نهاية الحقبة القذافية: صفقة أميركية – فرنسية حول ليبيا؟

جاء اغتيال سيف الإسلام القذافي لينهي الجدل حول مستقبله السياسي، ويضيّق آفاق أي تسوية محتملة للأزمة الليبية، فاتحاً الباب أمام مرحلة جديدة من إعادة ترتيب المشهد من الخارج، في ظلّ حراك دولي وإقليمي وتوافقات أميركية – فرنسية.

يصف مقرّبون من القذافي الابن عملية الاغتيال بأنها «جريمة غدر»

جاء اغتيال سيف الإسلام القذافي، المرشّح الأبرز للانتخابات الرئاسية الليبية المؤجّلة أكثر من مرة، أول من أمس، ليُنهي الجدل الدائر منذ سنوات حول مستقبله السياسي، وما كان يمثّله من تهديد حقيقي لفرص أطراف متصارعة في الأزمة الليبية منذ عام 2011 حتى اليوم. كما جاء الاغتيال ليضيّق آفاق أي تسوية سياسية مُحتملة لهذه الأزمة، وليحرم كتلة تصويتية واسعة كانت تعوّل على خوض القذافي الابن السباق الانتخابي المُرتقب للاحتشاد خلفه، في مساعٍ لاستعادة رؤيتها للدولة الليبية، التي تتجاوز انقسامات مرحلة ما بعد شباط/ فبراير 2011.

وفي الوقت الذي باشرت فيه السلطات تحقيقاتها في ملابسات اغتيال الرجل داخل مقر إقامته الأخير في مدينة الزنتان – الواقعة على بعد نحو 136 كيلومتراً جنوب غرب العاصمة طرابلس -، كشف مستشار القذافي الابن، عبدالله عثمان عبد الرحيم، عن تفاصيل عملية الاغتيال، قائلاً إن أربعة رجال ملثّمين اقتحموا منزل المغدور بعد «تعطيل كاميرات المراقبة قبل اغتياله».

والواقع أن هذه التفاصيل تؤّشر إلى صحة فرضية تورّط استخباراتي أو تنسيق أمني عالي المستوى سبق تنفيذ العملية. وفيما تحدّثت تقارير محلية عن احتمال تورّط وزارة الدفاع و«الفرقة 444» في الاغتيال، ولا سيّما أن الواقعة جاءت بعد أقل من ثلاثة أيام من تصريحات لخالد المشري، الرئيس السابق لـ«المجلس الأعلى للدولة»، تحدّث فيها عن تعثّر مسار التسوية السياسية، وضرورة خضوع سيف الإسلام لتسوية قضائية، قبل الحديث عن فرص «فوزه» في أي انتخابات رئاسية مقبلة، غير أن مصادر عسكرية رسمية في وزارة الدفاع والفرقة المشار إليها نفتا أي صلة لهما بالاغتيال.

والجدير ذكره، هنا، أن إعلان ترشّح القذافي الابن في عام 2021 أعقبه تسجيل تاريخي للناخبين الليبيين، بلغ قرابة 1.5 مليون ناخب، وفق تقديرات رسمية آنذاك، فيما وصل إجمالي عدد المسجّلين بنهاية العام نفسه، إلى نحو 2.8 مليون ناخب بحسب الأمم المتحدة. وإذ تشير هذه المعطيات إلى الثقل النسبي الذي أضافه ترشّحه وحجم قاعدته الشعبية، فهي تؤشّر، في الوقت نفسه، إلى حجم الفراغ السياسي الذي سيخلّفه الاغتيال، وإلى خيبة آمال مُحتملة لدى قطاعات من الليبيين، كانت تعوّل على إعادة الأوضاع في البلاد إلى «ما قبل فبراير 2011». ويأتي ما تقدّم بالتزامن مع الاستعدادات الجارية للانتخابات البرلمانية المُرتقب إجراؤها هذا العام، خاصة بعد إعلان البرلمان الليبي، أول من أمس، تخصيص 33 مليون دولار، دعماً لموازنة «المفوّضية الوطنية العليا للانتخابات»، وذلك لـ«تغطية نفقات الانتخابات البرلمانية والرئاسية».

من جانبهم، يصف مقرّبون من القذافي الابن عملية الاغتيال بأنها «جريمة غدر»، نظراً إلى أن منطقة الزنتان التي اغتيل فيها كانت قد شكّلت ملاذه الآمن منذ اعتقاله نهاية عام 2011 واحتجازه فيها، وحتى الإفراج عنه في حزيران/ يونيو 2017 بموجب قانون العفو. وقال المسؤول الليبي السابق، موسى إبراهيم، إن الاغتيال نفّذته «عصابات الغدر والخيانة التابعة للأجنبي»، معتبراً أن الهدف منه «مزيد من الدماء وانقسام ليبيا وتدمير كلّ مشروع للوحدة الوطنية». وجاء هذا التصريح متّسقاً مع ما نقله مارسيل سيكالدي، وهو محامي سيف الإسلام، عن مقرّب من الأخير، حول ملاحظته وجود «مشكلات في تأمينه» قبل أيام من تنفيذ العملية، الأمر الذي يعزّز فرضية الغدر.

أيضاً، يربط مراقبون بين اغتيال القذافي الابن وسلسلة الاغتيالات التي طاولت أخيراً عدداً من المسؤولين العسكريين. وأبرز هؤلاء رئيس أركان «حكومة الوحدة الوطنية» محمد الحداد، الذي قُتل في حادث تحطّم الطائرة التي كانت تقلّه، برفقة عدد من كبار الضباط (رئيس أركان القوات البرية الفريق الركن الفيتوري غريبيل، ومدير جهاز التصنيع العسكري العميد محمود القطيوي، ومستشار رئيس الأركان العامة لجيش حكومة الوحدة محمد دياب)، وذلك بعد دقائق من إقلاعها من مطار أنقرة في 23 كانون الأول/ ديسمبر الماضي. والجدير ذكره هنا أن هذه الحادثة جاءت بالتزامن مع قرار البرلمان التركي تمديد صلاحيات الرئيس رجب طيب إردوغان في نشر قوات مسلحة خارج البلاد، بما يشمل ليبيا.

وإذ تشير الدوائر المقرّبة من سيف الإسلام إلى أن العملية جاءت بقرار من صدام حفتر (أحد أبناء المشير خليفة حفتر قائد «الجيش الوطني الليبي»)، الذي تتزايد فرصه في لعب دور محوري في مستقبل ليبيا بدعم من أطراف إقليمية تتبنّى، تقليدياً، رؤىً متضاربة تجاه الأزمة، يعكس هذا المشهد، بحسب مراقبين، اقتراب نهاية الحقبة القذافية بشكل كامل، ويفتح الباب أمام تساؤلات واسعة بشأن مستقبل العملية السياسية، خصوصاً في ظلّ دعوات التهدئة التي أطلقها أنصار سيف الإسلام، والتي فُسّرت على أنها قبول ضمني بالأمر الواقع، انتظاراً لما ستؤول إليه التطورات المقبلة في مسار الانتخابات.

ما بعد اغتيال سيف الإسلام: تسوية من الخارج؟

يتزامن اغتيال سيف الإسلام القذافي مع حراك إقليمي متسارع لإعادة ترتيب المشهد السياسي الليبي، إذ اختُتمت، في 26 كانون الثاني/ يناير الماضي في العاصمة التونسية، فعاليات الاجتماع الثلاثي لـ«دول جوار ليبيا»، والتي ضمّت مصر وتونس والجزائر، وأكّدت «الملكية الليبية للعملية السياسية، ورفض التدخلات الخارجية، ودعم المسار الأممي، ووضع خطة زمنية واضحة للحل السياسي». ورغم تحفّظ «حكومة الوحدة الوطنية» في طرابلس على عدم إشراكها في هذا الاجتماع، أبدى المراقبون اهتماماً كبيراً إزاءه، نظراً إلى ما ظهّره من تقارب مصري – جزائري، وما يعنيه هذا التقارب في ما يتصل بأمن ليبيا.

إلى جانب ما تقدّم، كشفت تقارير إعلامية، نُشرت أمس، أن اغتيال سيف الإسلام جاء بعد أسبوع واحد فقط من توافق قوى دولية وإقليمية على «إعادة هيكلة شاملة» للوضع الليبي. وأشار تقرير لموقع «Atalayar» إلى اجتماع رعته واشنطن وباريس في العاصمة الفرنسية (في 28 كانون الثاني)، بمشاركة ممثّلين عن شرق ليبيا وغربها، أبرزهم صدام حفتر عن الشرق، وإبراهيم الدبيبة (المستشار الأمني لرئيس الوزراء عبد الحميد الدبيبة) عن الغرب.

وجرى خلال هذا الاجتماع بحث «توحيد المؤسسات مع استبعاد الفاعلين القدامى»، والتركيز على تقاسم النفوذ في قطاعات النفط والجيش والمالية، علماً أن اللقاء جاء بعد ساعات قليلة من جولة مستشار الرئيس الأميركي، مسعد بولس (26-27 كانون الثاني)، على تونس والجزائر «من أجل حشد مواقفهما خلف عملية الاستقرار تلك». وبحسب التقرير، فإن توقيت عملية الاغتيال وطريقة تنفيذها، وغياب أي جهة تتبناها… كلّها معطيات تشير إلى ما وصفه بـ«تطهير» سياسي لـ«تسهيل إتمام الصفقة الفرنسية – الأميركية» حول مستقبل ليبيا.

وعند وضع هذه المعطيات في سياقها العام، تبدو عملية الاغتيال توطئةً لمرحلة جديدة من التوافق على تحاصص الموارد الليبية بين أطراف الأزمة في الداخل، والقوى الإقليمية المعنية بها. كما تتّسق هذه العملية مع متطلّبات النهج الذي اتّبعته واشنطن، خلال الأزمات الأخيرة، والقائم على طرح حلول «جراحية عاجلة» لا تكترث لأيّ عواقب، وهو الأمر الذي تُعزّز من فرص نجاحه حالة الإحباط الشعبي الكبيرة في ليبيا، والتحولات البراغماتية السريعة في مواقف الفاعلين الدوليين، سعياً للتماهي مع رؤية واشنطن. وعلى هذه الخلفية، فإن الدفع نحو إجراء انتخابات في المدى القريب سيكون أمراً مثالياً تماماً؛ إذ ستكون هكذا انتخابات بمثابة غطاء شكلي لتفاهمات جرى تثبيتها على الأرض مُسبقاً، في ظلّ القضاء على فرص أي تنافس حقيقي.

عن موقع ميادين المقاومة

من الداخل إلى الإقليم و العالم، لتكون الأقرب للمشهد السياسي.. بمنظورٍ مُقاوِم! هدفنا أن تكون بيئتنا الكريمة شريكةً في الوعي.. لا مجرّد متلقّية للخبر!

شاهد أيضاً

الأسبوع الأكثر دموية منذ وقف إطلاق النار: نتنياهو يمهّد لعودة الإبادة

يراهن نتنياهو على التصعيد في غزة لإستدراج رد يعيد الحرب إلى الواجهة، مستخدماً المجازر وخرق …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *