«كابل بحري» جديد خارج السيادة

أقرّ مجلس الوزراء، في جلسته المنعقدة بتاريخ 15 كانون الثاني 2026، الموافقة على طلب وزارة الاتصالات الانضمام إلى مشروع الكابل البحري الدولي MEDUSA، عبر توقيع اتفاق رضائي مع شركة MEDUSA Submarine Cable System S.L

أقرّ مجلس الوزراء، في جلسته المنعقدة بتاريخ 15 كانون الثاني 2026، الموافقة على طلب وزارة الاتصالات الانضمام إلى مشروع الكابل البحري الدولي MEDUSA، عبر توقيع اتفاق رضائي مع شركة MEDUSA Submarine Cable System S.L، ورصد اعتماد بـ10.5 ملايين دولار أميركي من موازنة عام 2026 لتغطية النفقات المترتّبة عن هذا الانضمام. هذا القرار، إلى جانب ما سبقه من قرارات تتعلق بالاتصالات، تترك مجالاً واسعاً للشكوك باستراتيجية وزارة الاتصالات التي تبدو كأنها «غبّ الطلب».

فخلال مدة زمنية متقاربة، تتقدّم الدولة في أكثر من اتجاه في آن واحد: استبدال كابل بحري قديم، الانضمام إلى كابل دولي جديد، والترخيص لخدمة «ستارلينك». هذه الخطوات، لم تُعرض حتى الآن ضمن إطار استراتيجي مُعلن يوضّح كيفية تكاملها وترتيب أولوياتها، بل تبدو أقرب إلى خطوات متناثرة، فلماذا لا يتم التأنّي قليلاً ووضع استراتيجية واضحة طويلة الأمد، قبل الإقدام على أي خطوة ستكلّف الخزينة مبالغ كبيرة.

في الواقع، برّرت وزارة الاتصالات سعيها إلى الانخراط في كابل بحري جديد، بالحاجة إلى تعزيز البنية التحتية الرقمية وتأمين سعات دولية إضافية تدعم التحوّل الرقمي وخدمات الحكومة الإلكترونية وشبكات الجيلين الرابع والخامس، إضافة إلى تقليص المخاطر الناتجة من اعتماد لبنان على عدد محدود من خطوط الربط الدولي.

وتشير الوزارة، إلى أنّ انضمام لبنان إلى هذا النظام يتيح تأمين نقطة ربط إضافية عبر بيروت. كما يتمتع بأهمية استراتيجية خاصة، كونه يوفّر مساراً بديلاً للربط الدولي، ويؤمّن للبنان موقعاً متقدّماً ضمن شبكة الاتصالات الإقليمية في شرق المتوسط، إضافة إلى كونه مصمّماً لاستيعاب سعات فائقة تتجاوز 20 تيرابت في الثانية.

كما يلحظ القرار أنّ تنفيذ مشاريع الكابلات البحرية يستغرق عادة سنوات طويلة من التخطيط والتنفيذ، ما يجعل الانضمام إلى MEDUSA خياراً «جاهزاً» نسبياً. أيضاً يلفت القرار إلى أنّ الانضمام يتم عبر اتفاق رضائي مع الشركة المالكة والمشغّلة للكابل، لأنها الجهة الوحيدة القادرة على توفير هذا المسار، والقبول بمبدأ اللجوء إلى التحكيم الدولي في حال نشوء نزاعات متصلة بتطبيق العقد.

كريدية: لبنان بحاجة إلى كابل سيادي خاص به مهما بلغ عدد الكابلات الأخرى

لكن خلف هذا القرار، تبرز أسئلة تقنية واستراتيجية تتجاوز مضمون الموافقة الحكومية، وتتصل بواقع الكابلات البحرية العاملة في لبنان، وبكيفية إدارة هذا الملف الحيوي على المدى المتوسط والبعيد، ولا سيما أن الخطوات التي تُعرض على مجلس الوزراء من وزارة الاتصالات لا تبدو مترابطة في استراتيجية واضحة، ويغلب عليها طابع التبعية بدلاً من السيادة الرقمية والأمن الرقمي. فبحسب المدير العام السابق لهيئة «أوجيرو» عماد كريدية، يعتمد لبنان على كابلين أساسيين يحملان الجزء الأكبر من حركة الإنترنت الدولية.

الأول هو كابل IMEWE (India–Middle East–Western Europe)، الذي وضع في الخدمة في عام 2010، وهو يُعدّ العمود الفقري للاتصال الدولي اللبناني منذ أكثر من عقد.

أما الثاني فهو كابل CADMOS الذي يربط لبنان بقبرص، ويعود تاريخ تشغيله إلى منتصف التسعينيات. ويشرح كريدية أنّ العمر التصميمي المعتاد للكابلات البحرية يقرب من 25 عاماً، ما يجعل CADMOS كابلاً هرِماً تجاوز عملياً عمره الافتراضي، فيما بات IMEWE بدوره في مرحلة متقدّمة من عمره التشغيلي. ومع ذلك، يؤكد أنّ الوضع الحالي لا يشكل خطراً آنياً على خدمة الإنترنت في لبنان، إذ لا تزال الشبكة تعمل ضمن الحدود التقنية المقبولة.

ويلفت كريدية إلى أنّ مشروع CADMOS-2 الموضوع قيد الإنجاز حالياً، سيستبدل كابل CADMOS المتهالك على المسار نفسه بين لبنان وقبرص. ويُفترض أن يوضع الكابل الجديد في الخدمة اعتباراً من أيلول 2026 إذا لم تطرأ أي عراقيل تقنية أو إدارية. ويهدف هذا المشروع حصراً إلى استبدال كابل انتهى عمره الافتراضي، لا إلى إضافة مسار جديد أو رفع عدد الكابلات العاملة.

علماً أنّ هذا المشروع موّلته شركة الاتصالات القبرصية الوطنية (CYTA) بالكامل، مع منح لبنان حصّة مجانية بنسبة 50%، مقابل تحكّمها بالتشغيل والاستثمار والصيانة، أي سيتم تقاسم عدد الألياف الضوئية (Fibers) داخل الكابل مناصفة بين الدولتين فيكون للبنان نصف السعات والنصف الآخر لقبرص.

أما كابل MEDUSA، بحسب كريدية، فقد بدأ النقاش حوله منذ عام 2022، حينها شُكّلت لجنة مشتركة بين وزارة الاتصالات و«أوجيرو»، وبدأت المفاوضات مع الشركة المشغّلة، للكابل حول شروط الانضمام والسعات المتاحة. ويرى كريدية أنّ إضافة مسار ثالث للبنان أمر ضروري من حيث المبدأ، إذ لا يمكن لبلد بحجم لبنان وموقعه الجغرافي أن يبقى معتمداً على مسارين فقط. قبرص مثلاً، ترتبط بـ13 كابلاً بحرياً وتستفيد من موقعها كنقطة عبور إقليمية.

لذا، يرى كريدية أنّ وجود ثلاثة كابلات بحرية عاملة على الأقل ليس ترفاً، بل هو الحدّ الأدنى المقبول تقنياً لتقليص المخاطر ورفع الجهوزية. ويعتبر أنّ اللجوء إلى الاتفاق الرضائي بشأن كابل MEDUSA يبدو أمراً حتمياً، لأن لبنان لا يملك الكابل ولا يديره، بل ينضمّ إليه كشريك أو مستفيد ضمن منظومة قائمة تملكها وتشغّلها جهة دولية.

ففي هذه الحالة، لا تكون الدولة اللبنانية في موقع «المشتري» الذي يمكنه فرض شروط قانون الشراء العام أو إطلاق مناقصة، لأنّها لا تشتري كابلاً تملكه أو تنفذه، بل تشارك في كابل قائم أو قيد التنفيذ وفقاً لشروط يحدّدها مالك المشروع. وبالتالي، يصبح الاتفاق الرضائي الإطار القانوني العملي الوحيد الممكن، لا خياراً استثنائياً أو التفافاً على القواعد.

لكن الإشكالية تكمن في التمييز بين الانضمام إلى كابلات دولية تملكها وتشغّلها شركات أجنبية، وبين فكرة الكابل السيادي التي طرحها كريدية قبل سنوات، أي أن تملك الدولة اللبنانية كابلاً يكون لها فيه حصرية القرار الكامل في تشغيله وإدارته واستخدامه.

وفي رأيه، إنّ لبنان بحاجة إلى كابل سيادي خاص به مهما بلغ عدد الكابلات الأخرى، ولا يقتصر دور الكابل السيادي على تأمين الإنترنت المحلّي، بل يمكن أن يتحوّل إلى أصل استراتيجي يسمح للبنان بالاستفادة من خدمات الترانزيت الإقليمي.

ويذكّر في هذا السياق بأنّ دولاً مثل مصر تحقق إيرادات سنوية كبيرة تقدر بمليار ونصف مليار من عبور الإنترنت عبر أراضيها. ويشير كريدية إلى أنّ كلفة هذا النوع من المشاريع كانت تُقدّر بين 45 مليون دولار و75 مليون دولار وفقاً لدراسات أُنجزت عام 2017، مع الإقرار بأنّ هذه الأرقام تحتاج إلى تحديث، وأنّ العوائق الأساسية أمام المشروع كانت دائماً تمويلية وسيادية.

عن موقع ميادين المقاومة

من الداخل إلى الإقليم و العالم، لتكون الأقرب للمشهد السياسي.. بمنظورٍ مُقاوِم! هدفنا أن تكون بيئتنا الكريمة شريكةً في الوعي.. لا مجرّد متلقّية للخبر!

شاهد أيضاً

الذهب يتراجع وسط رهانات على تبنّي «الاحتياطي الفيدرالي» نهجاً أكثر تشدّداً

سجل الذهب مستوى لم يبلغه من قبل عند 5594.82 دولاراً في الجلسة الماضية تراجعت أسعار …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *