شهر على طرح العملة الجديدة: السوريون يضنّون بمدّخراتهم

لم يكد شهر يمرّ على إطلاق العملة السورية الجديدة، حتى طاولتها شائعة عن تزوير فئة الـ50 ألف ليرة منها، في ما وُصِف بأنه حملة «تشويه» للإصدار النقدي. ويأتي ذلك وسط صعوبات في الاستبدال والتداول، ما عزّز المخاوف والشكوك لدى أصحاب الأموال والمدّخرات.

سُجّل ضعف الإقبال الشعبي على تداول العملة الجديدة في شهرها الأول..

لم يكد شهر يمرّ على إطلاق العملة السورية الجديدة، حتى طاولتها شائعة عن تزوير فئة الـ50 ألف ليرة منها، في ما وُصِف بأنه حملة «تشويه» للإصدار النقدي. ويأتي ذلك وسط صعوبات في الاستبدال والتداول، ما عزّز المخاوف والشكوك لدى أصحاب الأموال والمدّخرات. وسارع مصرف سوريا المركزي، عبر حاكمه عبد القادر الحصرية، إلى نفي شائعة التزوير، مؤكّداً عدم ورود أي بلاغ رسمي يفيد بوجود هكذا حالات. وإذ وصف ما يتم تداوله عبر مواقع التواصل الاجتماعي أو في الأحاديث العامة بأنه «شائعات غير مؤكّدة» لا تستند إلى أي مصدر رسمي، فهو دعا، في الوقت نفسه، إلى اعتماد المعلومات الصادرة حصراً عن «المركزي»، والإبلاغ عن أي حالة تزوير ليتمّ «التعامل معها فوراً»، بالتعاون مع الجهات المختصّة في وزارة الداخلية.

ورغم هذه التطمينات، ظلّ القلق مُخيِّماً على الشارع السوري، وهو ما عكسه ضعف الإقبال الشعبي على تداول العملة الجديدة في شهرها الأول – في ظلّ إعلان فترة «تعايش» لثلاثة أشهر مع العملة القديمة -، في مقابل الاندفاع إلى البحث عن خيارات أكثر أماناً، على رأسها الدولار والذهب. ويؤكّد حسن علوش، الذي التقت به «الأخبار» أمام إحدى شركات الصرافة في حماة، هذا التوجّه، قائلاً: «فقدنا معظم مدّخراتنا خلال سنوات الحرب، ولم يبقَ سوى القليل ندّخره للأيام الصعبة ونخشى فقده. لذا حينما سمعت بشائعة تزوير العملة الجديدة سارعت، كغيري، إلى تحويل ما لديّ إلى ذهب كونه الخيار الأكثر أماناً». أمّا نهى زهرة، وهي سيدة في الأربعين من عمرها، فضحكت عند سؤالها عمّا إذا كانت قد بدأت التعامل بالليرة الجديدة أو حوّلت مدّخراتها إلى الدولار أو الذهب. وتقول: «بالكاد نملك ثمن ربطة الخبز؛ فالراتب لا يكفي الأيام الأولى من الشهر، فمن أين نأتي بالأموال لتحويلها؟ حتماً سنتعامل بالعملة الجديدة طالما الحكومة أعلنت أنها موثوقة وغير مزوّرة».

تخوّف من الخسائر

ممّا لا شكّ فيه أن أي عملة، بما فيها الدولار، مُعرّضة للتزوير، إلا أن المخاوف تتضاعف في حالة العملة السورية «الوليدة»؛ إذ إن أيّ عملية تزوير في هذه المرحلة المبكرة من طرحها في أسواق غير مستقرّة أصلاً، من شأنها أن تترك آثاراً اقتصادية ومعيشية مباشرة. وفي هذا السياق، تؤكّد الباحثة الاقتصادية، لمياء عاصي، في حديثها إلى «الأخبار»، أن شائعات التزوير تؤثّر سلباً على «الثقة بالعملة كمخزن آمن للقيمة، وتدفع المواطنين إلى التعامل معها بحذر، ولو مؤقّتاً، وسط ارتفاع معدّلات التضخم؛ إذ يلجأ الناس، بسبب العامل النفسي، إلى تحويل مدّخراتهم من العملة القديمة إلى الدولار، خصوصاً في ظلّ اقتصاد يعاني أصلاً من التضخّم والدولرة».

وتضيف عاصي أن تزوير العملة الجديدة، سواء كان حقيقياً أو ناجماً عن شائعات، «يحمل تأثيرات عميقة على المستويين المعيشي والاقتصادي»، لافتة إلى أن «المواطنين، والحال هذه، يصبحون أكثر حذراً في قبول الأوراق النقدية، ولا سيما الفئات الكبيرة»، الأمر الذي «قد يعيق المعاملات النقدية اليومية، ويؤدّي إلى رفض بعض التجار التعامل بها». وفي حال انتشار عملة مزوّرة فعلياً، سيتكبّد الأفراد «خسائر مالية مباشرة، ما يفاقم الضائقة المعيشية للمواطنين الذين يعانون من انخفاض قدرتهم الشرائية».

يُجمِع الخبراء على «ضرورة» الوضوح في السياسات النقدية والاستجابة السريعة

لا تزوير فعلياً

في المقابل، لا ترى الباحثة الاقتصادية، نسرين زريق، أن هناك «تزويراً فعلياً حتى الآن»، موضحة، في حديثها إلى «الأخبار»، أن الحديث عن آثار التزوير يصبح ذا معنى فقط «عندما تتراكم سجلّات الشكاوى في المخافر وأروقة المحاكم عن تسلّم المواطنين لأموال مزوّرة من مواطنين آخرين. وعندها يمكن دراسة الأثر الحقيقي على قيمة العملة». أمّا في الوضع الحالي، فتقول إن التأثير يبقى في إطار ما يُسمى «علم نفس المستهلك»؛ إذ قد تؤدّي الشائعات، في هذا الإطار، إلى «تراجع محدود في سعر الصرف لا يتجاوز 10%، قبل أن يعاود الارتفاع عند نفي الشائعة، مستعيداً مستوى الثقة السابق». وتضيف أنها لم تلحظ «تغيّرات جوهرية في سعر الصرف ترتبط مباشرة بهذه الشائعة»، مشيرة إلى أن «تغيّرات سعر الصرف محدودة، وترتبط في الغالب بالتطورات العالمية، وليس صحيحاً أن قيمة الليرة، سواء كانت قديمة أو جديدة، شهدت تحوّلاً فعلياً؛ فنحن لم نبدأ بعد مرحلة تعافٍ اقتصادي يمكن البناء عليها».

تعزيز الثقة

في الوقت الذي يتطلّب فيه تشجيع المواطنين على تداول العملة الجديدة، إجراءات عملية من شأنها إزالة مخاوف المواطنين من خلال تعزيز الثقة لديهم، ترى الباحثة زريق أن أهم هذه الإجراءات يتمثّل في «الوفرة». وتشير إلى أن «محدودية الكميات المطروحة تعطي انطباعاً شعبياً بأن المرحلة تجريبية وليست انتقالاً كاملاً من القديم إلى الجديد، ما يدفع المستهلكين، وفقاً لعلم نفس المستهلك، إلى الاكتفاء بالاستبدال من دون تداول العملة الجديدة، مع الاستمرار في استخدام العملة القديمة في التعاملات اليومية».

لذا، تؤكّد زريق أن الحل يكمن في «زيادة كميات العملة الجديدة، وتوسيع إمكانية استبدال الفئات الكبيرة منها، وإنهاء المرحلة التجريبية تدريجياً حتى تصبح العملة الجديدة المُعتمد الوحيد في التداول»، لافتة إلى أن «كسب ثقة الناس يحتاج إلى وقت، لكنه يرتبط أيضاً بثبات سعر الصرف ومرونة المصرف المركزي في إيجاد حلول لمشكلة النقد، بالإضافة إلى سرعة التدخّل في حال ثبت وجود تزوير، عبر تطوير وسائل الحماية وإعلام المواطنين بها بشفافية».

من جهتها، ترى عاصي أن الإجراءات المطلوبة لتسهيل عملية الاستبدال وتشجيع التداول تتمثّل في «تعزيز الحملات الإعلامية لرفع الوعي بهذا الشأن، وإيضاح ميزات الأمان، على غرار تجربة تركيا الناجحة نسبياً عام 2005»، إلى جانب «اعتماد إجراءات قانونية في حال رفض العملة الوطنية (القديمة والجديدة)، وفرض عقوبات صارمة على المخالفين». وتدعو، في الوقت نفسه، إلى «تسهيل عملية الاستبدال، من خلال زيادة توفّر العملة الجديدة في البنوك وشركات الصرافة، وإزالة القيود على استبدال المبالغ الكبيرة، وتمديد فترة التعايش بين العملتَين، وتدريب الصرّافين والتجار على آليات كشف التزوير المُحتمل».

وتختم عاصي بالتشديد على ضرورة مواجهة الشائعات من خلال «بيانات رسمية مُنتظمة من مصرف سوريا المركزي، والتنسيق مع الجهات المختصّة لملاحقة مصادرها»، فضلاً عن «إطلاق إصلاحات اقتصادية شاملة لضبط التضخّم وتعزيز الاحتياطي النقدي ورفع كفاءة المؤسسات الاقتصادية»، مذكّرةً بأن «تجارب دول مثل تركيا أثبتت أن حذف الأصفار وحده غير كافٍ من دون إصلاحات هيكلية، فيما فشلت تجارب أخرى (مثل زيمبابوي) بسبب الاكتفاء بإجراءات الاستبدال من دون اعتماد أيّ إجراءات إصلاحية أخرى».

عن موقع ميادين المقاومة

من الداخل إلى الإقليم و العالم، لتكون الأقرب للمشهد السياسي.. بمنظورٍ مُقاوِم! هدفنا أن تكون بيئتنا الكريمة شريكةً في الوعي.. لا مجرّد متلقّية للخبر!

شاهد أيضاً

إسرائيل ترشّ مبيدات سامة فوق القرى الجنوبية: جريمة تهدّد التربة والإنسان

إسرائيل ترشّ مبيدات سامة من نوع الغليفوسات فوق القرى الجنوبية في لبنان، ما يسبب أضراراً …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *