تحذيرات غربية من إفشال المفاوضات: الحرب مع إيران خاسرة
موقع ميادين المقاومة
ساعتين مضت
أخبار هامّة, الرئيسية, النشرة الدولية, مقالات مختارة, منوّعات
تتصاعد التحذيرات من «نسف» واشنطن للمسار الدبلوماسي مع طهران، والذي يخاطر بإشعال حرب أعدّت إيران لها العدّة لتكون طويلة الأمد، وبالتالي، أكثر «استنزافاً» للأميركيين في لحظة عالمية حرجة.

نسف المسار الدبلوماسي مع إيران يخاطر بـ«حبس» الولايات المتحدة في دوامة من التشتّت واستنزاف الموارد
عشية انطلاق المفاوضات الملغومة المُرتقبة بين طهران وواشنطن، حذّر العديد من المراقبين من «مراوغات» أميركية شبيهة بتلك التي أشعلت حرب الـ12 يوماً في حزيران؛ فآنذاك، وقبل يومين من الموعد المُقرّر لخوض جولة جديدة من المفاوضات، أقدمت الولايات المتحدة على قصف المنشآت النووية الإيرانية، ضاربةً عرض الحائط بكلّ الآمال الدبلوماسية. على أن المخاوف الأكبر تتركّز، حالياً، حول إمكانية أن تكون طهران قد حسمت قرارها، وأعدّت العدة لحرب قد لا تنتهي بين ليلة وضحاها، بمجرّد فشل المفاوضات.
وفي هذا السياق، يرِد في تقرير نشَره «المجلس الأطلسي»، أن ما يحصل قد يكون «محاولة جديدة مُعَدّة بشكل متقن لإبقاء إيران في حالة من اختلال التوازن، أو ربّما فرصة للحصول على تنازلات ضخمة، قبل العودة إلى الضربات». ومع ذلك، لا ينفي التقرير إمكانية تسجيل «صحوة» أميركية، في ضوء إدراك دونالد ترامب أن خياراته العسكرية «لا تستحقّ المخاطرة»، خصوصاً مع غياب أيّ هدف واضح لها، أو يقين بأنها «ستساعد المتظاهرين بشكل ملموس»، وإمكانية استدراجها تداعيات إقليمية مجهولة. وبدت لافتة في هذا الإطار، طبقاً للمصدر نفسه، إشارة إدارة ترامب إلى «جهلها» بما قد يحدث بعد إسقاط النظام، في ما ينبئ بانعدام لليقين، دفع حتى بالكثير من شركاء واشنطن إلى الضغط بنشاط على ترامب للامتناع عن تنفيذ الضربات وتسهيل الحلّ الدبلوماسي.
على أن حسابات الحرب والدبلوماسية لم تعُد، على ما يبدو، تُقدَّر في الأروقة الأميركية وحدها. ففي طهران، يُنظر حالياً إلى «دبلوماسية الزوارق» التي تتبعها الولايات المتحدة لتأمين اتفاق يتجاوز الملفّ النووي، لا كـ«وسيلة ضغط»، بل كجزء من مسار نحو «تغيير النظام»، طبقاً لما خلص إليه تقييم في مجلة «ناشيونال إنترست» الأميركية. وفي حال استنتج القادة الإيرانيون، أن ذاك هو الهدف النهائي لإدارة ترامب، فإنهم سيكونون «أكثر ميلاً إلى التعامل مع أيّ مواجهة باعتبارها معركة من أجل البقاء، وليست تبادلاً عسكرياً محدوداً، على غرار ما حصل في حرب الاثني عشر يوماً». وفي مثل هذا السيناريو، قد تميل طهران إلى استخدام قدراتها في وقت مبكر، قبل أن يتمّ استهدافها عبر الغارات الجوية المتواصلة، وهو ما انعكس في تحذير وزير الخارجية الإيراني، عباس عراقجي، في الـ20 من كانون الثاني، من أنه «على عكس ضبط النفس الذي أظهرته إيران في حزيران 2025، فإن قواتنا المسلحة لن تشعر بأي خوف من الردّ بكلّ ما نملكه، في حال تعرّضنا لهجوم مُتجدّد». ومن جهته، حذّر علي شمخاني، وزير الدفاع السابق وأمين المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني، في الـ28 من الشهر نفسه، من أن «الضربة المحدودة هي وهم»، مضيفاً أن أيّ عمل عسكري أميركي «من أيّ مصدر وعلى أيّ مستوى»، سيتمّ التعامل معه على أنه بداية حرب واسعة النطاق. ويشير التقرير نفسه إلى أن إيران «استخلصت دروساً قيّمة من الضربات السابقة، قامت، بموجبها، بإلغاء مركزية أنظمة القيادة والسيطرة في قواتها المسلحة، وتشتيت عملية صنع القرار السياسي والعسكري من أجل تصعيب تعطيل قطاعات كبيرة من الجيش الإيراني من خلال ضربة جراحية واحدة».
منذ عام 1979، تشكّلت العقيدة العسكرية لإيران حول ضرورة ضمان «البقاء» في مواجهة أيّ هجوم خارجي
في ضوء ذلك، يحذّر بعض المراقبين من أن أيّ حرب ضدّها لن تكون «سريعة ورخيصة أو حاسمة»، مؤكدين أن العالم اليوم ليس كما كان عام 2003، وأن إيران «ليست العراق ولا فنزويلا». ويرِد في تقرير نشره موقع «ذا كونفرسيشن» الأسترالي، أنه يجدر الاعتراف بأن بعض الحروب، مهما علا صوت التهديد بها، هي ببساطة مُكلِفة للغاية بحيث «لا يمكن خوضها». ويردف التقرير: «لم تسفر الضربات الأميركية والإسرائيلية السابقة على البنية التحتية الإيرانية عن نتائج استراتيجية حاسمة. وعلى الرغم من الخسائر في المنشآت وخسارة كبار الموظفين، فقد أثبتت إيران أن وضعها العسكري الأوسع ونفوذها الإقليمي قابلان للتكيّف». وفي حين يرى البعض أن الاضطرابات الداخلية في إيران تمثّل فرصة استراتيجية لممارسة ضغوط خارجية، في خضمّ مواجهة البلاد تحدّيات محلية حقيقية، بما في ذلك الصعوبات الاقتصادية والاستياء الاجتماعي، إلا أنه لا ينبغي خلط هذه الوقائع بفكرة «الانهيار الوشيك»؛ فالنظام لا يزال يحتفظ بمؤسسات أمنية قوية وقواعد شعبية موالية، ولا سيما عندما يُصاغ الصراع في إطار الدفاع عن السيادة الوطنية، طبقاً للمصدر نفسه.
ويذهب أصحاب الرأي المتقدّم إلى حدّ الإشارة إلى أن الموقف الإيراني الحالي متجذّر «في عقود من الاستعداد» لسيناريو التعرّض لعدوان خارجي، مشيرين إلى أنه منذ ثورة 1979، تشكّلت العقيدة العسكرية والسياسة الخارجية لطهران حول ضرورة ضمان «البقاء» في مواجهة أيّ هجوم خارجي مُحتمل، وتحميل أيّ طرف يهاجم البلاد «تكاليف طويلة ومتصاعدة». وحتى بعد حرب حزيران، فإن إيران لا تزال أكثر تماسكاً داخلياً واستعداداً لمواجهة عسكرية مُستدامة، مقارنة بما كان عليه العراق عام 2003. ومن هنا، لن تمثّل العودة إلى الخيار العسكري «المرحلة الافتتاحية» لانهيار النظام، بل استعراضاً لـ«الطبقة الأخيرة» من استراتيجية دفاعية مُصمَّمة لمثل هذا السيناريو بالضبط، ستمكّن طهران من «امتصاص الأضرار».
وعلى المقلب الأميركي، ومع ميزانية دفاعية سنوية تقارب الـ900 مليار دولار أميركي، لا تدور الشكوك حول ما إذا كانت لدى الولايات المتحدة القدرة على بدء صراع مع إيران، بل حول مدى قدرتها على الاستمرار فيه وصرف طاقتها في خضمّه. ذلك أنّه عندما يتمّ الحديث عن حربَي العراق وأفغانستان مثلاً، يتجاوز الحديث عن تقديرات الخسائر، تريليونات الدولارات التي صُرفت والأرواح التي أزهقت، ليطاول ما «كان يمكن تحقيقه» بتلك الموارد لو استُثمرت في مجالات أخرى، في لحظة كان فيها ميزان القوى العالمي قد بدأ بالتحوّل بالفعل، وكانت دول من مثل الصين والهند تستثمر بكثافة في البنية التحتية والتكنولوجيا والنمو الاقتصادي الطويل الأمد. واليوم، يبدو العامل المُشار إليه أكثر إلحاحاً، مع دخول النظام الدولي مرحلة أشدّ حدّة من التنافس المتعدّد الأقطاب، لا تقتصر ملامحها على التنافس العسكري، بل تشمل سباقات في مجالات الذكاء الاصطناعي، والتصنيع المتقدّم، والتقنيات الاستراتيجية، ما يعني أن نسف المسار الدبلوماسي مع إيران يخاطر بـ«حبس» الولايات المتحدة في دوامة من التشتّت واستنزاف الموارد.
مرتبط