قراءات إيرانية في الاضطرابات: استدعاء الخارج ليس حلاً

أعادت احتجاجات إيران العنيفة فتح أسئلة الجذور والتدخّلات الخارجية والاستقطاب المجتمعي، وسط تحذيرات من سيناريوهات ليبيا وسوريا ودعوات لإصلاحات عاجلة.

دخول غير مسبوق لأميركا على خط الاحتجاجات..

كانت الاحتجاجات التي شهدتها إيران أخيراً، الأكثر عنفاً منذ عقود، ما أثار تساؤلات كثيرة حول أسباب هذا الكمّ من العنف وتداعياته. وبحسب الإحصاءات الرسمية، فإن 3117 شخصاً لقوا حتفهم في هذه الاضطرابات، في حين تمّ (بشكل جزئي أو كلي) تدمير 350 سيارة إسعاف، و24 محطة وقود، و700 متجر محلي، و300 وحدة سكنية، و750 مصرفاً، و414 مبنى حكومياً، و749 مركزاً للشرطة، و120 مركزاً لقوات التعبئة، و200 مدرسة، و350 مسجداً، و15 مكتبة، وكنيستَين للأرمن، و253 محطة حافلات، و600 جهاز صرّاف آلي، و800 سيارة شخصية؛ علماً أن غالبية تلك الحوادث وقعت يومَي الخميس والجمعة في 8 و9 كانون الثاني الجاري.

إزاء ذلك، تكاثرت في الأوساط السياسية والإعلامية والأكاديمية التساؤلات حول جذور هذا العنف، وما إذا كانت كامنة في الأزمات الاقتصادية وتعذّر معالجتها، أم في عوامل خارجية، خصوصاً مع ثبوت تورّط أطراف غربية في تسليح عدد من الخلايا وتنظيمها؟ كما طُرحت إشكاليات مرتبطة بحجم الاستقطاب المجتمعي وتبعاته، وأخرى متصلة بالإجراءات التي يمكن أن يتخذها النظام لردم الفجوات وتحقيق الإصلاحات المنشودة.

تراكم الأزمات وخطر «الاستقطاب المجتمعي»

يرى المختصّ في الشأن الإيراني، مصطفى نجفي، أن أعمال العنف الأخيرة تقوم على «أرضية داخلية» و»محرّض خارجي». ويحذّر من «الاستقطاب المجتمعي وتفشّي الراديكالية»، معتبراً، في حديث إلى «الأخبار»، أن «المضي قدماً في الإصلاحات يمكن أن يسهم في عودة الأمل إلى المجتمع الإيراني ويحبط التدخّل الأجنبي»، منبّهاً إلى أن «تراكم الأزمات الاقتصادية التي لم تُسوَّ، واستنزاف رأس المال الاجتماعي، وتناقص أثر مسارات الإصلاح التدريجي واستمرار الفجوة بين الدولة والمجتمع، أمور أدّت إلى إنتاج الغضب الاجتماعي وحوّلت الاحتجاج من الأشكال الضئيلة الكلفة والقائمة على المطالب إلى سلوك أكثر راديكالية».

وفي معرض إشارته إلى دور العوامل الخارجية، يقول نجفي: «إننا شهدنا تنظيم الأشخاص المسلّحين بين الحشود المعترضة، من جهة، ودخولاً غير مسبوق لأميركا على خط الصراع، وتحفيزاً للمحتجّين على العنف والاستحواذ على المقارّ الحكومية. إن هذا التدخّل الأميركي صعّد من إدراك التهديد لدى السلطات الإيرانية، وأفرز توجّهاً أكثر تشدّداً في مواجهة الاضطرابات».

خطر التحوّل إلى سوريا أو ليبيا ليس وهمياً

ويعرب نجفي عن القلق حيال مستقبل إيران في ضوء ارتفاع منسوب العنف والراديكالية، ويقول إن «المؤشرات تفيد بتحرّك المجتمع نحو الاستقطاب المتزايد؛ ليس على المستوى السياسي (داعم – معارض لنظام الحكم) فحسب، بل على مستوى الهوية والأجيال، وحتى نمط الحياة. إن هذا النوع من الاستقطاب، إن تثبّت، فيعني تبلور ضرب من التصدّع النفسي والاجتماعي، ستكون إعادة تأهيله مكلفة للغاية». ويرى أن «أحد تداعيات اتّساع الهوة في المجتمع الإيراني يتمثّل في زيادة التعرّض للتدخّل الخارجي»، مشيراً إلى أنه «في الظروف التي ترزح فيها إيران تحت وطأة التهديدات الأمنية وسيناريوهات الحرب، فإن تقويض الانسجام الداخلي، يزيد بالفعل من كلفة الردع ويقوّض القدرة على المساومة ويجعل البلاد غير حصينة أمام التدخّل الخارجي».

ويعتبر نجفي أن «ترميم الواقع الراهن يحتاج إلى تركيبة من الإجراءات العاجلة والإصلاحات البنيوية، ومن بينها إعادة تأهيل الثقة بحدّها الأدنى، عبر الاعتراف بالتذمّر المجتمعي، وفتح قنوات حقيقية وآمنة للتعبير عن الاحتجاج والمشاركة، وإصلاح السياسات الاقتصادية المكلفة للطبقات الفقيرة، وتقليص فجوات الهوية، وتحاشي فرض الصبغة الأمنية الشاملة في المجتمع». ويؤكّد أن «الحل يكمن في داخل إيران لا خارجها»، مذكّراً بأنه «نظراً إلى ماضي تدخّلات أميركا وإسرائيل في بعض دول المنطقة، بما فيها أفغانستان والعراق وليبيا وسوريا وغيرها، فإن التدخّل الخارجي لا يرفد مطالب الشعب الإيراني، بل قد يعمّق الأزمة ويفرز نتائج كارثية».

خطر تحوّل إيران إلى ليبيا أو سوريا

من ناحيته، يصف رئيس تحرير صحيفة «طهران تايمز»، محمد صرفي، الوقائع الأخيرة في إيران بأنها «انقلاب ما بعد الحداثة»، ويرى أن «هذه الأحداث عزّزت أكثر من السابق، خطر تحوّل إيران إلى ليبيا أو سوريا، ونبّهت نظام الحكم في إيران إلى ضرورة التحرّك في اتجاه الإصلاح والترميم». ويقول، في حديث إلى «الأخبار»، إنه «إن ظنّ أحد أن وقائع 8 و9 كانون الثاني، قد انتهت، فهو ساذج»، معتبراً أنه «لو لم تكن المشاكل المزمنة والفجوات الداخلية قائمة، لما توفرت الظروف التي تتيح للأعداء استغلالها لتدبير مخططاتهم».

ورداً على سؤال عمّا إذا كانت الاضطرابات الداخلية أدّت إلى بروز استقطاب مجتمعي في إيران، يقول إن «مؤسستين داخليتين معتمدتين، أجرتا قبل الاضطرابات الأخيرة، استطلاعاً للرأي، عبرّت فيه نسبة 40% من المجتمع عن خيبة أملها من نظام الحكم. وبعد أحداث 8 و9 كانون الثاني، أُجري أستطلاع آخر للرأي، تراجعت فيه تلك النسبة! ويبدو هذا غريباً ومتناقضاً في الظاهر، لكن إن نظرنا إلى الأمر ملياً، سنجد أن أغلبية المجتمع خيارهم الحياة»، مبيّناً أنه «عندما ينزل البعض إلى الشارع بشعار تغيير نظام الحكم، ويحصل ذلك عبر العنف والجريمة، فإن الحياة تكون قد تعرّضت للتهديد. لذلك لا غرابة في أن يحصل هكذا تناقص في أعداد تلك الفئة من المُستطلَعة آراؤها».

ويرى صرفي أن الأحداث الأخيرة وبكل «مرارتها» ليست خالية من «الدرس والفرص» بالنسبة إلى الشعب والدولة، مشدّداً على ضرورة الجدّية والسرعة في تنفيذ الإصلاحات، ومعتبراً أن على المعارضة أيضاً «إن كانت تتحلّى بالعقلانية، أن تأخذ الدروس والعبر. فالذين لا يأخذون الدرس، يصبحون عبرة». ويختم بأن «الترميم والإصلاح، مسار يستغرق وقتاً، ولا يخلو من التحدّيات والعقبات. لكنه ليس أمامنا خيار سواه».

عن موقع ميادين المقاومة

من الداخل إلى الإقليم و العالم، لتكون الأقرب للمشهد السياسي.. بمنظورٍ مُقاوِم! هدفنا أن تكون بيئتنا الكريمة شريكةً في الوعي.. لا مجرّد متلقّية للخبر!

شاهد أيضاً

الذهب يتراجع وسط رهانات على تبنّي «الاحتياطي الفيدرالي» نهجاً أكثر تشدّداً

سجل الذهب مستوى لم يبلغه من قبل عند 5594.82 دولاراً في الجلسة الماضية تراجعت أسعار …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *