دعوات إسرائيلية إلى حصار بحري: زمن الردع التقليدي انتهى
موقع ميادين المقاومة
9 ساعات مضت
أخبار هامّة, الرئيسية, النشرة الدولية, مقالات مختارة, منوّعات
بين تل أبيب وواشنطن، يتقدّم خيار الحصار البحري كبديل عن الحرب مع إيران، وسط شكوك بفعاليته ومخاوف من التصعيد الإقليمي والانزلاق إلى مواجهة أوسع.

تتباين التقديرات في الساحة الإسرائيلية حيال الخيار الذي قد يلجأ إليه الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، في مواجهة إيران. غير أن خيطاً ناظماً يكاد يجمع هذه القراءات، يتمثّل في قناعة متزايدة بأن الردع، بصيغته التقليدية، لم يعد أداة كافية لإخضاع طهران. ذلك أن التجارب المتراكمة، وآخرها حرب الـ12 يوماً، رسّخت في أذهان جهات التقدير والقرار أن بقاء النظام الحالي يعني عملياً استحالة انتزاع استسلام سياسي منه – بمعزل عن حجم قدراته العسكرية -؛ فهو لا يعرّف وجوده بوصفه سلطة سياسية قابلة للدخول في مقايضات، بل منظومة مبادئ وخيارات يرى التنازل عنها مساساً بجوهر شرعيته. وإذ تمنحه هذه الصيغة مرونة تكتيكية واسعة في الوسائل، فهي ترفع سقف الثوابت إلى مستوى يجعل التنازل الاستراتيجي عنها أقرب إلى المحظور الوجودي.
من هذا المنطلق، يتردّد في بعض الأوساط الإسرائيلية استنتاج مفاده أن فرض «استسلام حقيقي» على إيران يستلزم المساس بأساس النظام ذاته، وهو خيار تدرك الولايات المتحدة كلفته البنيوية، التي لا تبدو مستعدّة لتحمّلها، خصوصاً في ظلّ سوابق أظهرت محدودية فعالية الحملات الممتدّة، حتى ضدّ دول أقل وزناً. ولعلّ ذلك الإدراك هو ما يدفع إلى البحث عن مسارات وسطية بين الحرب الشاملة والتسوية الدبلوماسية الهشّة، ومن بينها فكرة الحصار البحري المؤقّت، والتي يمكن البناء عليها لاحقاً للانطلاق نحو ضربة محدودة أو محاولة تحريك ديناميات داخلية تتقاطع مع ضغط خارجي.
بناء إجماع دولي متماسك حول حصار طويل الأمد يبدو غاية صعبة في ظل تباين مصالح القوى الكبرى
غير أن الحصار، بوصفه «بديلاً للحرب»، قد يتحوّل إلى رافعة تعبئة للنظام نفسه – بدلاً من أن يفتّت التماسك الداخلي -، خصوصاً أن خطاب الأخير يتمحور حول أولوية مواجهة «التهديد الخارجي». وعلى المستوى الجيوسياسي، سيدفع هذا الخيار، إيران، إلى تعميق شراكاتها مع قوى منافسة، وإلى تفعيل سياسات إحلال الواردات وتطوير قدرات محلية في قطاعات حساسة، بما يقلّل مستقبلاً من نفوذ الأدوات الاقتصادية الخارجية. كما أن بناء إجماع دولي حول حصار طويل الأمد يبدو غاية صعبة، ولا سيما في ظلّ تباين مصالح القوى الكبرى، الذي قد يفتح ثغرات في جدار العقوبات ويفقدها جزءاً من مشروعيتها وفعّاليتها في آن.
وإلى جانب هذه التعقيدات، يبرز خطر آخر لا يقلّ أهمية، يتمثّل في احتمال التصعيد الإقليمي عبر «الاستجابة غير المتماثلة». فالضغط الاقتصادي الشديد، يفتح الباب أمام احتمال نقل المواجهة إلى ساحات مغايرة، تُخفّف من تفوّق الخصم في ميدان وتحوّله إلى عبء في ميادين أخرى. على أن هذا النوع من الاحتكاك، تحفّه احتمالات سوء التقدير؛ فكل طرف يسعى إلى إيصال رسالة ردع من دون تجاوز العتبة التي تفرض حرباً شاملة، في حين أن تراكم الرسائل يرفع احتمال الانزلاق غير المقصود، حيث يمكن لحادث محدود أن يُفسَّر تصعيداً استراتيجياً، فتتسلسل الردود إلى خارج نطاق السيطرة.
اللافت في هذا السياق، أن بعض المروّجين لخيار الحصار البحري، يستندون إلى سابقة موافقة الإمام الخميني، على وقف الحرب مع العراق، حين بلغ التهديد مستوى يمسّ بكيان النظام نفسه. وينطلق هؤلاء من فرضية مفادها أن الضغط الاقتصادي، بما يحمله من تداعيات داخلية، قد يدفع المرشد الحالي، آية الله علي الخامنئي، إلى التراجع حفاظاً على بقاء النظام. غير أن إيران اليوم ليست هي إيران أواخر الثمانينيات؛ إذ إنها تمتلك بنية اقتصادية أكثر خبرةً في إدارة الضغوط، فضلاً عن امتلاكها قدرات صاروخية متطوّرة لم تكن متوافرة آنذاك. ومن شأن ذلك أن يمنحها أدوات ضغط مضادّ وقدرة أعلى على رفع كلفة أي مساس بأمنها القومي بمفهومه الواسع.
مرتبط