«أبو عمر» العراق: مارك سافايا يخلط حابل السياسة بنابل المال
موقع ميادين المقاومة
23 ساعة مضت
أخبار هامّة, الرئيسية, النشرة الدولية, مقالات مختارة, منوّعات
فضيحة مارك سافايا تفجّر جدلاً جديداً في بغداد وواشنطن: اتهامات رشى بمئات الملايين، تغريدة ترامب، وصراع نفوذ يكشف تداخل المال بالسياسة وارتباك الدور الأميركي في العراق.

في خضمّ تصاعد التوتر السياسي بين بغداد وواشنطن على خلفية ملف سلاح المقاومة، برز اسم مارك سافايا، المبعوث الأميركي السابق إلى العراق، بوصفه عنواناً لجدل يتجاوز شخصه، ليطاول آليات إدارة النفوذ الأميركي، وحدود التداخل بين المال والسياسة. فالقضية التي بدأت بمنشور للرئيس الأميركي، دونالد ترامب على منصة «تروث سوشال»، هدّد فيه العراق بوقف التعاون معه إذا اختير نوري المالكي رئيساً للوزراء، سرعان ما تحوّلت إلى ملف مفتوح على شبهات فساد، وتضليل سياسي، وصراع إرادات داخل المشهد العراقي المنقسم.
وبحسب مصادر مطّلعة تحدّثت إلى «الأخبار»، فإن «ترامب أصدر قراراً بإعفاء سافايا من مهمّته، على خلفية اتهامات للأخير بتلقّي رشوة مالية كبيرة من جهات سياسية نافذة في العراق، مقابل ترويج خطاب إعلامي محدّد، وتصويره على أنه الموقف الرسمي للرئيس الأميركي». وتُبيِّن هذه المصادر أن «الرشوة بلغت قيمتها نحو 200 مليون دولار، وهي دُفعت عبر وسيط من رجال الأعمال، يمتلك مشاريع واسعة داخل العراق، وذلك بهدف التأثير في الرأي العام وإرباك التوازنات السياسية، ولا سيما في ما يتصل بملف ترشيح نوري المالكي لرئاسة الوزراء».
ورغم غياب إعلان أميركي رسمي يتضمّن اتهاماً مباشراً، إلا أن مؤشرات عدة عزّزت الشكوك حول طبيعة دور سافايا، إذ نقلت وكالة «رويترز» عن مصادر أميركية أن واشنطن تدرس استبداله بسبب «سوء إدارة» ملفات حساسة، فيما أكّد وزير الخارجية العراقي، فؤاد حسين، أن سافايا لم يعد يشغل منصب مبعوث الرئيس الأميركي، وأن توم برّاك بات يدير الملف العراقي بدلاً منه. وفتح هذا التضارب بين النفي والتأكيد، الباب أمام تساؤلات جوهرية حول الصفة الرسمية التي كان يتحرك بها الرجل منذ الأساس.
وبحسب مصدر سياسي بارز تحدّث إلى «الأخبار»، فإن سافايا حاول، منذ وصوله، «عقد صفقات وابتزاز قوى سياسية عبر وسطاء، مستغلاً الغموض الذي يلفّ موقعه». لكن، وفقاً للمعلومات، فإن «قلة خبرته بالمشهد العراقي المعقّد جعلته يتعثّر سريعاً، وهو ما انعكس لمصلحة نوري المالكي، الذي استفاد من هذا الفشل لتعزيز موقعه كمرشح قوي». ويشير المصدر إلى أن ترامب «أرسل سافايا من دون تكليف واضح أو مهمة محدّدة، ما دفع الأخير إلى محاولة تعويض حضوره السياسي بعلاقات مالية، خصوصاً أنه أنفق مبالغ طائلة لدعم حملة ترامب الانتخابية الأخيرة في الولايات المتحدة».
التقديرات لحجم الفساد في قضية سافايا تُراوِح بين 200 مليون و600 مليون دولار
وتعليقاً على ذلك، يعتقد عضو المكتب السياسي لحركة «الصادقون»، الجناح السياسي لـ»عصائب أهل الحق»، حسين الشيحاني، في تصريح إلى «الأخبار»، أن «الإشكالية لا تكمن فقط في وجود أدلة قانونية من عدمه، بل في الهالة الإعلامية التي جرى تصنيعها حول سافايا، وتسويقه كشخصية إصلاحية أو ضاغطة، قبل أن يتكشّف زيف هذا الدور». ويؤكّد أن «غياب الأحكام القضائية لا يعني البراءة، ولا يُسقِط حق الرأي العام في المطالبة بالتحقيق والمُساءلة»، داعياً إلى عدم الاكتفاء بالسجالات الإعلامية، وفتح تحقيقات رسمية شفافة «لمحاسبة كلّ من يقف وراء سافايا في العراق، لأن ما جرى يمثّل خيانة للثقة العامة».
من جهته، يذكّر الباحث في الشأن السياسي، علي فضل الله، المقرّب من دوائر حكومية، بأن سافايا «دخل المشهد العراقي في لحظة اضطراب شديد، وبأسلوب غير تقليدي»، معتبراً أن «تقديمه كرجل مكافحة فساد اصطدم سريعاً بشبهات مالية وإدارية». ويلفت فضل الله إلى أن نفي وزارة الخارجية الأميركية تمثيله الرسمي الكامل «يطرح علامات استفهام كبيرة حول طبيعة الدور الذي كان يؤدّيه، ومن كان يمنحه الغطاء».
وفي السياق نفسه، أثارت تصريحات السياسي العراقي، محمد الدلوي، مزيداً من الجدل، حين أشار إلى أن «تغريدة ترامب استُخدمت فيها أموال عراقية لإرباك المشهد السياسي»، متحدّثاً عن «أرقام أكبر بكثير مما هو متداول، وصلت، بحسب ما سمعه، إلى 600 مليون دولار، وذلك في إطار محاولة التأثير على التوافقات المتعلّقة بترشيح المالكي». ورغم أن هذه الأرقام تبقى في إطار التداول السياسي غير المُثبت، إلا أنها تعكس حجم الصراع الدائر على رئاسة الحكومة.
اللافت أن سافايا، رجل الأعمال الأميركي المُتحدِّر من أصل عراقي، والذي يعمل في مجال بيع الماريجوانا في ولاية ميتشيغان، لم يزُر العراق رسمياً منذ تعيينه، كما ألغى فجأة زيارة كانت مُقرّرة له قبل أيام. وتتحدّث مصادر أخرى عن وجوده حالياً في تركيا، تحت حماية الجهة التي موّلت تحرّكاته، وذلك لخوفه من العودة إلى الولايات المتحدة ومواجهة مُساءلة قانونية مُحتملة.
وعلى أيّ حال، تكشف قضية سافايا عن خلل عميق في التعامل الأميركي مع الملف العراقي، وعن قابلية المشهد السياسي في بغداد للاختراق عبر المال والإعلام. وبينما لا تزال الاتهامات في إطار التسريبات، فإن حجم التداعيات يفرض، بحسب مراقبين، الانتقال من تداول الروايات إلى فتح تحقيقات رسمية، ليس فقط لكشف مصير سافايا، بل لتحديد الجهات العراقية التي راهنت على توظيف النفوذ الأميركي في معاركها الداخلية، وما إذا كانت ستُحاسَب على ذلك أم ستبقى في الظلّ.
مرتبط