المباني لا تنهار بالصدفة

في العادة، لا تنهار المباني فجأة. بل تسقط بعد سنوات من الصمت. بعد تشقّقاتٍ اعتادها السكان. وبعد أصواتٍ خفيفة في الجدران لم يسمعها أحد.

في العادة، لا تنهار المباني فجأة. بل تسقط بعد سنوات من الصمت. بعد تشقّقاتٍ اعتادها السكان. وبعد أصواتٍ خفيفة في الجدران لم يسمعها أحد. كل انهيار هو نتاج مسار طويل من الإهمال، القرارات الاستثنائية، والتخلّي المُتدرّج عن كل ما يتعلق بالسلامة العامة.

بغالبيتها هي مبانٍ عمرها مئات السنين ولم تخضع لأي ترميم أو كشف. بعضها أضيفت إليه شرفة، أو طابق إضافي، أو خزان مياه إلى جانب أساسات المبنى، أو هي عبارة عن مبانٍ عشوائية شُيّدت في مراحل الفوضى بلا تراخيص. كانت الأبنية تُدفع ببطء نحو مصيرها. وفي نهاية المطاف، لا يدفع الثمن إلا المواطن الفقير، الذي يُفرض عليه النوم تحت أي سقف، ولو كان سيسقط فوق أجساد أفراد عائلته في أي لحظة.

بحسب دراسة أعدّتها المحامية أنديرا الزهيري، رئيسة الهيئة اللبنانية للعقارات، حول حجم الأبنية المُهدّدة بالسقوط، والتي استندت فيها إلى عدة مراجع ومنظّمات وهيئات دولية، من بينها CNN Arabia، وبرنامج الأمم المتحدة الإنمائي (UNDP)، وUN-Habitat، إضافة إلى شبكة سلامة المباني، بلغ عدد المباني المُهدّدة بالسقوط على كامل الأراضي اللبنانية نحو 16,250 مبنى، من بينها 4 آلاف في طرابلس حيث يُعتقد أن هناك ما بين 700 و1,000 مبنى تُصنّف في مرحلة خطر متقدّم، علماً أن الأكيد أن نحو 105 مبانٍ يُخشى انهيارها في أي لحظة وتستوجب إخلاءً فورياً. أمّا في مدينة بيروت، فتشير التقديرات إلى وجود حوالى 10,460 مبنى مُهدّدة بدرجات متفاوتة.

أصل المشكلة، بحسب خالد تدمري، أستاذ العمارة والتخطيط المدني في الجامعة اللبنانية والعضو السابق في مجلس بلدية طرابلس، يُعزى إلى حصيلة مسار طويل من التراكمات العمرانية والاجتماعية والسياسية أوصلت المناطق الشعبية في طرابلس إلى حافة الانهيار. فهذه الأحياء نشأت أساساً منذ ستينيات القرن الماضي كمناطق استقبال لنزوح أهالي الريف إلى المدينة بحثاً عن العمل، لذا شُيّدت فيها مبانٍ باطونية بسيطة، قليلة الكلفة، تلائم الإمكانات المحدودة، من دون أي تخطيط عمراني متكامل أو شروط إنشائية عالية.

وفي تلك المرحلة «كانت تقنيات البناء والمواد المُستخدمة تختلف جذرياً عمّا هو مُعتمد اليوم، إذ استُخدم رمل البحر والصدف والحديد الأملس، ما جعل العمر الإنشائي لهذه الأبنية قصيراً بطبيعته، لا يتجاوز خمسين إلى ستين عاماً». ومن العوامل الإضافية التي خفّضت عمر هذه المباني، غياب الصيانة الدورية، وتعرّضها لاهتزازات الحرب وجولات العنف المتكرّرة، فضلاً عن التعدّيات العمرانية اللاحقة، بالإضافة إلى الزلزال الذي ضرب تركيا أخيراً والهزات الارتدادية التي تبعته.

كما يلفت إلى أنّ الأبنية التراثية الحجرية في مناطق مثل باب التبانة وضهر المغر فقدت متانتها أيضاً بسبب إضافة طبقات إسمنتية فوقها، ما أحدث خللاً إنشائياً خطيراً. ويؤكّد تدمري أنّ الكثافة السكانية المُفرطة، وتقسيم الشقق، وإضافة خزانات المياه، وتسرّب المياه الآسنة إلى الملاجئ نتيجة انهيار البنية التحتية، إلى جانب قانون الإيجارات الذي عطّل الصيانة، كلها عناصر تفاعلت لتجعل هذه الأحياء اليوم أحزمة بؤس تحيط بمدينة طرابلس، وتحوّل مبانيها إلى قنابل موقوتة تهدّد حياة سكانها، في ظل غياب أي تدخّل جذري من الدولة يرقى إلى حجم الكارثة.

أخطر ما في هذا المسار أنه إهمال «تنموي» حين سلخت التنمية الاجتماعية والاقتصادية عن المناطق التي تبتعد عن العاصمة الإدارية وبعض مناطق جبل لبنان. يشير تدمري إلى أنه بعد اتفاق الطائف، حازت طرابلس على حصّة ضئيلة من اعتمادات مجلس الإنماء والإعمار أُنفقت على مشاريع لا تمسّ جوهر الخطر القائم على الأبنية والسكان.

من أبرز هذه المشاريع، مشروع سقف نهر أبو علي الذي كلّف نحو 22 مليون دولار، ومشروع مَرْأب التل الذي كان سيكلّف نحو 24 مليون دولار قبل أن يوقفه المجتمع المدني، إضافة إلى مشاريع ترميم وتجميل واجهات الأبنية في منطقة ضهر المغر ومحيط قلعة طرابلس، حيث صُرفت عشرات ملايين الدولارات على ترميم وتجميل الواجهات الخارجية وتحسين «المنظر العام»، من دون أي تدخّل في الأساسات أو البنية الإنشائية.

كل هذه الأعمال كانت عبارة عن «مكياج عمراني أخفى الخطر بدلاً من معالجته وبقيت المباني من الداخل مهترئة». ويؤكّد أنّه لو جرى توجيه الأموال التي خُصّصت لهذه المشاريع وحدها نحو برنامج متكامل لكشف الأبنية المتضرّرة وتدعيمها أو هدم غير السليم منها وإعادة تنظيم الأحياء، لكان بالإمكان اليوم تفادي الكارثة وإنقاذ أرواح المئات.

المهندس توفيق سنان يؤكد أن خطر انهيار الأبنية لا يقتصر على طرابلس وحدها، بل يمتدّ إلى مناطق أخرى مثل «السان سيمون» في الجناح، الرمل العالي، وغيرهما من المناطق، حيث تتكرّر المظاهر نفسها: إهمال مزمن، مخالفات، غياب الرقابة. فالدولة، كما يقول سنان، تتعاطى مع هذا الملف بـ«كسل واضح»، لكنّ المسؤولية المباشرة تقع على عاتق السلطة المحلية، أي البلديات، التي لا يمكنها التذرّع بعدم توافر الأموال للتنصّل من واجباتها. حتى في غياب التمويل، كان يمكن للبلديات أن ترفع الصوت وتعلن حالة طوارئ، واضعة الدولة أمام مسؤولياتها. كما كان بإمكانها طلب مؤازرة مهندسين متطوّعين لإجراء كشوفات ومسوح عاجلة.

ويستند سنان إلى حالات موثّقة لأشخاص من سكان الأبنية المُنهارة في طرابلس حاولوا التواصل مع البلدية قبل الكارثة من دون أي استجابة، في ظل غياب تام لأي «خط ساخن» أو آلية تواصل، ما يشكّل خللاً أساسياً في إدارة المخاطر. ويتساءل: في الفترة الفاصلة بين الانهيار والآخر هل عمد أي طرف إلى إجراء كشف أو مسح؟ لم يحصل شيء من هذا، علماً أن «لبنان يقع على عدّة فوالق زلزالية، ما يجعل البلاد بأكملها قنبلة موقوتة إذا ما وقعت هزّة جدّية». أيضاً يحمّل سنان المسؤولية لبلدية طرابلس التي ارتكبت «خطأ قاتلاً» حين امتنعت عن إعلان حالة طوارئ واتخاذ إجراءات استثنائية.

«المشكلة أن بعض هذه المخاطر لم تنشأ من فراغ، بل تغذّت على أسباب تنظيمية وتشريعية واضحة في مقدّمها اعتماد رخص البناء الاستثنائية، ولا سيّما رخصة الـ150 متراً مربعاً التي تُمنح من البلديات، من فترة لأخرى، من دون المرور بالتنظيم المدني أو نقابة المهندسين، ما فتح الباب أمام مخالفات جسيمة تبدأ ببناء محدود يتوسّع لاحقاً إلى 400 و500 متر مربّع من دون أي إعادة تقييم إنشائي». ويُضاف إلى ذلط «غضّ الطرف عن مخالفات الارتفاع وعدد الطوابق، والبناء على ترب رملية وساحلية من دون رقابة، فضلاً عن التعديلات الداخلية غير المُصرّح عنها». في المحصّلة المباني لا تنهار صدفةً.

مسؤولية الإيجارات القديمة

بحسب المحامية أنديرا الزهيري، رئيسة الهيئة اللبنانية للعقارات، فإنّ أزمة الأبنية المتصدّعة ترتبط مباشرة بملف الإيجارات القديمة، ليس فقط بسبب تدنّي البدلات، بل نتيجة التأخير المزمن في حسم القوانين وسياسة «الكرّ والفرّ» بين التمديد والتحرير، وما رافقها من طعون وتعليق تنفيذ، ما خلق تشويشاً وضياعاً قانونياً لدى المالكين والمستأجرين وحدّ من أي التزام بالصيانة لمبانٍ يتجاوز عمرها 80 عاماً، أي تجاوزت عمرها الافتراضي.

22.3 مليون دولار

هي قيمة الأموال المرصودة في موازنة الهيئة العليا للإغاثة من أجل تمويل أعمال تعويضات الإيواء والترميم الإنشائي وإعادة الإعمار وما يرتبط بها، علماً أنه رُصد في الهيئة مبلغ 220 ألف دولار من أجل تمويل بند «مواجهة الكوارث»

عن موقع ميادين المقاومة

من الداخل إلى الإقليم و العالم، لتكون الأقرب للمشهد السياسي.. بمنظورٍ مُقاوِم! هدفنا أن تكون بيئتنا الكريمة شريكةً في الوعي.. لا مجرّد متلقّية للخبر!

شاهد أيضاً

ارتفاع طفيف في أسعار الذهب والفضة واستقرار في سعر النفط

سجلت أسعار الذهب والفضة، اليوم، ارتفاعاً طفيفاً بالتزامن مع تراجع عائدات سندات الخزانة الأميركية، عقب …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *