ثاني زيارة للرئيس الانتقالي إلى موسكو | «سوريا الشرع»: الدور الروسي لا يزال مطلوباً
موقع ميادين المقاومة
يومين مضت
أخبار هامّة, الرئيسية, النشرة الدولية, مقالات مختارة, منوّعات
قبل يوم واحد من إحيائه الذكرى الأولى لتولّيه منصبه في 29 كانون الثاني 2025، حطّ الرئيس السوري الانتقالي، أحمد الشرع، في موسكو، حيث التقى الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، في زيارة هي الثانية له منذ تسلّمه الحكم.

يتّفق الخبراء على أن دور موسكو بوصفها أحد عوامل الردع والاستقرار لا يزال مطلوباً..
قبل يوم واحد من إحيائه الذكرى الأولى لتولّيه منصبه في 29 كانون الثاني 2025، حطّ الرئيس السوري الانتقالي، أحمد الشرع، في موسكو، حيث التقى الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، في زيارة هي الثانية له منذ تسلّمه الحكم. وتأتي هذه الزيارة في لحظة مفصلية تختبر «مرونة» العلاقة بين البلدَين، ومصير القواعد الروسية في سوريا ما بعد سقوط النظام السابق، واحتمالات التعاون المستقبلي. وكانت موسكو استطاعت، من خلال اعترافها بالواقع السياسي الجديد في دمشق، وإبدائها انفتاحاً عليه (تُرجم بإرسال شحنات من القمح والوقود، وتقديم مقترحات للتعاون الاقتصادي والإنساني، والقبول بإعادة النظر في الاتفاقيات الموقّعة مع السلطة السابقة)، الحفاظ على علاقة «متوازنة» مع دمشق، لتتواصل الاتصالات بين الجانبين، والتي شملت، خلال الأشهر الماضية، إلى جانب لقاء بوتين والشرع، لقاءات لوزيرَي الدفاع والخارجية.
وقال الشرع، أمس، إلى جانب بوتين في الكرملين: «تجاوزت سوريا خلال العام الماضي الكثير من العقبات، وكان آخرها تحدّي توحيد أراضيها». وأشار إلى أن توحيد سوريا يمثّل «تحدّياً كبيراً»، معتبراً أن روسيا تلعب «دوراً محورياً» في سوريا، من خلال «تحقيق الاستقرار داخلها وفي المنطقة بأسرها»، آملاً أن «تستمرّ هذه الجهود حتى تكون منطقة الشرق الأوسط في أفضل حال من التنمية والازدهار». أمّا بوتين فأشاد، بدوره، بجهود الشرع في سبيل «استعادة وحدة أراضي سوريا»، لافتاً إلى «(أننا) نسعى إلى زيادة النمو التجاري مع سوريا ورفع مستوى العلاقات في جميع المجالات». وأضاف أن «علينا فعل الكثير لإعادة إعمار سوريا والشركات الروسية مستعدّة للمساهمة في ذلك»، عادّاً «عودة شرق الفرات إلى أحضان دمشق خطوة مهمة في هذا الاتجاه، وسوف تُساهِم في إعادة سلامة ووحدة أراضي سوريا بشكل كامل».
وممّا لا شكّ فيه أن ملف شمال شرق سوريا ومستقبل قوات «قسد»، حضر على طاولة المحادثات، وإن لم يُذكر علناً. وفيما قُرِئت سيطرة السلطات الانتقالية أخيراً، على حقول النفط والغاز في شمال شرق البلاد، بعدما أخرجتها من يد «قسد»، باعتبارها «إعادة إمساك بالسيادة الاقتصادية» – بمعزل عن إطباق واشنطن على هذا الملف -، فإن موسكو تدرك أنها تتعامل مع سلطة انتقالية تسعى إلى بناء «شرعيتها» على أساس «استعادة وحدة البلاد» والسيطرة على مواردها. وهذا من شأنه، بطبيعة الحال، أن يفسح مجالاً لموسكو للعب دورها، ولا سيّما في ظلّ مساعي دمشق لخلق توازن في علاقاتها الخارجية وتوسيع هامش الحركة لديها، وإدراكها الفائدة المُحتملة لروسيا كـ«شريك أمني».
والجدير ذكره، هنا، أن الاختراق الحقيقي في العلاقات بين الجانبين لم يحدث إلّا بعد سلسلة من الخطوات التي اتّخذتها روسيا ومهّدت الطريق لهذا «الانفتاح»، فضلاً عن التطورات داخل سوريا نفسها، خصوصاً في جنوب البلاد، والتي دفعت القيادة الجديدة إلى تبنّي نهج أكثر براغماتية تجاه موسكو، ومطالبتها بتأدية دور أمني «كابح» للتمدّد الإسرائيلي هناك، إذ بعد نحو أسبوعين من الهجمات التي شنّتها إسرائيل على الأراضي السورية بذريعة «حماية الدروز» في تموز الماضي، أبدت دمشق اهتماماً بإعادة القوات الروسية إلى جنوب سوريا كوسيلة لـ«كبح» تحرّكات إسرائيل.
وإلى جانب ما تقدّم، شملت اللقاءات بين الجانبين قضايا التنسيق الأمني، بما في ذلك مراجعة وضع القواعد الروسية، والمساعدة في إعادة تأهيل الجيش السوري الناشئ، خصوصاً خلال زيارة الوفد الحكومي الروسي الذي ترأّسه نائب رئيس الوزراء، ألكسندر نوفاك، إلى دمشق، في أيلول الماضي. وفي مطلع تشرين الأول الفائت أيضاً، ناقش وفد من وزارة الدفاع الروسية قضايا من بينها رفع جاهزية الجيش السوري وصيانة المعدات العسكرية، في حين زار رئيس هيئة الأركان السورية، موسكو، لبحث خيارات شراء الأسلحة والتنسيق بين الجيشين.
يبدو الوجود العسكري الروسي راسخاً في المياه الدافئة
أمّا في خصوص الموقف الأميركي من ذلك التعاون، وفي ظلّ محاولات أميركية حثيثة إلى تثبيت واقع سوري جديد، يمكّن واشنطن من الانسحاب إلى ملفات أكثر أهمية بالنسبة إليها، تدرك الأخيرة أن إخراج موسكو بالكامل من سوريا ليس هدفاً واقعياً في المدى المنظور، فيما يبدو أنها ترى في القيادة السورية الجديدة «فرصة لضبط هذا النفوذ». ومن هنا، يمكن فهم الإشارات الأميركية الإيجابية التي سبقت زيارة الشرع إلى موسكو، خصوصاً اتصال الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، بالشرع، وحديثه عن «استقرار سوريا». مع ذلك، تعقد «لجنة الأمن والتعاون في أوروبا» (هلسنكي) التابعة للحكومة الفيدرالية الأميركية، في الثالث من شباط المقبل، جلسة بعنوان «تأمين تحوّل سوريا عبر تقليص النفوذ الروسي»، يترأّسها السيناتور الجمهوري ورئيس اللجنة الفرعية لشؤون الشرق الأوسط في لجنة الشؤون الخارجية في الكونغرس، جو ويلسون. وستتناول هذه الجلسة، وفقاً للقائمين عليها «إرث الدعم الروسي للأسد، وإمكانات طرد روسيا من سوريا».
وإذ أثارت الزيارة الجديدة التي ترافقت مع أنباء عن إخلاء روسيا قاعدتها في مطار القامشلي، التساؤلات حول ما الذي تريده موسكو من سوريا اليوم، وما الذي يمكن لدمشق أن تطلبه في المقابل، وعمّا إذا كانت القواعد العسكرية الروسية لا تزال «خطاً أحمر» أم تحوّلت إلى ورقة تفاوض، يجادل خبراء بأن حماية البنية التحتية للطاقة في شمال شرق البلاد، قد تتحوّل إلى «حاجة سورية»، بقدر ما هي «مصلحة أمنية روسية»، ليتشكّل بذلك أساس جديد للتعاون العسكري بين البلدين، علماً أن دمشق كانت أعلنت في وقت سابق اهتمامها بعودة شركة «تات نفط» للعمل في سوريا، بعد أن توقّفت أنشطتها مع بداية الحرب.
ومع ذلك، يبدو الوجود العسكري الروسي راسخاً في المياه الدافئة، خصوصاً أن قاعدتَي حميميم وطرطوس تعملان بموجب اتفاقية طويلة الأمد تمتدّ لعقود. وتعليقاً على أنباء بدء سحب القوات الروسية من القامشلي، أكّد الخبير السياسي والعسكري الروسي، ألكسندر بيريندجييف، في حديثه إلى صحيفة «ضواحي موسكو اليوم» (بادماسكوفيه سيغودنيا)، أنه «في الوقت الراهن لا توجد لدينا ضرورة للانسحاب من سوريا، خاصة أننا توصّلنا إلى نوع من التفاهم مع سلطات البلاد». وأضاف أن «بقاء قواعدنا في سوريا لا يروق بريطانيا وفرنسا، لكن من الضروري بالنسبة إلينا البقاء هناك، لأن ذلك يمثّل نفوذاً جيوسياسياً معيناً في الشرق الأوسط».
من جهته، أشار الخبير في المجلس الروسي للشؤون الدولية، أنطون مرداسوف، في حديث إلى صحيفة «إزفيستيا» الروسية، إلى أن «مستقبل» الوجود العسكري الروسي في سوريا يبقى «موضع تساؤل»؛ فبينما تحتفظ قاعدة حميميم بأهميتها كـ«مركز لوجستي رئيسيّ لدعم الفيلق الأفريقي»، فإن نقطة الدعم اللوجستي في طرطوس «لم تعد تُستخدم فعلياً بالحجم السابق». وإذ يرى أن مناقشة القضايا التكتيكية، من مثل الانسحاب من القامشلي أو آليات تسوية العلاقات مع الأكراد، «لا تندرج على الأرجح» على أجندة مفاوضات الرئيسين، فهو قال: «لو كانت التسوية مع الأكراد هي الموضوع الأساسي، لكانت القوات الروسية على الأرجح ستُبقي وجودها في منطقة القامشلي لأداء مهام الوساطة والدوريات. وفي الظروف الحالية، يبقى السؤال الرئيسي هو شروط عمل القواعد في حميميم وطرطوس، وكذلك الخيارات المحتملة لإعادة هيكلة طريقة تشغيلهما». وبحسب قوله، قد يتم التطرّق أيضاً إلى «احتمال مواصلة توريد المُنتجات النفطية والحبوب، التي يشارك فيها لاعبون خارجيون آخرون كذلك»، بالإضافة إلى «قضايا استعادة الجاهزية القتالية لمنظومات الدفاع الجوي السورية والمعدات المدرّعة». وأضاف: «تكتسب مسألة إعادة تأهيل منشآت البنية التحتية، بما في ذلك محطات الطاقة الكهرومائية، أهمية خاصة، إلى جانب آفاق استئناف استخراج النفط».
ويتّفق الخبراء الذين استطلعت «إزفيستيا» آراءهم على أن «الشرق الأوسط لا يزال بؤرة توتر دائم، وأن دور موسكو بوصفها أحد عوامل الردع والاستقرار لا يزال مطلوباً». وفي هذا السياق، يقول مرداسوف إنه «بالنسبة إلى روسيا، فإن استمرار تمركز قواعدها في سوريا لا يقتصر فقط على الضرورة المرتبطة بنقل الشحنات إلى أفريقيا عبر خطوط العبور، بل يمثّل أيضاً فرصة لإبقاء يد على نبض منطقة الشرق الأوسط، حيث يُنظر إلى الوجود المادي والعسكري بطريقة مختلفة تماماً مقارنة بالحضور الدبلوماسي وحده».
وفي حديثه إلى إذاعة «موسكو تتحدّث» (غافاريت ماسكفا)، يقول الباحث في شؤون الشرق الأوسط، كيريل سيميونوف، بدوره، إن هذا الموقع (القامشلي) لا يزال تحت سيطرة «قسد». ولذا، لا يستبعد أن يكون قرار الانسحاب «مرتبطاً بمسائل أمنية» وسط احتمال شنّ السلطات الانتقالية حملة عسكرية جديدة ضد «قسد». وحول العلاقة بين روسيا وسوريا، يشير إلى أن الأخيرتين «طوّرتا نطاقاً واسعاً من مجالات التعاون»، يشمل «المجال العسكري والاقتصاد والثقافة»، مؤكّداً أن روسيا «لا تزال واحداً من الشركاء الرئيسيّين للسلطات السورية الجديدة».
مرتبط