إيران وقمة دماوند: الصلابة واحدة!
موقع ميادين المقاومة
4 أيام مضت
أخبار هامّة, الرئيسية, النشرة الدولية, النشرة اللبنانية, مقالات مختارة, منوّعات
«بصلابة جبل دماوند، أعلى قمم إيران، وبمتانة جبال البرز المحيطة به… طهران قوية وشجاعة وصلبة».

«بصلابة جبل دماوند، أعلى قمم إيران، وبمتانة جبال البرز المحيطة به… طهران قوية وشجاعة وصلبة».
شعارات تملأ شوارع العاصمة، في إطار حملة إعلامية واسعة تسعى إلى صياغة رواية المواجهة بعد أعمال التخريب الأخيرة. بين اللافتات صور لشرطي يحمي طفلة بجسده الجريح.
في المقابل، توحّدت الشاشات تحت شعار «إيران الحبيبة»، مُخصِّصةً مساحات واسعة للتعبئة العامة، عبر أناشيد حماسية، ومقاطع من خطابات الإمام علي الخامنئي، إلى جانب تقارير ميدانية عن آثار التخريب والشغب، ومقابلات مع جرحى من رجال الأمن والمدنيين في المستشفيات. وينسحب المشهد نفسه على الإذاعات، التي فتحت هواءها لاتصالات المواطنين، عاكسةً مشاعر التضامن ورفض التخريب والتهديد بالحرب على بلادهم.
لميدان آزادي (الحرية) رمزية خاصة في طهران. فهذا الميدان، الذي شُيّد في عهد الشاه احتفاء بمرور 2500 عام على الحكم البهلوي وصمّمه مهندس إيراني لم يتجاوز الرابعة والعشرين من عمره، ارتبط لاحقاً بالثورة الإسلامية، إذ شهد أبرز التظاهرات التي مهّدت لسقوط الشاه. وقد عمدت السلطات إلى وضع هيكل سيارة إسعاف محترقة في وسطه، كشاهد على عدوان تل أبيب على إيران في حزيران الماضي، واستهداف طواقم الهلال الأحمر أثناء محاولتها إنقاذ ضحايا مبنى الشرطة الذي قُصف في العاصمة. وتتكرّر هذه الشواهد في أكثر من منطقة في طهران.
في «بهشت زهراء»، حيث دُفن شهداء الثورة منذ بدايتها مروراً بالحرب مع العراق وصولاً إلى مواجهة «داعش»، خُصّصت مساحة جديدة للشهداء المدنيين الذين سقطوا في الحرب الأخيرة.
وتُظهِر صورهم تنوّع الأعمار والانتماءات، من الأطفال إلى المسنّين، فيما تضم بعض القبور عائلات كاملة، إلى جانب رفات أبرز القادة الذين قضوا في الحرب، من بينهم اللواء أمير علي حاجي زاده قائد القوة الجوفضائية في الحرس الثوري، واللواء محمد حسين باقري رئيس هيئة الأركان العامة للقوات المسلّحة، المدفون مع زوجته وبجوار ثلاثة من أبرز القادة.
ويحرص المعنيون على توثيق تفاصيل العدوان الأخير وإبراز وحشيته، بما في ذلك استهداف قادة وعلماء نوويين في منازلهم مع عائلاتهم. هذه الفظائع تركت ندوباً عميقة في قلوب الناس، ما انعكس التفافاً واسعاً حول الجمهورية وقائدها خلال العدوان الأخير، ويبدو من حديث الناس أن هذا الموقف لن يتغيّر في مواجهة أي عدوان مستقبلي.
ومع أنّ وتيرة التهديد ضد إيران خلال الأيام الماضية بلغت مستويات غير مسبوقة، إلا أن حركة الشوارع أكثر من طبيعية. هذا ما تلاحظه في ميدان تجريش، أحد أشهر ميادين شمال طهران، الذي يمثّل مركزاً حيوياً للتسوّق والسياحة والحياة اليومية، ونقطة تجمّع رئيسية للمواصلات العامة من حافلات وتاكسي ومترو.
والحيوية المعتادة تنعكس أيضاً في بازار تجريش التقليدي المشهور بالفواكه والتوابل والمُنتجات المحلية، وفيه يقع مرقد زاده صالح، ابن الإمام الكاظم، وهو موقع ديني وتاريخي مهم. وهنا تكمن نقطة ضعف خصوم إيران، الذين يجهلون أهمية البعد الديني في الشخصية الإيرانية، خصوصاً أولئك الذين راهنوا على ردود فعل مختلفة بعد إحراق المساجد والحسينيات.
الحياة العادية في الأسواق لا تخفي تفاعل الناس مع التهديدات الأميركية فيما يرتفع منسوب الوطنية الإيرانية عند مختلف الشرائح
شابّة ــ مثلها كثيرات ــ تضع ما يشبه الحجاب مع زينة كاملة، وتُسرِع الخطى وترتّب أمورها للدخول إلى المرقد. يصاحب المشهد صوت موسيقى إيرانية شجية، وصوت شاب يغنّي لإيران الجميلة، إلى جانب فتاة ترتدي الشال الإيراني التقليدي تنقر على طبل صغير.
بائع خُضَر ينظّم بسطته بإتقان يذكّر بأفخر أنواع السجاد العجمي أو المنمنمات الأصفهانية، ويردّ على سائليه بصوت عالٍ: «ترامب كاذب وجبان!».
من تجريش إلى شارع وليّ عصر القريب، الشارع الأطول في طهران، الممتدّ من ميدان راه آهن جنوباً إلى ميدان تجريش شمالاً، شُقّ هذا الشارع بطلب من الشاه لتسهيل تنقّله بين قصره الشتوي والصيفي، وبقي حكراً عليه حتى عام 1942، قبل أن يُفتح أمام العامة، ليصبح اليوم مرآةً تختصر التنوّع الثقافي والاجتماعي في العاصمة.
الازدحام سيّد المشهد في وليّ عصر. المقاهي مكتظّة بالناس رغم برد الشتاء، الذي يحرم الشارع من إحدى أجمل سماته: أشجار الدلب الطويلة التي تزيّن جانبيه من شماله إلى جنوبه. غير أنّ ما يعكّر صفو الصورة هو تزاحم الأسئلة، وسط قلق مكتوم لدى محبّي إيران مما هو آتٍ، يقابله هدوء حذر بانتظار مواجهة محتملة.
هنا تلمس الإجراءات القائمة، وتفهم معنى تقييد الإنترنت الذي اعتمدته وزارة الأمن في مواجهة التطورات الأخيرة. فعلى الرغم من سلبياته العديدة، ولا سيما على صعيد الخدمات الخارجية، أُعيد تفعيل الشبكة جزئياً لتلبية بعض الخدمات داخل إيران، مع تخصيص نقاط مُحدّدة للإعلاميين تتيح لهم استخدام الإنترنت المفتوح. وفي حسابات السلطات، يهدف هذا التقييد إلى كبح أخطر الأسلحة في الداخل: الإعلام المعادي الموجّه، في مشهد لا يبتعد كثيراً عمّا يشهده لبنان من فوضى تحريضية بلا أي ضوابط، ولو كانت تحريضاً لآفيخاي أدرعي من لبناني لقتل لبناني آخر.
أمّا خلاصة الاستعداد الداخلي لأيّ حرب مفروضة، فتتجلّى بوضوح في ميدان الثورة، حيث تنتصب لافتة ضخمة كُتب عليها: «من يزرع الريح يحصد العاصفة»، تعلو صورة غرافيكية عالية الدقّة لحاملة طائرات أميركية في عرض البحر، رُسمت نجوم علمها على هيئة نقاط سقوط الصواريخ الإيرانية، مُمتزِجة بخطوط الدم والمياه البيضاء التي تجسّد العلم الأميركي.
أن تكون مسافراً إلى إيران
بالفجور لا بالقانون، ومن دون أي منطق أو عقل، يُدار الحكم في لبنان. ورحلة واحدة من بيروت إلى إيران كفيلة بكشف المشهد على حقيقته.
يا لذنبي «الأعظم» كمواطنة لبنانية إن كانت طهران وجهة سفري. وإن كنتُ مضطرّة إلى المرور عبر بغداد أو النجف، فهذا يعني تكرار إجراءات السفر مرتين، أمّا إذا اخترتُ السفر على متن شركة الطيران الوطنية «الميدل إيست»، فستواجهني عراقيل من نوع آخر: يُمنع إدخال أكثر من قطعة أمتعة، ولو لم يتجاوز وزنها كيلوغراماً واحداً، بذريعة قرار يسمح بحقيبة واحدة فقط.
في قاموس حكّام لبنان اليوم، كلّ مسافر إلى إيران مُتّهم حتى يثبت العكس، وعليه تحمّل مشقّة السفر أو العدول عنه. لكن من يجيب عن سؤال بديهي: إذا كنتَ من أتباع المذهب الشيعي وتريد زيارة مقام الإمام علي الرضا في مشهد، فكيف تفعل ذلك؟ سرعان ما يخرج من يصف الأمر بالترف غير المُبرّر، لأن إيران، في أذهان هؤلاء، ليست سوى «حزب الله والمقاومة»، والرحلة إليها تعني تلقائياً تهريب أموال إلى لبنان… أو ربما صواريخ دقيقة ومُسيّرات.
هكذا، انصاعت حكومة الخزي والعار في بلدنا لقرار منع الطيران الإيراني من الهبوط في مطار بيروت الدولي. فكل محاولة للالتفاف على أوامر واشنطن وتل أبيب لها ثمنها وعقوبتها، وعندها لا يبقى أمامك سوى القول: فليكن التعب، ولو صارت الرحلة شاقّة، مُرهِقة، أو حتى مُكلِفة. غير أنّ القصة لا تنتهي هنا. فرحلة العودة من إيران لها كلفتها أيضاً عند من يحكم المطار في بيروت.
وهناك، تدرك حجم «ذنبك العظيم» فور وصولك. الحقيبة موجودة في قسم الشحن. تنزل من الطائرة، تمرّ على موظف الأمن العام وتحصل على ختم الدخول، ثم تُسرِع إلى صالة تسلّم الأمتعة.
عندها تبدأ رحلة الانتظار. تقف طويلاً تراقب مسافرين لبنانيين وصلوا للتوّ من باريس أو مصر، ينتظرون حقائبهم لبضع دقائق قبل أن تنتهي معاملتهم سريعاً. أمّا أنت، ومعك آخرون قدموا من النجف أو بغداد، فتبقون واقفين، تحدّقون في «شريط» الحقائب يدور بلا نهاية، بانتظار «الإفراج» عن أمتعتكم بعد وقت طويل. تفهم عندها أن الحقيبة نفسها مُتّهمة، حتى تثبت براءتها من حمل أي «دعم».
فيما يجري التفتيش بعيداً عن أعين أصحاب الحقائب، حيث تمتدّ بعض الأيدي لـ«تستحلي» علبة عسل أو هدية صغيرة اشتريتها لقريب أو صديق. لكن مَن يحاسب مَن؟ ومَن سيلتفت إلى أمرك أصلاً؟
من الواضح، وببساطة فاضحة، أنّ من يقوم بهذه الممارسات رأسه «كبير» إلى حدّ يعتبرك ساقطاً بحكم موازين القوى. نعم، وللأسف، هذا ما يحصل. فالذي انصاع ذليلاً للخارج، يحاول تفريغ ذلّه عليك. وإن فكّرت بالاعتراض، فافعل ما يحلو لك؛ فهو، في نظر نفسه، يقوم بـ«واجب وطني مُقدّس» وفق منطق قانون دبلوماسي رديء، حيث «السلبطة» وانعدام الأخلاق في التعامل مع حقائب المسافرين، ومنعهم من أبسط حقوقهم في معرفة ما الذي يجري لممتلكاتهم.
ومن عجائب هذا العصر أيضاً، تسريب المعلومات إلى صحافة تعمل لمصلحة أميركا وإسرائيل، لتنسج روايات عن «بطولات» وهمية بحق دبلوماسي إيراني أو أكثر: كيف مُنع من إدخال حقيبة، أو أُجبر على فتحها… بطولات مُصطنعة تُسوَّق للإعلام، فيما الواقع إهانة صريحة للناس وحقوقهم.
أكتب هذا وفي رأسي صوت مُتخيَّل، أشعر أنه الأكثر مُلاءمة لاستقبالنا:
«أهلًا بك عزيزي المسافر في مطار رفيق الحريري الدولي… نشكرك على انصياعك لقوانين الإذلال الأميركية والصهيونية التي قرّرنا الخضوع لها وفرضها عليك، أيها المسافر إلى إيران… نتمنّى لك رحلة مُتعِبة، صعبة وشاقّة، ونأمل ألّا تعيدها مرة ثانية… وشكراً».
ويرتدّ صدى هذا السفور بعبارة واحدة تستقرّ في العقل والقلب معاً: خزّنوا غضبكم!
مرتبط