عودة «الإدارة المدنية» إلى الضفة | التفكجي: إسرائيل دقّت المسمار الأخير في نعش «أوسلو»
موقع ميادين المقاومة
ساعتين مضت
أخبار هامّة, الرئيسية, النشرة الدولية, مقالات مختارة, منوّعات
صادق «الكابينت» الإسرائيلي، قبل أيام، على قرارات تشرّع هدم المباني الفلسطينية وقضم الأراضي، في انقلاب واضح على «اتفاقيات أوسلو». ومن شأن ذلك أن يمهّد الطريق لبسط “السيادة” الإسرائيلية الكاملة على الضفة الغربية، والبدء بعملية ضمّها على مراحل.

يمكن النظر إلى القرارات الإسرائيلية الأخيرة باعتبارها «مساراً لا رجعة عنه»، بتواطؤ أميركي واضح..
في انقلاب علني على «اتفاقيات أوسلو»، صادق المجلس الوزاري الإسرائيلي المصغّر «الكابينت»، قبل أيام، على قرارات تشرّع هدم المباني الفلسطينية، بما في ذلك ضمن المناطق المُصنّفة «أ»، ورفع السرية عن سجلّات الأراضي، ونقل الصلاحيات المدنية والأمنية من المؤسسات الفلسطينية إلى «الإدارة المدنية» الإسرائيلية. ومن شأن ما تقدّم أن يمهّد الطريق، عملياً، لفرض «السيادة» الإسرائيلية الكاملة على الضفة الغربية، والبدء بعملية ضمّها على مراحل.
وتبدو هذه الإجراءات أقرب إلى إعادة إحياء لنموذج الإدارة المدنية الذي ساد بعد احتلال عام 1967، إنما هذه المرة، مع توسيع قبضة الاحتلال لتشمل المناطق «أ» و«ب»، وتقويض أيّ وجود فعلي للسلطة الفلسطينية، قبل تحويلها إلى مجرّد كيان شكلي، بلا صلاحيات، إذ تشرعن القرارات الأخيرة هدم المنشآت الفلسطينية في جميع مناطق الضفة، وذلك بذريعة حماية المواقع الأثرية أو «لاعتبارات بيئية»، فيما يتيح فتح سجلّ الأراضي أمام المستوطنين الاطّلاع على أسماء المالكين الفلسطينيين وشراء الأراضي منهم مباشرة، بعد إلغاء القيود التي كانت تمنع بيعها لليهود، الأمر الذي يمثّل سطواً منظّماً على الملكية الفلسطينية. وإلى جانب ما تقدّم، نسفت القرارات الأحدث «اتفاق الخليل»، وأعادت جميع الصلاحيات الأمنية والمدنية في المدينة إلى يد الاحتلال، كما أقرّت توسيع البؤر الاستيطانية، وفصل مواقع دينية حسّاسة، من مثل الحرم الإبراهيمي وقبة راحيل، عن محيطها الفلسطيني، في ما يمهّد لضمّها لاحقاً وفرض واقع استيطاني دائم عليها.
تعقيباً على ذلك، يرى خبير الخرائط والاستيطان، خليل التفكجي، أن قرارات «الكابينت» الأخيرة هي بمثابة «المسمار الأخير في نعش اتفاقية أوسلو، وتشكّل في جوهرها عملية تقويض كاملة ومنهجية للسلطة الفلسطينية، عبر سحب صلاحياتها تدريجياً من مؤسساتها الرسمية، ونقلها إلى (الإدارة المدنية) الإسرائيلية»، واضعاً ما تقدّم في إطار «المشروع الإحلالي الذي لا لبس فيه». وينبّه التفكجي، في مقابلة مع «الأخبار»، إلى أن الخطوات المُشار إليها تمثّل «جزءاً من استراتيجية إسرائيلية شاملة ومُمنهجة تهدف إلى إعادة فرض حكم (الإدارة المدنية) على الضفة الغربية، وتفكيك ما تبقّى من بنية السلطة الفلسطينية سياسياً ومؤسسياً، وذلك مقابل تكريس السيطرة الإسرائيلية المباشرة على الأرض والسكان»، مبيّناً أن الاحتلال «يعمل على توسيع نفوذه داخل المناطق المصنّفة (أ) و(ب)، مستخدماً الذرائع الدينية والتاريخية والبيئية كغطاء سياسي لفرض وقائع ميدانية جديدة، تشمل السيطرة على المواقع الدينية والأثرية، وتسخيرها لصالح مشاريع البناء الاستيطاني وتوسيع نفوذ المستوطنين في أكثر المناطق حساسية وخطورة».
يسلّط التفكجي الضوء على السجلّ العقاري بوصفه أداة خطيرة في مشروع الاستيطان الإسرائيلي
ويستشهد الخبير بالنموذج الذي اعتمده الاحتلال في مدينة الخليل، بعدما أقدم على سحب الصلاحيات من الأوقاف الإسلامية والبلدية ومؤسّسات الحكم المحلي في المنطقة المصنَّفة «H2» طبقاً لاتفاقية الخليل، والخاضعة، ظاهرياً، لإدارة السلطة الفلسطينية، مشيراً إلى أن سلطات الاحتلال تعمل على «تعميم» هذا النموذج على مناطق أخرى، بما في ذلك بيت لحم، وتحديداً في محيط قبة راحيل، حيث تمّ اعتماد النهج ذاته القائم على توظيف الرواية الأثرية كذريعة للمصادرة والسيطرة. وبالاستناد إلى الذرائع نفسها، صادر الاحتلال نحو ألف و800 دونم في سبسطية، إضافة إلى نحو 70 دونماً في مناطق من محافظة بيت لحم. كذلك، وبموجب الاستراتيجية الإسرائيلية الجديدة، أصبح أكثر من ثلاثة آلاف موقع أثري في الضفة عرضة للتهديد والاستهداف والمصادرة والاستيطان.
وفي سابقة خطيرة من نوعها، اقتحمت مجموعة من جنود الاحتلال والمستوطنين الذين يحملون الخرائط، بقيادة وزير المالية الإسرائيلي بتسلئيل سموتريتش، بلدة نعلين غرب رام الله في الـ9 من الجاري، وذلك بذريعة قيام الأهالي بحرق النفايات وإزعاج المستوطنين، في ما يمثّل نموذجاً لتوظيف المزاعم «البيئية» لاستباحة الأراضي الفلسطينية، طبقاً للتفكجي، الذي يحذّر أيضاً من أن سياسات الترحيل والضغط المنهجي على السكان الفلسطينيين لن تقتصر على مناطق محدّدة، بل ستطاول المدن والقرى الصغيرة على حدّ سواء، مشيراً إلى حصول اقتحامات متكرّرة في بلدات من مثل نعلين والمغير، بمشاركة المستوطنين وسموتريتش شخصياً.
كذلك، يسلّط الخبير الضوء على السجلّ العقاري في الضفة الغربية بوصفه أداة مركزية وخطيرة في مشروع الهيمنة الإسرائيلية، مذكّراً بأن إسرائيل استولت، منذ عام 1967، على جميع السجلّات العقارية، بما فيها سجلّات الأملاك الأردنية والمخاتير، ووضعتها تحت سيطرة «الإدارة المدنية»، مبيّناً أن فتح سجلّ الأملاك أمام المستوطنين، أخيراً، يمهّد الطريق أمام عمليات بيع وشراء علنية للأراضي الفلسطينية، بعيداً عن أي رقابة من قبل السلطة الفلسطينية أو أي إطار قانوني وطني.
وفي ظلّ اكتفاء واشنطن بالاعتراض شكلياً على الضمّ في وسائل الإعلام، من دون أي ردّة فعل عملية، يمكن النظر إلى القرارات الإسرائيلية الأخيرة باعتبارها «مساراً لا رجعة عنه»، بتواطؤ أميركي واضح، يشرعن عملية الضم التدريجية للضفة. ويندرج في إطار هذه العملية، طبقاً للمصدر نفسه، التوسّع الاستيطاني المتسارع، وإقامة البؤر الاستيطانية الجديدة، وسياسات التطهير العرقي التدريجي، ولا سيما في مناطق الأغوار ومسافر يطا، إضافة إلى الاستيلاء على الأراضي المصنّفة «أراضي دولة»، وإقامة بنى تحتية إسرائيلية شاملة، من محطات طاقة شمسية وشوارع استيطانية ضخمة، جنباً إلى جنب توسيع الطرق الرئيسة، ونشر الحواجز والبوابات الأمنية.
بالتوازي، تشهد الاعتداءات المنظّمة على القرى الفلسطينية تصاعداً دراماتيكياً، تشمل إحراقها والاعتداء على سكانها، بحسب التفكجي، الذي يردف أن إسرائيل تعمل وفق استراتيجيات استيطانية واضحة ومعلنة، مع تحييد متعمّد لقدرة السلطة الفلسطينية على إدارة شؤونها أو حماية حقوق المواطنين الفلسطينيين، وتقويض أيّ أفق سياسي لهم على أرضهم.
مرتبط