بلدية طرابلس بعد انهيار مبنيين جديدين: كل نقطة دم برقبة الدولة

سقط مبنيان متلاصقان في باب التبانة في طرابلس أمس، بعد أسبوعين فقط على سقوط مبنى مأهول في القبة، ما أدّى إلى انفجار قضية المباني المُهدّدة بالانهيار واستقالة البلدية.

انفجرت قضية المباني المُهدّدة بالسقوط في مدينة طرابلس أمس، بعد سقوط مبنييْن متلاصقيْن في شارع سوريا، في محلة باب التبانة. وسقوط المبنييْن يأتي بعد أسبوعين فقط على سقوط مبنى مأهول في محلة القبة، في فيحاء الشمال، أيضاً.

بدا الأمر لأبناء طرابلس وكأنّ المدينة تتهاوى فوق رؤوسهم. فأعلنها رئيس بلديتها عبد الحميد كريمة «مدينة منكوبة». ولأن «الموضوع يفوق قدرة البلدية»، أعلن في مؤتمر صحافي استقالة مجلسها، واضعاً «كل نقطة دم تسقط في المدينة برقبة الدولة».

حتى كتابة هذه السطور، كانت الأنباء تتحدّث عن سقوط ستة شهداء وسبعة جرحى، وفقدان عدد من الأشخاص تحت الأنقاض، تُقدِّر مصادر متابعة عددهم بنحو عشرة أفراد من عائلتين اثنتين، تقطنان المبنييْن، وسط تحذيرات من سقوط مبنى ثالث ملاصق، في أيّ لحظة.

في مكان الكارثة، تبحث وسط الهرج والمرج لإنقاذ العالقين، عن عناصر الدفاع المدني والصليب الأحمر ببزّاتهم الخاصة، بين عشرات الشبان الذين تهافتوا للمساعدة، كمن يبحث عن «إبرة في كومة قش»، فتدرك أن أبناء طرابلس متروكون لمصيرهم فعلاً، وينقذون أنفسهم بأنفسهم. فيرفعون الحجارة بأيديهم، ويلحقون صوت الإغاثة من تحت الركام، ويسحبون الأجساد العالقة، تارة يصرخون بدهشة: «عايش»، وتارة أخرى تنذر وجوههم المكشّرة بجثة إضافية. وهذا ما حذّر كريمة منه مراراً، أي «ضعف إمكانات الدفاع المدني في طرابلس، المتمثّل في النقص في الآليات والمعدّات اللازمة لرفع الأنقاض والبحث عن العالقين تحتها».

ما يشهده أبناء طرابلس من إهمال موصوف، بأمّ العين، يحيلهم إلى ضحية حادثة القبة، أليسار، ويدعم صحة الفرضية التي أشيعت آنذاك، والتي تقول إن عجز الفرق الإنقاذية هو ما أخّر انتشالها لثلاثة أيام وأودى بحياتها، خصوصاً بعدما أكّد شهود عيان سماعهم صوت استغاثتها في الساعات الأولى بعد الانهيار. الحال، تزيد من نقمة أبناء طرابلس في أكثر من منطقة، وتدفعهم للنزول إلى الشارع والقيام بـ«ثورة»، كما عبّروا عنها على مواقع التواصل الاجتماعي.

أبناء طرابلس ينقذون أنفسهم بأنفسهم بسبب ضعف إمكانات الدفاع المدني

أمّا الكارثة الأساسية فهي في تباطؤ الحكومة في التعاطي مع ملف إنساني حرج. فقبل أسبوعين، استنفر المسؤولون عقب سقوط مبنى القبة، وأعلن رئيس الحكومة نواف سلام عن «التئام خلية أزمة لمعالجة ملف الأبنية الآيلة للسقوط، ستباشر عملها فوراً»، على صعيد إخلاء جميع المباني الـ 105 المُهدّدة بالانهيار ودفع بدلات إيواء للعائلات القاطنة فيها، لمدة ثلاثة أشهر، وإصلاح الأبنية بما يحفظ السلامة العامة، واعداً بصرف المبلغ الذي ستتطلّبه عملية التدعيم مهما بلغ من احتياطي الموازنة.

لكنّ حالة الطوارئ انتهت بإقفال ملف المفقودين تحت الركام، ولم يصدر صوت للخلية بعدها، وبقيت آلاف المباني في طرابلس، كقنابل موقوتة، قد تنفجر في أيّ لحظة. كان الإهمال سيد الموقف، قالها كريمة، أمام الصحافيين، أمس، بعد الإيجابية التي لمسها من الاجتماع الذي تلا حادثة القبة، برئاسة سلام وحضور الهيئة العليا للإغاثة، ونقابة المهندسين، ووفد من نواب المنطقة.

ويبقى الأخطر من التباطؤ الحكومي، وضعف الفرق الإسعافية والإنقاذية معاً هو الخفّة في التعاطي مع ملف الأبنية المُهدّدة بالسقوط برمّتها. فالمبنيان اللذان سقطا أمس ليسا في قائمة المباني المُهدّدة بالسقوط في المسح الأخير الذي أجري بعد الهزات في شباط 2023 والذي توصّل إلى أن 105 مبانٍ مُهدّدة بالسقوط يجب إخلاؤها فوراً، و600 مبنى بحاجة إلى ترميم ويُخشى من سقوطها.

هذا يعني أن خلية الأزمة ــ على افتراض أنها باشرت عملها فعلاً ــ انطلقت من نتائج غير دقيقة، وتسخف بذلك الأزمة وتحجّمها، ما يجعل التدخل لتدعيم عدد من المباني تدخّلاً «شكلياً»، بينما أرواح آلاف الطرابلسيين في خطر. وهذا ما أثارته «الأخبار» في تقرير سابق بعنوان ««الأبنية المُهدَّدة بالسقوط بالآلاف: صندوق لتمويل ترميم 105 مبانٍ في طرابلس؟»، في 26 كانون الثاني 2026، حول ضرورة البحث في دقّة الأرقام وشموليتها قبل التدخّل للمعالجة، بعد إعلان مهندسين وجهات في المجتمع المدني ومصادر من داخل بلدية طرابلس نفسها أن عدد المباني المُهدّدة بالآلاف.

عملياً، ليس هذا المبنى الأول الذي يسقط في طرابلس، لكنّ الفترة الزمينة القصيرة الفاصلة بين الحدثين شكّلت صدمة حقيقيّة لأبناء طرابلس ومجلسها البلدي. ويُتخوّف من أن لا تكون الحادثة هي الأخيرة، إذا كانت استقالة المجلس البلدي هي الفدية، التي ستمتصّ الغضب الشعبي!

عن موقع ميادين المقاومة

من الداخل إلى الإقليم و العالم، لتكون الأقرب للمشهد السياسي.. بمنظورٍ مُقاوِم! هدفنا أن تكون بيئتنا الكريمة شريكةً في الوعي.. لا مجرّد متلقّية للخبر!

شاهد أيضاً

سلام: لا أضمن الأمن للجنوبيّين… لكنّني أتعهّد بإصلاح البنى التحتية

لم يكد موكب رئيس الحكومة نواف سلام يصل إلى بيروت، حتى استأنف الاحتلال الإسرائيلي اعتداءاته …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *