تكثيف القتل مقابل فتح «رفح»: مخطّط التهجير لا يُطوى
موقع ميادين المقاومة
4 أيام مضت
أخبار هامّة, الرئيسية, النشرة الدولية, مقالات مختارة, منوّعات
في توقيت بدا لافتاً، تزامن التصعيد الإسرائيلي، السبت الماضي، مع الإعلان عن فتح معبر رفح البري. ويعني ذلك أن إسرائيل قرّرت ترك بصمتها على كلّ محطة فارقة، على نحو يحفظ سياسة «اليد المطلقة» التي تقصف وتغتال متى تشاء، من دون أن تقيّدها مراحل واتفاقيات.

وقعت المجزرة الأكبر عقب استهداف مركز شرطة الشيخ رضوان..
على ما أصبح معتاداً، اختلق جيش الاحتلال ذريعة محاولة عدد من المقاومين المحاصَرين في أنفاق مدينة رفح الخروج إلى ما وراء «الخطّ الأصفر»، ليبدأ «حفلة» جديدة من الجنون، إذ شنّ عشرات الغارات الجوية التي طاولت خيام النازحين ومراكز الإيواء وشققاً سكنية، وخلّفت نحو ثلاثين شهيداً والعشرات من المصابين في غضون ساعات قليلة. وتأتي نتيجة هذا التصعيد لتضاف إلى حصيلة تقارب 500 شهيد قضوا في خروقات مماثلة منذ دخول وقف إطلاق النار حيّز التنفيذ قبل 113 يوماً، في العاشر من تشرين الأول من العام الماضي. واللافت أن تصعيد السبت، تزامن مع الإعلان عن فتح معبر رفح البري، الذي يُفترض أن يشهد دخول لجنة التكنوقراط إلى القطاع، في إطار «المرحلة الثانية» من «خطة السلام». ويعني ذلك أن إسرائيل قرّرت ترك بصمتها على كلّ محطة فارقة، على نحو يحفظ سياسة «اليد المطلقة» التي تقصف وتغتال متى تشاء، من دون أن تقيّدها مراحل واتفاقيات.
وكانت الغارات قد بدأت، عند منتصف ليل الجمعة – السبت، بقصف طاول خياماً تؤوي نازحين في منطقة مواصي خانيونس جنوبي القطاع، ما أدّى إلى استشهاد سبعة أفراد من عائلة أبو حدايد. ومع ساعات الفجر، أغارت الطائرات الحربية على شقة سكنية لعائلة الأطبش قرب مفترق حيدر في مدينة غزة، متسبّبةً بسقوط خمسة شهداء. أمّا المجزرة الأكبر، فوقعت عقب استهداف مركز شرطة الشيخ رضوان شمال غرب مدينة غزة، الذي يتوسّط الحيّ المكتظ بالسكان ويجاور أحد أكبر مخيمات اللجنة المصرية. وأغارت طائرة حربية على المركز المُدمّر جزئياً، في وقت كان فيه عناصر الشرطة المدنية وضباطها يقومون بمهامهم اليومية، والشارع المحيط يعجّ بالمارة. وأسفر القصف عن استشهاد 16 مواطناً، بينهم نزلاء ومراجعون مدنيون، بالإضافة إلى عناصر وضباط أمن، في مجزرة تُعدّ الأكبر منذ بدء سريان وقف إطلاق النار. كذلك، ارتقى ثلاثة شهداء في استهداف شقة سكنية لعائلة رزق في حي النصر، وقضى شهيدان في قصف طاول تجمّعاً للمواطنين في شارع غزة القديم في جباليا البلد، فيما لم تتوقف آليات الاحتلال المتمركزة على طول «الخط الأصفر» عن إطلاق النار والقذائف تجاه المناطق المأهولة بالنازحين.
يكثر الحديث في وسائل الإعلام العبرية عن محاولة إسرائيلية لتثبيت واقع عدم الاستقرار القائم
وأثار هذا التصعيد ردود فعل عربية وإسلامية؛ إذ أصدرت ثماني دول، أمس، بياناً مشتركاً دانت فيه خروقات إسرائيل لاتفاق وقف إطلاق النار، محذّرة من أن استمرار الانتهاكات يهدّد العملية السياسية في غزة برمّتها، ويعيق جهود الانتقال إلى مرحلة أكثر استقراراً. والواقع أن هذه الأحداث المتلاحقة وما رافقها من ارتقاء أعداد كبيرة من الشهداء، ليس فيهم أي هدف عسكري أو تنظيمي نوعي للمفارقة، تريد إسرائيل من خلالها القفز على المراحل، وإرساء واقعٍ أمني اعتيادي، لا تطالَب فيه ولا تحاسَب على خروقاتها اليومية، والتي تتكرّر بذرائع وهواجس – تُقدَّم على أنها حقائق – أهمّها استغلال حركة «حماس» المساحات الرمادية بين المراحل في إعادة تأهيل نفسها تنظيمياً وعسكرياً ومالياً.
وفي هذا السياق، يبدو التصعيد الإسرائيلي هو الفعل الموازي لخطوة فتح معبر رفح البري، التي تثير موجة من الانتقادات في الأوساط الداخلية الإسرائيلية، إذ وصف المحلّل السياسي في «القناة الـ13»، تسيفي يحزقيلي، افتتاح المعبر بأنه «ليس الخبر السار بالنسبة إلى إسرائيل، فكل خطوة تساهم في إعمار غزة تساهم فعلياً في إعادة تأهيل حماس»، مضيفاً أن «الخطوة برمّتها إشكالية، ولا يسعنا إلا أن نأمل أن يتمكّن المدنيون الغزيون من مغادرة القطاع رغم أن الرئيس المصري منع مثل هذا الخروج بشكل شبه كامل حتى الآن، ومن الصعب التصديق أنه سيغيّر اتجاهه». وتابع يحزقيلي: «عملياً، من المتوقّع أن يُستخدم معبر رفح بشكل أساسي لإدخال البضائع، القوة، التكنولوجيا، والأموال التي من شأنها تعزيز حماس. إن لجنة إدارة غزة جاهزة بالفعل»، لافتاً إلى أن «هذا المشهد – لمن غطى أحداث أوسلو قبل ثلاثين عاماً – يبدو مألوفاً للغاية: فنادق، ابتسامات، الكثير من المال، وقبل كلّ شيء الكثير من السذاجة الإسرائيلية. إن من لا يقبل بمجرد وجودنا لن يخلق واقعاً جديداً في غزة. وكما قال مسؤول رفيع في حماس ذات مرة، غزة هي غزة».
أمام هذه الوقائع، يكثر الحديث في وسائل الإعلام العبرية عن محاولة إسرائيلية لتثبيت واقع عدم الاستقرار القائم، بما يعرقل المساعي الدولية لتمرير «خطة ترامب»، باعتبار أن أيّ تقدّم في مسار إعادة الإعمار من شأنه وأد طموحات التهجير وتفريغ الأرض من سكانها. وعليه، يمكن قراءة جولات التصعيد المستمرة على فترات متقاربة، على أنها محاولة لتعزيز قناعة جمعية لدى سكان القطاع بأن هذه البلاد لا مستقبل فيها لأهلها، وبأنه لا مناص أمامهم من الرحيل.
باختصار، تضع إسرائيل في صلب سياستها تجاه غزة جملة من المُحدّدات، أهمها ربط عملية إعادة إعمار القطاع والانسحاب منه بتفكيك سلاح المقاومة والقضاء على «حماس»؛ إذ تعتبر تل أبيب «الخط الأصفر» مكتسباً أمنياً وخطّ دفاعٍ متقدّماً عن المستوطنات المحاذية لغزة، لا يجب الانسحاب منه إلا في حال انتفاء أي تهديد ولو على المدى البعيد. وفيما تؤكّد فصائل المقاومة تمسّكها بسلاحها، تبقى حالة الاشتباك المنخفض الوتيرة القائمة مرشّحة للاستمرار، لسنوات قادمة.
مرتبط