عن حربٍ لا يريدها أحد: رياح ترامب تُعاكس سفن نتنياهو
موقع ميادين المقاومة
ساعتين مضت
أخبار هامّة, الرئيسية, النشرة الدولية, مقالات مختارة, منوّعات
لقاء ترامب – نتنياهو يأتي في توقيت حرج، وسط مفاوضات مع إيران لا ترضي تل أبيب، وصدام مصالح يضع الحرب والاتفاق على مفترق حاسم.

نتنياهو وترامب: من يؤثر على من؟
أسباب كثيرة تجعل اللقاء بين الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، ورئيس الوزراء الإسرائيلي، بنيامين نتنياهو، اليوم، مختلفاً عن اللقاءات الخمسة السابقة بينهما – منذ تولّي الأخير مهامه قبل عام ونيّف -، خصوصاً عن اللقاء الأحدث الذي انعقد نهاية العام الماضي. فالاجتماع اليوم، الذي طلبه نتنياهو على عجل، مقدِّماً موعداً كان مخطَّطاً له بعد أقلّ من أسبوعين، على هامش زيارة إلى واشنطن مُقرّرة له لحضور مؤتمر «أيباك»، يبدو محاولة فاقعة للتأثير في مسار سياسي ترسمه الولايات المتحدة في المنطقة، وتنقصه حلقة إيران، هدفه استكمال تثبيت الهيمنة الأميركية على الشرق الأوسط. تقديم اللقاء لعدة أيام، يشير بحدّ ذاته إلى أن المفاوضات الأميركية – الإيرانية ستكون سريعة هذه المرّة، وأنها تمضي في اتّجاه لا يناسب إسرائيل، التي لا تريد أيّ شيء أقلّ من ضربة أميركية لإيران، تفرض قبول الأخيرة بالشروط الإسرائيلية، وليس الأميركية، وهو ما لا يبدو ممكناً نهائياً. ولذا، فإن زيارة نتنياهو مرشّحة للفشل، وذلك ببساطة لأن نجاحها يعني الحرب التي لا يريدها أحد سواه.
استبقت الصحافة الإسرائيلية الزيارة بحملة تفيد بأن ما يجري بحثه في مفاوضات مسقط، لا يستجيب للشروط الإسرائيلية التي تقضي بصفر تخصيب يورانيوم على الأراضي الإيرانية، وشحن كامل المخزون المُخصَّب إلى خارج إيران، والحدّ من مديات الصواريخ الباليستية، ووقف دعم الحلفاء؛ وهذه كلّها تعني استسلاماً إيرانياً، ليس فقط لا تقبله طهران، وإنما في الأساس لا تستطيع الولايات المتحدة فرضه عليها حتى لو شنّت حرباً، وإلا لفعلت ذلك أمس قبل اليوم. في المقابل، ثمة نِصاب صار شبه مكتمل لتفضيل اتفاق، في إيران نفسها وفي الولايات المتحدة وفي كلّ هذه المنطقة. وباستثناء إسرائيل، فحتى الذين كانوا ليرغبون في إسقاط النظام الإيراني، وهم كثر، يعلمون أن مخاطر الحرب عليهم أكبر بكثير من أن تبرّر لهم الانقياد وراء تلك الرغبة.
نتيجة المفاوضات ستحاكي ميزان القوى الحقيقي الذي يختلف عمّا يحاول الإعلام الإسرائيلي والغربي تصويره
ما رصدته الصحافة الإسرائيلية مُقلِق لتل أبيب، ومنه أن المفاوضَيْن الرئيسَيْن مع إيران، ستيف ويتكوف وجاريد كوشنير، يعارضان الحرب. فلا بدّ من أن يكونا قد لمحا عقوداً تجارية مغرية لترامب ومجموعة رجال الأعمال المحيطين به، في سوق إيرانية ما زالت عذراء، سوف تتفتّح في حال الاتفاق. ويضاف إلى ما تقدّم، الموقف المعروف لنائب الرئيس، جي دي فانس، الذي كان يعارض الحرب السابقة، وحين سئل قبل يومين عمّا إذا كانت واشنطن ستصرّ على صفر تخصيب، قال إن الرئيس هو من يقرّر. كذلك، كلّ المؤشرات تدلّ على أن أيّ حرب على طهران ستُحدِث شرخاً في حركة «ماغا» التي تمثّل قاعدة ترامب، أكبر من نظيره الذي تسبّبت به حرب غزة؛ فالأصوات تتعالى بين قادة الحركة رفضاً لخوض حرب بالنيابة عن إسرائيل، وهو ما سيكون له انعكاسه حتماً في الانتخابات النصفية المقبلة، إذا ما وقعت حرب بالفعل، وأدّت إلى تورّط الولايات المتحدة في الشرق الأوسط. في المقابل، وللمفارقة، فإن نتنياهو يصبح مُهدَّداً في الانتخابات الإسرائيلية المُقرّرة في الوقت نفسه، إذا ما تمّ توقيع اتفاق مع طهران. وهنا، يبرز تضارب المصالح بين الرجلين.
الذريعة الإسرائيلية التي يحملها نتنياهو هي أن مسألتَي الصواريخ وحلفاء إيران تمثّلان تهديداً وجودياً لإسرائيل، بما يجعل أيّ اتفاق لا يشملهما متعارضاً مع الالتزام الأميركي بأمنها. إلا أن وجهة النظر الأميركية تقوم على أن إسرائيل يمكنها التعامل بنفسها مع هذه التهديدات، وذلك من خلال عمليات سرّية، كما كان يحصل في الاغتيالات التي استهدفت علماء نوويين، مثلاً، وليس بحرب شاملة. وإذ كان واضحاً منذ البداية أن إيران مستعدّة لتقديم تنازلات في الملف النووي، وليس في غيره، فقد قبلت الولايات المتحدة العودة إلى المفاوضات على هذا الأساس فحسب. وعليه، يمكن تخيّل الكثير من السيناريوات لاتفاق مُحتمل، من مثل خفض مستوى التخصيب، أو إقامة آلية تحقّق أميركية بدلاً من تلك القائمة عبر «الوكالة الدولية للطاقة الذرية» أو بموازاتها، أو إنشاء «كونسورتيوم» إقليمي للتخصيب؛ لكنّ المهم هو أن نتيجة المفاوضات ستحاكي ميزان القوى الحقيقي الذي يختلف عمّا يحاول الإعلام الإسرائيلي والغربي تصويره.
الحشد العسكري الأميركي كان يمكن أن يؤثّر لو أن الاحتجاجات في إيران، والتي تحوّلت إلى تمرّد مسلّح، ما زالت مستمرة. أمّا بعد أن نجحت إيران في إخماد التمرّد، والقضاء على الكثير من عملاء الخارج، ورفعت مستوى الجاهزية للحرب، مستفيدة في كلّ ذلك من أخطاء حرب الـ12 يوماً، فصار الحشد العسكري عبئاً على الولايات المتحدة أكثر منه ورقة يمكن استخدامها في المفاوضات. وحتى التنازل الإيراني في الملف النووي، إذا كان سيحصل، فسببه الرغبة الإيرانية في رفع العقوبات الخانقة، وليس الخوف من الضربة الأميركية. والمسار الذي تتّخذه الأمور في المنطقة، يؤكّد مرّة بعد أخرى أن ترامب لا تسيّره الرغبة الإسرائيلية؛ لا بل يبدو، في ولايته الثانية، أقوى في وجه الإسرائيليين من سواه من الرؤساء. وفي المقابل، كلّ ما يراهن عليه نتنياهو لتغيير هذا المسار، هو علاقته الشخصية بالرئيس الأميركي. ولكن إذا كان الأخير سوف يندفع إلى تفجير الشرق الأوسط حتى لا يخيّب نتنياهو، فالجواب الإيراني صار معروفاً: فَلْتكن الحرب.
مرتبط