم ملء الفراغات القيادية بضباط صفّ ثانٍ وثالث مدرّبين سلفاً على إدارة المعارك بشكل مستقلّ.
وركّزت على أن الجزء الأكبر من ترسانة الحزب الصاروخية مُخزّن في «محميات طبيعية» وأنفاق عميقة (يُطلق عليها مترو حزب الله)، وهي مُحصّنة ضد الغارات الجوية التقليدية، وتسمح بنقل السلاح وإطلاق الصواريخ من دون الحاجة إلى الظهور فوق سطح الأرض، ما يقلّل من أثر الضربات الجوية الاستباقية.
ورأى المركز أن الحزب لم يستخدم سوى جزء ضئيل من قدراته الصاروخية الدقيقة، مشيراً إلى أن الضربات الإسرائيلية استهدفت بشكل أساسي منصات الإطلاق القصيرة المدى، بينما لا تزال الصواريخ البالستية والأسلحة الكاسرة للتوازن مُخبّأة في مواقع لم تصل إليها الاستخبارات أو القوة الجوية بشكل فعّال. ولفت إلى أن الحزب نجح في الحفاظ على «روتين عسكري» في وتيرة إطلاق المُسيّرات والصواريخ نحو الشمال الإسرائيلي، رغم كثافة النيران الإسرائيلية خلال الحرب، ما يعطي انطباعاً (نفسياً وعملياً) بفشل الردع. واستنتجت الدراسة التي نشرها المركز في الرابع من الشهر الجاري أن العمليات الجوية وحدها، مهما كانت دقيقة، لا يمكنها القضاء على تهديد حزب الله أو إجباره على التراجع بعيداً عن الحدود، لأنه صمّم بنيته العسكرية لتتحمّل «حملة جوية مُطوّلة».
وتأتي هذه الدراسة في ظل تصاعد العمليات العدائية الإسرائيلية رغم اتفاق وقف إطلاق النار الموقّع في تشرين الثاني 2024، إذ سجّلت الـ«يونيفل» أكثر من 10 آلاف انتهاك جوي وبري داخل لبنان، نتج منها حوالي 340 شهيداً و973 جريحاً حتى أواخر 2025. وجاء هذا السلوك كجزء من مقاربة إسرائيلية تهدف إلى تقليص تسارع الترميم، معتمدة مزيجاً من الحيطة والردع والحفاظ على التفوّق التكتيكي، انطلاقاً من تصوّر يرى في الوجود الأمني النشط وسيلة وقائية تمنع تراكم تهديدات مستقبلية.
هوامش «حرية الحركة»
غير أن التصعيد المنهجي الإسرائيلي المتزامن مع ضغوط سياسية واقتصادية، يعكس انتقالاً تدريجياً إلى نمط عسكري أكثر حدّة، ما يزيد من احتمالات انزلاق الوضع نحو مواجهة أوسع. إلا أن خيار «حرية الحركة» بالنسبة إلى إسرائيل شكّل فعالية تشغيلية محدودة، إذ يسمح بإرباك قدرات حزب الله وتعطيل مسارات إمداد ولوجستيات محدّدة، لكنه عاجز عن إحداث تحوّل سياسي أو تفكيك هيكلي طويل الأمد.
ويبرز في هذا السياق اغتيال القادة بوصفه أداة يمكن أن تضيف تأثيراً تكتيكياً أعلى عبر إرباك منظومات القيادة وإبطاء دورة القرار والتنفيذ داخل التنظيم، غير أن مفاعيله تبقى ظرفية ومحدودة بفعل قدرة الحزب على التعويض وإعادة الإنتاج القيادي بسرعة. لذلك، فإن تراكم الضربات، بما فيها استهداف القيادات، يحقّق إضعافاً ميدانياً مؤقّتاً، لكنه لا يرقى إلى مستوى تغيير قواعد اللعبة أو فرض نزع سلاح شامل، وهو ما يتطلّب أدوات سياسية ودولية تتجاوز الإطار العسكري المباشر.
العمليات الجوية مهما كانت دقيقة لا يمكنها القضاء على تهديد حزب الله أو إجباره على التراجع بعيداً عن الحدود
وهنا، يأتي التصعيد الإسرائيلي كتحوّل من مقاربة تقوم على الاشتباك المحدود إلى نهج يتعامل مع المواجهة في الساحة اللبنانية كمسار استراتيجي طويل الأمد، يتجاوز الحدود التقليدية لاستخدام القوة، يُراد منه الحفاظ على «حرية الحركة» كأداة مركزية ضمن استراتيجية الضغط المستمر، نتيجة تخطّي العديد من الضوابط العملياتية التقليدية التي كانت تحدّد طبيعة استخدام القوة في العقود السابقة، بهدف إعادة تشكيل البيئة الميدانية والسياسية على جانبي الحدود. ويندرج ضمن هذا المسار السعي إلى إضعاف قدرات المقاومة وتقليص قدرة الدولة اللبنانية على فرض الاستقرار ضمن مجالها الحيوي، بما يتيح لإسرائيل تثبيت معادلة ردع أكثر اتساعاً ومرونة في إدارة المواجهة.
وبذلك، تتحوّل «حرية الحركة» من مجرد أداة عملياتية إلى عنصر أساسي في مقاربة شاملة تتداخل فيها الاعتبارات العسكرية مع الأبعاد الديموغرافية والسياسية، ما يجعل فعاليتها رهن توافر إدارة دقيقة، وتفوّق استخباراتي مستمر، وبيئة سياسية داعمة، لتصبح جزءاً من استراتيجية طويلة المدى لا أداة ظرفية للردع الفوري أو الحسم المباشر.
إلى متى استيعاب الضربات؟
في المقلب اللبناني، تكثر التساؤلات حول قوة المقاومة وقدرتها على الاستمرار في مواجهة إسرائيل أو تشكيل حالة ردع لها، خصوصاً بعد حرب الـ66 يوماً. وتتجاوز التساؤلات مسألة القدرات المتبقّية لدى المقاومة لتلامس التشكيك في الجدوى والمشروعية، إذ تتبلور سردية مفادها أن «المقاومة لم تعد حاجة شعبية بعد فشلها»، وأن الخيار الدبلوماسي للدولة هو البديل، رغم هزالته.
وأصبحت هذه التساؤلات أكثر إلحاحاً مع تدرّج الأمين العام لحزب الله الشيخ نعيم قاسم في إعطاء الإشارات حول مواصلة المقاومة استعادة توازنها، بدءاً من حديثه عن عدم القبول باستمرار الاعتداءات الإسرائيلية على لبنان إلى ما لا نهاية، وصولاً إلى إعلانه الصريح بأن الحزب لن يكون على الحياد ربطاً بالتهديدات الأميركية – الإسرائيلية لإيران ولبنان.
وعليه، يمكن اعتبار تصريحات الشيخ قاسم ومواقفه محاولة إعادة تموضع استراتيجي وترميم «الصورة الذهنية»، عبر رسائل للداخل (البيئة الحاضنة خصوصاً) مفادها أن المقاومة تمارس «الصبر الاستراتيجي» وليس «العجز». وللخارج (إسرائيل خصوصاً) بأن فترة «استيعاب الضربات» قد تنتهي، مع ما يعني ذلك بأن المقاومة لا تزال تملك أوراقاً لم تستخدمها (أو أخرى نجحت في ترميمها واستعادتها).
لكن في الأصل، تعمل المقاومة في لبنان اليوم في مرحلة جديدة في ظروفها وشروطها ومناخها المحلي والإقليمي والعالمي. وهو ما عبّر عنه الشيخ قاسم بقوله إن المنطقة دخلت مرحلة جديدة منذ اتفاق وقف إطلاق النار، مشدّداً على أن هذه المرحلة «تجُبّ ما سبقها وما قبلها»، وتفترض أداءً مختلفاً ومحاكمةً للواقع الجديد.
مرتبط