طهران ترفض «الدبلوماسية القسرية»: الخطوط الحمر ثابتة
موقع ميادين المقاومة
ساعتين مضت
أخبار هامّة, الرئيسية, النشرة الدولية, مقالات مختارة, منوّعات
في ظل تصاعد التحذيرات من مواجهة أميركية ـ إيرانية، تتحرّك وساطات إقليمية لفتح مسار تفاوضي محفوف بالشكوك، وتصرّ طهران على خوضه بشروط وترفض الإملاء والتهديد.

واشنطن لا تفاوض من موقع مستقل بالكامل، بل ضمن هامش تتحكّم به اعتبارات حليف إقليمي..
أثمرت التحرّكات الإقليمية الحثيثة لكبح جماح التصعيد بين الولايات المتحدة وإيران، عودة إلى طاولة المفاوضات. لكنّ هذه العودة لم تأتِ، من جهة طهران، من موقع القبول غير المشروط، بل على أساسٍ من الحذر، يستند إلى تراكم التجارب السابقة. فالقيادة العليا الإيرانية أعطت الضوء الأخضر لاستئناف المسار التفاوضي، لكن ضمن إطار واضح يقوم على شرطَين أساسيين: توفير أجواء تفاوضية خالية من التهديد، والابتعاد عن الشروط المُسبقة التي تندرج في خانة المطالب غير الواقعية. ذلك أن طهران تعتبر أن أي تفاوض يُدار تحت الضغط العسكري أو السياسي، سيتحوّل إلى أداة «إملاء».
من هذا المنطلق، ترى طهران أن مسؤولية تهيئة الأرضية الحقيقية للحوار تقع على عاتق واشنطن؛ فإظهار حسن النوايا لا يكون عبر رسائل سياسية عامة أو وساطات غير مباشرة، بل من خلال تغيير ملموس في السلوك، ووقف سياسة التهديد المتزامنة مع الدعوة إلى التفاوض. وتشتدّ الحاجة إلى ذلك التغيير بالنظر إلى سجلّ الولايات المتحدة غير المبشّر في الالتزام بتعهّداتها، والذي يفرض على إيران التعامل مع أيّ مسار دبلوماسي بقدر عالٍ من الحذر، مع الإبقاء على الجاهزية الدفاعية كخيار لا ينفصل عن العمل السياسي.
والإشكالية الجوهرية هنا، بالنسبة إلى طهران، تكمن في إصرار واشنطن على الجمع بين الدعوة إلى الحوار وتعزيز الحضور العسكري في المنطقة، في ما بات يُعرف بـ»الدبلوماسية القسرية»، الهادفة إلى فرض شروط تفاوضية غير متكافئة، والتي يندرج في إطارها أيضاً استمرار التلويح بالتصعيد العسكري، في حال عدم التوصّل إلى اتفاق. ومما يعزّز الريبة الإيرانية في هذا السياق، تجربة تاريخية ممتدّة في العلاقات بين الطرفين، تخلّلتها اتفاقات لم تصمد، وصولاً إلى انسحابات أُحادية وقرارات مفاجئة. ومن هنا، تشكّلت قناعة راسخة في طهران بأن المشكلة لا تكمن في مبدأ التفاوض، بل في غياب شريك يمكن الركون إلى التزامه.
لا يمكن اعتبار الحوار خياراً عقلانياً في ظلّ بيئة تُدار بلغة التهديد وتُحاط بتحرّكات عسكرية
أمّا لناحية أجندة المفاوضات، فالمطالب التي تتحدّث عن تفكيك برنامج التخصيب و»تصفير» نسبة اليورانيوم، أو إخراج مواد نووية استراتيجية من البلاد، أو تقليص القدرات الصاروخية الدفاعية، إضافة إلى إعادة صياغة العلاقات الإقليمية، كلّها تُعدّ من وجهة النظر الإيرانية تجاوزاً مباشراً لخطوط حمر تتّصل بجوهر السيادة والأمن القومي، وإضعافاً لعناصر القوة تمهيداً لتفكيكها بشكل «ناعم». اللافت أن هذه المطالب تتقاطع إلى حدّ كبير مع الرؤية الإسرائيلية للأمن الإقليمي، وهو ما يعزّز الانطباع بأن الولايات المتحدة لا تُفاوض من موقع مستقلّ بالكامل، بل ضمن هامش تتحكّم به اعتبارات حليف إقليمي يسعى إلى تحييد أي قوة يمكن أن تشكّل عامل توازن في المنطقة.
في المقابل، تؤكّد طهران أن بعض تلك المطالب غير مطروح للنقاش من الأساس، وأن أي حديث عن تنازلات تمسّ جوهر القدرات النووية السلمية أو الدفاعية لا يمكن أن يشكّل أساساً لاتفاق. ورغم ذلك، لا تُغلِق إيران الباب أمام الدبلوماسية، لكنها ترهن نجاحها بمدى استعداد الولايات المتحدة للتخلّي عن منطق الإكراه واحترام الخطوط الحمر والقبول بتفاوض متكافئ. أمّا إذا استمرت المطالب عند سقوف تتجاوز ما يمكن قبوله، فإن النتيجة، وفق التقدير الإيراني، لن تكون سوى انهيار جديد للمفاوضات، مع ما يحمله ذلك من مخاطر تصعيدية.
والواقع أن بدء المفاوضات يرافقه استمرار الجاهزية الدفاعية، وهو ما يعني أن فشلها قد يفتح الباب أمام مواجهة لن تكون محدودة هذه المرة، بل ستكون أقرب إلى صراع واسع النطاق تتداخل فيه الجبهات والمصالح. فمثل تلك الحرب قد تفرض كلفة على إيران، إلا أنها في الوقت نفسه لن تكون بلا أثمان بالنسبة إلى الولايات المتحدة وحلفائها في المنطقة.
مرتبط