خطة كوشنر لإعمار غزة: من الإغاثة إلى الهندسة الديموغرافية

يؤكد الكاتب والباحث السياسي، إياد القرا، في حديث إلى «الأخبار»، أن خطة كوشنر ليست جديدة في جوهرها، بل تمثّل امتداداً لمخططات قديمة حاولت تصوير غزة كمشكلة اقتصادية قابلة للحل عبر المشاريع والاستثمارات، مع تجاهل السبب الجذري للأزمة والمتمثل في الاحتلال.

كُشف في منتدى دافوس عن خريطة ثلاثية الأبعاد تقسّم غزة إلى مساحات عمرانية وسياحية وصناعية وزراعية..

في قطاع غزة، يعيش السكان تحت وطأة حصار خانق، وحرب مدمرة، وفي خيام مهترئة، وبين ركام منازلهم التي دمرها جيش الاحتلال الإسرائيلي على مدار عامين من حرب الإبادة المستمرة. وفي دافوس، حيث المؤتمر الاقتصادي، كان جاريد كوشنر، مستشار الرئيس الأميركي وعضو مجلس السلام الذي شُكّل مؤخراً، يعرض «رؤية شاملة» لإعادة بناء القطاع، مسوّقاً إياه كوجهة استثمارية كبرى.

البُعد الديموغرافي الكامن

وفي هذا الصدد، يؤكد الكاتب والباحث السياسي، إياد القرا، في حديث إلى «الأخبار»، أن خطة كوشنر ليست جديدة في جوهرها، بل تمثّل امتداداً لمخططات قديمة حاولت تصوير غزة كمشكلة اقتصادية قابلة للحل عبر المشاريع والاستثمارات، مع تجاهل السبب الجذري للأزمة والمتمثل في الاحتلال الإسرائيلي، مشيراً إلى أن تدمير القطاع لم يكن نتيجة خلل تنموي «بل حصيلة مباشرة لسياسات الاحتلال الإسرائيلي الممنهجة، ما يجعل أي معالجة اقتصادية منفصلة عن السياق السياسي معالجة مضللة».

ويرى القرا أن الخطة تنسجم مع رؤية الإدارة الأميركية خلال عهد دونالد ترامب، القائمة على عقلية الصفقات، «حيث تُختزل القضايا السياسية المعقّدة في حلول اقتصادية، بحيث يعاد تسويق ما يسمونه ازدهار غزة، مشروطاً بنزع سلاح المقاومة، كذلك إعادة تعريف ما تسميه واشنطن التطرف، مقابل وعود بمشاريع استثمارية كبرى، تحت عناوين مثل ريفييرا الشرق الأوسط».

وبحسب القرا، فإن الأخطر مما سبق هو البعد الديموغرافي والجيوسياسي للخطة، ويقول «قطاع غزة الذي يضم نحو 2.5 مليون نسمة على مساحة لا تتجاوز 360 كيلومتراً مربعاً، يمثل تحدياً ديموغرافياً للاحتلال الإسرائيلي، لا سيما في ظل سيطرتها المباشرة أو غير المباشرة على أجزاء واسعة من أراضي القطاع».

ويعتبر الباحث السياسي أن التحدي الأساسي أمام الخطة يتمثل في استحالة تنفيذها وفق الشروط التي يفرضها الاحتلال، فضلاً عن الرفض الفلسطيني المتوقع، ويقول «الأولوية الفلسطينية هي إعادة إعمار ما دمره الاحتلال، لا تنفيذ مشاريع مشروطة أمنياً وسياسياً»، مذكراً بتجارب سابقة «فاشلة»، منذ الحديث عن «سنغافورة الشرق الأوسط» في تسعينيات القرن الماضي، وصولاً إلى مشاريع اقتصادية لم تُحدث أي تحوّل حقيقي في بنية الاقتصاد أو في الواقع السياسي.

ولا يستبعد القرا أن تتضمن الخطة، في مراحل لاحقة، محاولات لإعادة تشكيل الوعي الفلسطيني، عبر تعديل المناهج أو فرض أنماط ثقافية جديدة، كجزء من مقاربة شاملة تستهدف المجتمع لا الاقتصاد فحسب.

وكانت قد كُشفت، في منتدى دافوس الاقتصادي وعلى هامش الإعلان عن «مجلس السلام العالمي»، خريطة ثلاثية الأبعاد تقسّم غزة إلى مساحات عمرانية وسياحية وصناعية وزراعية، تشمل ناطحات سحاب لامعة، ومرافق سياحية على الساحل، وأحياء كاملة للأعمال والتجارة، وتضم ميناءً بحرياً ومطاراً ومعبراً حدودياً، في محاولة لرسم مستقبل زاهر لقطاع لا يزال سكانه يواجهون تبعات الإبادة والتهجير.

تبدو خطة كوشنر مشروعاً سياسياً بغطاء اقتصادي يسعى إلى إعادة هندسة اقتصاد غزة وديموغرافيتها..

أرقام ضخمة واقتصاد هش

ومن زاوية اقتصادية، يرى الخبير الاقتصادي، أحمد أبو قمر، في حديث إلى «الأخبار»، أن الخطة تقوم على رهانات عالية المخاطر، «فالمشروع الذي تُقدّر كلفته بأكثر من 112 مليار دولار على مدى يتجاوز عقداً من الزمن، يعادل أكثر من 30 ضعف الناتج المحلي الإجمالي السنوي لغزة قبل الحرب، ما يجعله قفزة غير منسجمة مع واقع اقتصادي هش ومحاصر وضعيف القاعدة الإنتاجية».

ويبيّن أبو قمر أن الأكثر إشكالية في الخطة هو هيكل التمويل المقترح، «حيث لا تتجاوز المساهمة الأميركية 20% من إجمالي الكلفة، مقابل أكثر من 80% تمويلاً غير محدد المصدر، ما يعني أن المشروع يقوم على افتراضات سياسية ومالية، أكثر مما يستند إلى التزامات فعلية قابلة للقياس».

ويقول الخبير الاقتصادي أن تجارب الإعمار في مناطق النزاع تُظهر أن فجوة التعهدات والتمويل الفعلي قد تصل إلى 40–50%، «ما يهدد بتحول المشروع إلى خطة مجتزأة أو متوقفة في منتصف الطريق، مع كلفة غارقة مرتفعة ودون عائد اقتصادي حقيقي».

ويحذر أبو قمر من أن الخطة لا تقتصر على إعادة البناء «بل تتحدث عن إعادة تشكيل كاملة للبيئة العمرانية والتركيبة السكانية، من دون تقديم تصور واضح لمصير السكان الحاليين»، لافتاً إلى أن غموضاً يكتنف ملف أصحاب الأراضي والعقارات، «حيث تتحدث بعض التقارير عن سيناريوهات غير ملزمة، مثل تحويل المالكين إلى مساهمين صغار في المشاريع الكبرى، أو منحهم وحدات بديلة، من دون ضمانات قانونية واضحة».

ويلفت إلى أن المعطيات الأولية تشير إلى اعتماد آليات جديدة للتعامل مع الملكيات، أبرزها، وفقاً لأبو قمر «السجلّ العقاري الرقمي، باعتباره مدخلاً لمعالجة تداخل الملكيات وفق توصيف كوشنر، ونظام المقايضة، عبر منح أصحاب العقارات أسهماً أو وحدات بديلة بعد التطوير، ومناطق الامتياز الاستثماري، خصوصاً في المناطق الساحلية، حيث يخيّر المالكون بين البيع أو الدخول كشركاء صغار في مشاريع سياحية».

دوافع اقتصادية وجيوسياسية أوسع

وفي ردّه على سؤال دوافع الاهتمام الأميركي والدولي بقطاع غزة، يرى الخبير الاقتصادي أن الخطة المطروحة لا تنفصل عن سياق إقليمي أوسع، تتجاوز فيه غزة كونها ساحة إعمار أو استثمار، لتتحول إلى نموذج تجريبي قابل للتعميم. ويقول أبو قمر «تنظر الولايات المتحدة إلى غزة بوصفها مساحة محدودة يمكن اختبار ما تسمّيه السلام الاقتصادي فيها، تمهيداً لتطبيق النموذج ذاته في مناطق أخرى من الإقليم، مثل الأردن أو سيناء، بما يسمح بإحداث تغييرات في التركيبة السكانية والديموغرافية والثقافية، وليس فقط في البنية الاقتصادية».

ويشير إلى أن هذا البعد التجريبي يمنح غزة أهمية خاصة في الحسابات الأميركية، «باعتبارها نموذجاً مصغراً لإعادة هندسة المجتمعات عبر أدوات اقتصادية تحت عناوين الاستثمار والاستقرار، ما يجعل الخطة أبعد من كونها مشروع إعادة إعمار تقليدي».

ويضيف «هناك عاملَين اقتصاديَين استراتيجيَين يشكلان دافعاً إضافياً للاهتمام الدولي بالقطاع، الأول يتعلق بالثروات الطبيعية وعلى رأسها غاز بحر غزة الذي جرى اكتشاف جزء منه منذ سنوات فيما لا تزال أجزاء أخرى غير منقّبة، في ظل أطماع أميركية وأوروبية وإسرائيلية بالتحكم بهذه الموارد واستثمارها».

ويتابع «أما العامل الثاني، فيرتبط بمشروع قناة بن غوريون التي يراد لها أن تربط البحر الأحمر بالبحر المتوسط مروراً بغزة، وفي حال تنفيذها، قد تشكل هذه القناة بديلاً استراتيجياً لقناة السويس، بما يحمله ذلك من تحولات كبرى في حركة التجارة العالمية، وخسائر محتملة لإيرادات مصر، مقابل مكاسب اقتصادية وجيوسياسية للاحتلال الإسرائيلي وشركائه».

ويلفت أبو قمر إلى أن تلك الاعتبارات تتقاطع مع هدف غربي أوسع يتمثل في فرض حالة من الاستقرار المدار في دول الطوق المحيطة بالاحتلال الإسرائيلي، بما يخفف عنها الأعباء الأمنية، ويعيد ترتيب الإقليم وفق معادلات اقتصادية وأمنية جديدة، تكون غزة إحدى ساحاتها المركزية.

وعليه، تبدو خطة كوشنر مشروعاً سياسياً بغطاء اقتصادي، يسعى إلى إعادة هندسة اقتصاد غزة وديموغرافيتها، أكثر مما يستهدف إعادة إعمارها، ومع غياب الاستقرار، وضبابية التمويل، وتجاهل حقوق السكان، تبقى الخطة أقرب إلى إدارة الأزمة لا معالجتها، وإلى تكريس وقائع جديدة على الأرض بدل إنهاء جذور الصراع.

عن موقع ميادين المقاومة

من الداخل إلى الإقليم و العالم، لتكون الأقرب للمشهد السياسي.. بمنظورٍ مُقاوِم! هدفنا أن تكون بيئتنا الكريمة شريكةً في الوعي.. لا مجرّد متلقّية للخبر!

شاهد أيضاً

حزب الله رداً على بيان وزارة الداخلية السورية:‏ حريص كل الحرص على وحدة سوريا و ليس لدينا أي نشاط أو إرتباط فيها!

بيان صادر عن العلاقات الإعلامية في حزب الله حول بيان وزارة الداخلية السورية:‏ تعليقاً على …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *