فضل الله: فرضنا 8000 مليار ليرة للإعمار

لم تحتج لجنة المال والموازنة إلى كثير من الصياغات لتقول ما حاولت الحكومة الل إخفاءه في مشروع موازنتها: لا خطة لإعادة الإعمار، ولا مقاربة جدّية للتعامل مع حجم الدمار الناتج من العدوان الإسرائيلي.

لم تحتج لجنة المال والموازنة إلى كثير من الصياغات لتقول ما حاولت الحكومة إخفاءه في مشروع موازنتها: لا خطة لإعادة الإعمار، ولا مقاربة جدّية للتعامل مع حجم الدمار الناتج من العدوان الإسرائيلي. فالحكومة اكتفت بتخصيص 31.1 مليون دولار للمساهمة في معالجة بعض الأضرار، أو ما يوازي 0.67% من الكلفة الإجمالية المُقدّرة بحسب البنك الدولي، وهو ما أثار بلبلة واسعة في لجنة المال والموازنة حيث كان مشروع موازنة 2026 قيد الدرس، ثم تطلّب الأمر «معركة» داخل اللجنة لـ«فرض» مبلغ إضافي لإعادة الإعمار، ليصبح مجموع الاعتمادات التي رُصدت لهذه العملية 89.4 مليون دولار، أي ما يوازي 1.9% من الكلفة التقديرية لأضرار المنازل.

في تقريرها المُحال إلى الهيئة العامة لمجلس النواب بعد دراسة مشروع موازنة 2026، شدّدت لجنة المال والموازنة على «الإسراع في تحديد الأصول والآليات لإدارة إعادة الإعمار»، وهو ما يمكن تفسيره بأنه إقرار من اللجنة بأنّ ما أُدرج من اعتمادات للإعمار في الموازنة المُحالة من الحكومة ليس سوى إجراء شكلي لا يرتقي إلى مستوى الكارثة.

والواقع أن ما لم يُذكر في التقرير، تكشفه كواليس المناقشات التي دارت هناك، إذ يقول النائب حسن فضل الله لـ«الأخبار»، إن هذه الزيادة البسيطة في الاعتمادات لم تأتِ نتيجة مبادرة حكومية أو إدراك رسمي لحجم الدمار، بل «فُرضت فرضاً داخل لجنة المال والموازنة، تحت ضغط مباشر من كتلتي الوفاء للمقاومة والتنمية والتحرير». هذا الضغط أدّى إلى زيادة المبلغ المُخصّص لإعادة الإعمار وإدخالها صراحة إلى مشروع الموازنة بصيغته النهائية، بعدما كانت الصيغة الحكومية الأصلية تكاد تُنكِر وجود ملف إعادة إعمار من أساسه.

فالموازنة، كما خرجت من لجنة المال، تضمّنت اعتمادات بقيمة 6000 مليار ليرة لمجلس الجنوب و2000 مليار ليرة للهيئة العليا للإغاثة، مقارنة مع محاولة من الحكومة لتقزيم الملف بكامله، إذ رصدت الحكومة اعتمادات بقيمة 2250 مليار ليرة في بند «الإنشاءات الأخرى لمجلس الجنوب»، ونحو 540 مليار ليرة في بند «الإنشاءات الأخرى للهيئة العليا للإغاثة».

أي ما مجموعه 2790 مليار ليرة أو ما يعادل 31.1 مليون دولار من دون إدراج صريح تحت عنوان «إعادة الإعمار». أمّا الزيادات التي أُقرّت لاحقاً داخل لجنة المال والموازنة، فبلغت 3750 مليار ليرة لمجلس الجنوب و1460 مليار ليرة للهيئة العليا للإغاثة، أي ما مجموعه نحو 5210 مليارات ليرة لبنانية خُصّصت صراحة لإعادة الإعمار بين الإيواء المؤقّت وأعمال الترميم. وبذلك أصبح المبلغ الإجمالي المرصود لهذا العمل 8000 مليار ليرة أو ما يعادل 89.4 مليون دولار.

يقول النائب حسن فضل الله إنّ زيادة الاعتمادات لإعادة الإعمار فُرضت فرضاً داخل لجنة المال

مسار إقرار هذه الاعتمادات لم يكن «تعديلاً تقنياً» أو تحسيناً محاسبياً، بل مواجهة سياسية فعلية داخل اللجنة، إذ يؤكد فضل الله أنّ هذه الزيادة في البنود وتخصيصها بشكل واضح، لم يكونا ليُقرّا لولا الإصرار عليهما، خصوصاً في ظل رفض صريح من الجهة المقابلة، ولا سيما كتلة الجمهورية القوية، التي صوّتت ضد هذه الاعتمادات رغم طابعها الإنساني والطارئ وارتباطها المباشر بإيواء المتضرّرين وترميم منازلهم.

ورغم هذه «المعركة»، إلا أن الصورة تبقى أكثر فداحة عند مقارنتها بالأكلاف التقديرية الموثّقة في مستندات صادرة عن البنك الدولي في آذار 2025 ضمن تقرير التقييم السريع للأضرار والاحتياجات (RDNA)، وفيه أن قطاع الإسكان وهو الأكثر تضرّراً من الحرب الإسرائيلية، بلغت الأضرار التي لحقت بالمنازل وحدها نحو 4.58 مليارات دولار أميركي، أي 67% من إجمالي الأضرار المادية على مستوى البلاد، مع تركّز الدمار بشكل خاص في محافظتي النبطية والجنوب. ففي المقابل، لا يتجاوز مجموع ما رُصد اليوم في الموازنة لإعادة الإعمار، 89 مليون دولار، أي ما يوازي 1.9% من كلفة الأضرار التي لحقت بالمنازل وحدها، من دون احتساب الأضرار الجديدة الناتجة من الاعتداءات المستمرة بعد تاريخ التقييم.

هذا التفاوت الفادح بين رقم موثّق دولياً لحجم الدمار السكني، وما رُصد له في الموازنة، لا يمكن أن يُعزى إلى محدودية الموارد مع إقرار وزير المال ياسين جابر بأنّ لدى الحكومة فائضاً أوّلياً يتجاوز مليار دولار في السنة الماضية وحدها، بل يكشف طريقة إدارة سياسية للكارثة: تقليل ممنهج لحجمها، وحصرها بأرقام لا تلامس الحدّ الأدنى من الواقع، وكأنّ إعادة إيواء عشرات آلاف المتضرّرين وترميم منازلهم ليسا أولوية وطنية، بل بند هامشي يمكن تمريره أو شطبه.

هكذا تحوّلت زيادة الاعتمادات إلى «معركة» داخل لجنة المال والموازنة، بدلاً من أن تكون قراراً بديهياً تفرضه الوقائع، ما يؤكد أنّ المشكلة ليست مالية فحسب، بل سياسية في جوهرها، وتتعلق بنكران رسمي لحجم الكارثة واستسهال إدارتها على حساب صمود الناس ومناطقهم.

عن موقع ميادين المقاومة

من الداخل إلى الإقليم و العالم، لتكون الأقرب للمشهد السياسي.. بمنظورٍ مُقاوِم! هدفنا أن تكون بيئتنا الكريمة شريكةً في الوعي.. لا مجرّد متلقّية للخبر!

شاهد أيضاً

دمشق تعلن اتفاقاً شاملاً لوقف إطلاق النار مع «قسد»

أعلنت دمشق وقف إطلاق النار مع «قوات سوريا الديمقراطية» (قسد) بموجب اتفاق شامل مع التفاهم …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *