عن وليد علّيق و«البيئة المِعطاءة»
موقع ميادين المقاومة
يومين مضت
أخبار هامّة, الرئيسية, النشرة اللبنانية, مقالات مختارة, منوّعات
لم يكن اغتيال وليد عليق قبل أسبوعين حدثاً منفصلاً عن الاعتداءات الإسرائيلية اليومية التي تستهدف مواطنين لبنانيين منذ سريان «اتفاق وقف الأعمال العدائية»، والتي أدّت إلى استشهاد أكثر من 400 شخص، وهو رقم مُرشَّح للارتفاع مع استمرار الاستباحة الإسرائيلية.

ويعتبر خبراء القانون الدولي هذه الاغتيالات «جريمة حرب»، وانتهاكاً لـ«الإعلان العالمي لحقوق الإنسان»، ولا سيما «الحق الأساسي في الحياة»، إذ إن القانون الدولي الإنساني لا يكتفي بالتمييز بين المدني والعسكري في سياق النزاع، بل يحظر أيضاً استهداف المقاتلين خارج ميدان المعركة. وفي مقابل سردية العدو التي تعتبر هؤلاء الشباب أهدافاً مشروعة للقتل، تبقى الدولة اللبنانية، بصفتها الضامن لحماية جميع رعاياها، عاجزة عن تقديم خطاب سياسي وجهد دبلوماسي يتناسبان مع حجم الانتهاكات والاعتداءات، بما يضمن الضغط على «إسرائيل» وإدانتها دولياً
لا تزال آثار الصاروخ ظاهرة على الطريق الواصل بين زوطر الشرقية وميفدون، حيث قذف العصف جسد وليد علّيق خارج مركبته الـ«أفانزا» عندما كان في طريقه إلى منزله قرابة الحادية عشرة من مساء 15-1-2026. آخر ما فعله قبل لحظات من استشهاده كان اتصالاً هاتفياً بابنه الوحيد دانيال، قبل أن يغيب الأب عن السمع والحياة.
في الساعتين الأخيرتين قبل استشهاده، كان وليد يتناول العشاء في منزل أحد أصدقائه. يقول صديقه إنّ «عشاء المشاوي» لم يكن مؤكَّداً في تلك الليلة، بل «حسب الرزقة»، كما كان وليد يردّد دائماً. في تلك الليلة الباردة، «سهرنا وحضرنا فيلماً كان وليد قد اختاره كالعادة»، فيما كان أزيز الطائرة الإسرائيلية يملأ أرجاء المكان. غفا وليد على الكنبة، ثم نهض فجأة وقال: «بدّي روح عالبيت، إمّي لحالها، ما فيّي أتركها بخاف تُوقَع».
وكما بات شائعاً بين الأصدقاء في القرى الجنوبية، مازحه صديقه قائلاً: «طوّل بالك شوي، بركي ضربوك؟»، فأجاب مبتسماً: «شو بدّن بشقفة شوفير تاكسي». في اليوم التالي، ارتفع عدد شهداء زوطر الغربية في الحرب إلى 23، بعدما أُضيفت صورة وليد إلى لوحة صور شهداء بلدته التي كان صمَّمَها ووضعها في السّاحة العامة.
«ضلِّي اضحكي»
كان وليد يحلم ببناء بيت مستقلّ يطل على نهر الليطاني، على قطعة أرض تعود لوالدته الحاجّة زينب التي كانت قد أيقظته صباح يوم استشهاده للمرة الأخيرة، وتبادلا الحديث مُطوّلاً على غير عادته. ثمّة علاقة خاصة بين وليد وأمه، فهو الابن الوحيد إلى جانب ثلاث أخوات توفيت إحداهن قبل ثماني سنوات. علاقة الابن بأمّه كانت «كما يجب أن تكون». تستعيد أحاديث وليد وكلماته، كما تفعل كل الأمّهات اللواتي فقدن أولادهن طيلة السنتين الماضيتين.«كان يقِلّي إنو الانسان المؤمن مش بس صلاة وصوم وحج وزيارات، الأساس معاملة الناس وفعل الخير. الضحكة بوجه الناس صدقة. ضلِّي اضحكي».
في الأسبوع الأخير قبل استشهاده، لاحظ الأهل والأصدقاء أنّ «أبو دانيال» الذي لا يهدأ صار أكثر هدوءاً، وصار يحكي أكثر عن «احتمال» الشهادة. «يمكن قلبه حسُّه»، لأنه كان قبل ذلك يردّد «بدّيش استشهد هلّق، بدّي أحضر النصر». قبل استشهاده بأيام قليلة قال لأمّه: «إذا استشهدت ما تصرخي. بعرفك بدك تزعلي وتنجرحي جرح تاني. بس ما تتركي دواكِ وما تقطعي الأكل. ضلّك قوية وافتخري فيّي»!
أُضيفت صورة وليد إلى لوحة صور شهداء بلدته الـ 22 التي كان صمَّمَها ووضعها في السّاحة العامة
كثر من أهالي زوطر الغربية مقتنعون بأن أحد أسباب استهداف العدو لابن قريتهم دورُه الإنساني والاجتماعي الاستثنائي، كَشَكْل من أشكال الحرب النفسيّة على بيئة المقاومة وناسها. الشاب المولود عام 1983، بنَظَر كثيرين، «دينامو الضيعة»، و«المبادر دائماً» وأحياناً كثيرة في السر. «الآن بدأنا نسمع من هنا وهناك عن مساعدات وخدمات كان يقوم بها لأشخاص كثيرين».
كان يحضر في كل المناسبات وسبّاقاً في كثير من الأفكار والمبادرات الإنسانية والاجتماعية، «خَدُوم» و«عشراوي»، يساعد من جيبته رغم أنّ دخله محدود. في حرب الـ66 يوماً عزَّ عليه أن لا يكون حاضراً في ميدان العمل الإنساني بشكل مباشر، نظراً إلى وجوده حينها في إيران، بصحبة ابن شقيقته الذي كان من بين جرحى البيجر. «مع ذلك، كان عامل من هونيك غرفة عمليات لمساعدة النازحين»، يقول صديقه.
كلّ من عرفوه يؤكّدون «صلابته»، بالقدر ذاته الذي كان فيه حنوناً و«رقيقاً». شخصيته مشابهة لنماذج موجودة في قرى وبلدات أخرى، لكنّ حضوره وأثره في محيطه القريب والبعيد كانا كبيريْن وغير عادييْن.
عطاء الدم
في الفيديو الذي انتشر بعد استشهاده، كانت ملامح علّيق وكلماته تمثّل صورة ابن الأرض، «الجنوبي» الطيّب والودود والمِعطاء. بعد استشهاده شعر الجميع، من عرفه ومن تعرّف إليه، بوجود هذه «الرابطة المعنوية» الكبيرة معه. في ذروة الأزمة الاقتصادية والمعيشية، أطلق وليد مبادرته لنقل عناصر القوى العسكرية والأمنية بسيارته مجَّاناً. كان الدافع الأساسي للفكرة صديقه الذي لم يكن يمتلك حينها أجرة إيصال زوجته إلى المستشفى. في المقطع المجتزأ إيّاه يقول وليد: «أنا من بيئة مِعطاءة، يعني بتعرف الجنوب أديش قدَّم».
في شَرْح معنى «البيئة المِعطاءة»، توضح الباحثة في الإنتروبولوجيا زينب خازم أنّ الشهيد علّيق «ينسب نفسه هنا إلى بيئة الجنوب ليس كجغرافيا فحسب، بل كبيئة مضحّية ومِعطاءة، ويتموضع داخلها أخلاقياً»، مشيرة إلى أنّ «العطاء في هذه الحالة ليس قراراً فردياً بل فعل يمثّل الجماعة ويحكي باسم تاريخها، وهو كذلك انتماء إلى بيئة تُعرّف عن ذاتها من خلال تاريخ طويل في التضحيات». لذلك يصبح ما يقدّمه وليد مثلاً هو أقل أنواع العطاء قياساً بعطاءات الدم والأرواح والممتلكات.
وتربط خازم مسألة «العطاء» بموضوع «الرزق» من خلال عبارة «رزقي ورزقه على الله»، لافتة إلى أن فكرة انتظار «الرد» أو المقابل مرتبطة أساساً بموروثات شعبية غير دينية. وتستشهد بنظرية «أبي» الإنتروبولوجيا مارسيل موس، الذي خصّص كتاباً «تأسيسياً» عن الهِبَة، إذ يرى أنّ فعل العطاء ليس مجانياً بل غالباً ما كان يقابل بالرّد أو الهدية.
لكن في حالة الشهيد علّيق، وما يمثّله، فإنه لا ينتظر مقابلاً من الأشخاص الذين يقدّم لهم المساعدة، بل يأمل «تعويضاً من الله». من هنا تأتي فكرة «الرزق على الله»، ومن دون أي مِنَّة أيضاً، إذ إنه ساوى نفسه بأولئك الذين بادر تجاههم بفعل العطاء، ولذلك قال «رزقي ورزقك». وهذا كلّه، برأي خازم، تعبير عن موروث أخلاقي وديني وقيَمِي لدى هذه الجماعة.
بدوره، يُرجِعُ محمد كُجُك، الباحث في مركز الدراسات والأبحاث التربوية، الأمر إلى «تاريخ جبل عامل العريق في ثقافة وحضارة هذه المنطقة، من الحركة العلمية والدينية المتوازنة والعيش المشترك وكذلك الكرم والجود بالنفس كخصائص نفس-اجتماعية اشتهرت بها هذه المنطقة».
وهنا يبرز الشهيد وليد علّيق، تماماً كما ينبغي أن يكون عليه فردٌ نما في جبل عامل، إذ إن تفكيك مفهوم العطاءِ والبذل ومبادئ التعاون والعمل الاجتماعي الذي اشتهر به، لا يمكن عزله عن «الجماعة التي تعيش قضية العطاء بشكل بنيوي راسخ في منطق تفكيرها واجتماعها وحياتها»، وتشهد على ذلك الحرب الأخيرة كما العقود الماضية التي مرَّت على هذه البقعة الجغرافية.
وفي سيرة حياة وليد، تبرز هذه القيمة من الهِبة والعطاء والبذل، كسلوكٍ مُتسامٍ ومتعالٍ، اعتاد القيامَ به، من دون انتظار مقابل ماديّ، بل كان يقوم بذلكَ، وهو يعلمُ عِلمَ اليقين أن «الانتماء إلى الأرض، خصوصاً جبل عامل، والتجذّر فيها، يمرّان عبر أنواع مختلفة ومتنوّعة من العطاء والبذل، لأنّ البقاءَ في الأرض يحتاجُ إلى بذلٍ دائم، وفي المقابل تقوم الأرض بمنح الجماعة قيمةَ الانتماء، ومساحة الاختبار، وبناء الثقافة والحضارة«. لكنّ القيمة الأساسية المُضافة في حالة وليد علّيق أنه استطاع، باستشهاده، أن يُوسِّع معنى الهبة والعطاء إلى عطاء الدم مقابل الأرض.
مرتبط