الحرب الإدراكية على القرار الإيراني

تتصاعد الحرب بين إيران والعدو الإسرائيلي اليوم على مستوى الإدراك والمعرفة، حيث تتنافس كل دولة في توظيف التحيزات المعرفية ووسائل الإعلام للتأثير في قرارات الطرف الآخر.

أعلاه | سقوط صواريخ إيرانية في ضواحي تل أبيب..

تتصاعد الحرب بين إيران والعدو الإسرائيلي اليوم على مستوى الإدراك والمعرفة، حيث تتنافس كل دولة في توظيف التحيزات المعرفية ووسائل الإعلام للتأثير في قرارات الطرف الآخر. يسعى هذا الصراع غير المعلن إلى خلق بيئة نفسية تكبح العقلانية وتزيد من احتمال التحرك تحت ضغوط مركّبة من الخوف وعدم اليقين.

شهدت الفترة الممتدة بين 28 كانون الأول 2025 و26 كانون الثاني 2026، تصعيداً غير مسبوق في الخطاب الإسرائيلي تجاه إيران، تميّز بكثافة التصريحات الأمنية والتسريبات الاستخبارية المتداولة في الإعلام العبري، إلى جانب تقديرات متناقضة حول احتمالات الضربة العسكرية الأميركية – الإسرائيلية. وما يميز هذا الخطاب ليس مضمونه العملياتي فقط، بل بنيته الإدراكية المصمّمة بعناية لاستهداف كيفية إدراك القيادة الإيرانية للتهديد، وتقييمها لخياراتها، واستجاباتها المحتملة.

اعتمد العدو الإسرائيلي خلال هذه الفترة على هندسة بيئة القرار الإيراني عبر توظيف تحيزات معرفية محددة، تهدف إلى إنهاك عملية اتخاذ القرار، ورفع كلفتها، ودفع القيادة نحو خيارات غير مثالية، ما يعكس تحولاً نوعياً في استخدام الإعلام كأداة ضغط واستراتيجية حرب وعي لا تقتصر على التأثير العسكري المباشر، بل تتغلغل إلى صميم التفكير الاستراتيجي للخصم.

حرب الوعي واستهداف القرار الإيراني

تُعرّف حرب الوعي بأنها محاولة منظمة لاستهداف الإدراك البشري وعملية صنع القرار لدى الخصم، بدلاً من الاقتصار على استهداف قدراته المادية. في هذا النوع من الصراع، يصبح الهدف التأثير في كيفية إدراك الخصم للتهديد، وكيفية تقييمه للخيارات المتاحة، وكيف يقرر الاستجابة.

في السياق الإسرائيلي – الإيراني، تلعب التصريحات الإعلامية المسرّبة والتقديرات الاستخبارية المتداولة في الإعلام العبري دوراً يتجاوز نقل المعلومات، إذ تعمل كأدوات عملياتية قائمة بذاتها لتحريك الاستجابة الذاتية لدى صانع القرار الإيراني، ما يجعل الخصم شريكاً غير مباشر في إضعاف موقفه عبر اختياراته وردود أفعاله تحت الضغط الإدراكي والنفسي. تتضح هذه الاستراتيجية في الخطاب العبري عبر استخدام عبارات وتقديرات تثير القلق، وعدم اليقين، والشعور بالتهديد الوجودي، ما قد يدفع إيران إلى اتخاذ قرارات غير مثالية استراتيجياً أو إلى تقييد خياراتها المتاحة.

تطوّر الخطاب العبري ومراحله

يتضح تتبع الخطاب العبري خلال الفترة بين 28 كانون الأول 2025 و26 كانون الثاني 2026 مساراً تصاعدياً منضبطاً يمكن اختزاله في ثلاث مراحل رئيسية تعكس تطور الأهداف الإدراكية والخطابية.

في المرحلة الأولى، الممتدة من أواخر كانون الأول حتى منتصف كانون الثاني، ركز الخطاب على التهيئة النفسية وبناء بيئة ردع دفاعي، عبر إبراز تسلّم منظومات عسكرية متقدمة والتحذير من حرب محتملة، بالتوازي مع تسريب معلومات عن نقل تقديرات استخباراتية إلى الإدارة الأميركية، مع إبقاء مساحة من الضبابية المقصودة داخل القيادة الإسرائيلية نفسها لإدارة التوقعات داخلياً وخارجياً.

في المرحلة الثانية، بين 16 و19 كانون الثاني، انتقل الخطاب إلى مستوى أعلى من التصعيد الاستراتيجي المشروط، مع توصيف اللحظة بوصفها «فرصة تاريخية» لتغيير النظام الإيراني، وتضخيم مشاهد القمع الداخلي، والحديث عن استعدادات متعددة الساحات، إلى جانب خطاب احترازي يدعو إلى تأجيل الضربة ورفع مستوى التأهب الدفاعي، ما يعزّز الضغط النفسي على الطرف المقابل من دون حسم نهائي.

وفي المرحلة الثالثة، من 20 إلى 26 كانون الثاني، بلغ الخطاب ذروته، مع التأطير الوجودي للصراع عبر نفي أي احتمال لتراجع إيران عن برنامجها النووي، وطرح تغيير النظام كهدف مركزي، إلى جانب إبراز حجم الحشد العسكري الأميركي في المنطقة، وإبقاء مستوى عالٍ من الغموض الاستراتيجي بشأن التوقيت مع الإيحاء بإمكانية الضربة الفورية، ما جمع بين تصعيد الضغط الإدراكي وتقديم تطمين مشروط يهدف إلى ضبط إيقاع التوتر وإبقاء الخصم في حالة ترقب دائم.

إدارة بيئة القرار الإيراني عبر التحيزات

تشير الدراسات في علم النفس السياسي والسلوكي إلى أن صانعي القرار لا يتّصفون دوماً بالعقلانية المثالية، ولا سيما في حالات الضغط العالي والغموض. في مثل هذه الظروف، يلجأ الأفراد إلى اختصارات ذهنية لتسريع عملية اتخاذ القرار، غير أن هذه الاستراتيجيات قد تؤدي إلى تحيزات منهجية في الحكم تعوّق تقدير المخاطر والفرص بصورة موضوعية.

في السياق الاستخباري، تظهر التحيزات المعرفية كعوامل تخريبية خفية تؤثر في جودة القرارات الحاسمة، إذ تجعل صانع القرار يبالغ في تقدير بعض السيناريوهات أو يقلّل من شأن أخرى، ويستجيب للرسائل بشكل غير متناسب مع الواقع الموضوعي. وتزداد فعالية هذه التحيزات كلما ارتفع مستوى الغموض بشأن المعلومات المتاحة، ضاق هامش الوقت لاتخاذ القرار، أو تعاظم الشعور بالتهديد الوجودي أو الخطر الاستراتيجي المباشر.

عبر متابعة الخطاب العبري، يتّضح أن الهدف لم يكن إقناع إيران بالحرب أو ردعها التقليدي فقط، بل إدارة إدراك صانع القرار بحيث يصبح القرار العقلاني، الأعلى كلفة، بينما تصبح القرارات الدفاعية أو المفرطة أكثر جاذبية نفسياً. وقد سعى العدو إلى التحكم ببيئة القرار لا بالقرار نفسه، عبر توظيف تحيزات معرفية متعدّدة، عبر تكثيف مؤشرات التصعيد والغموض المتعمد، إلى التهديد الوجودي، وإيحاءات الحتمية والضغط على القيادات والحلفاء، واستحضار تجارب سابقة، مثل حرب الـ12 يوماً لتفعيل الذاكرة الانفعالية.

إن أساليب مثل تكرار الأخبار عن الحشود، حاملات الطائرات، القواعد العسكرية، وإظهار اقتراب الضربة تجعل سيناريو الهجوم الأكثر حضوراً ذهنياً لدى القيادة الإيرانية، ما يعزّز تحيّز التوافر، ويرفع مستوى التهديد المدرك، ويجعل الانتظار أكثر كلفة، كما يدفع إلى اتخاذ قرارات دفاعية أو استباقية تحت ضغط متزايد.

إضافة إلى ذلك، تمّ توظيف الغموض بين «لا موعد محدد» و«الضربة ممكنة فوراً» لإثارة تحيز تجنّب الخسارة وتحفيز تحيّز الفعل، ما يُبقي صانع القرار في حالة عدم يقين وقلق مستمر، مع احتمال ارتكاب أخطاء في توقيت القرار.

كما يؤدي تضخيم التهديد الوجودي، بما يشمل إسقاط النظام وربط الاحتجاجات الداخلية بشرعية الضربة، إلى حصر الخيارات ذهنياً ضمن ثنائية التصعيد أو الانكفاء، مع تعزيز النفور من الخسارة الذي يجعل كلفة عدم الفعل أعلى من مخاطر الفعل. علاوة على ذلك، يفعّل التكرار المستمر للإشارات إلى «اكتمال الحشد» و «كل الخيارات على الطاولة»، وهم الحتمية، ما يقلّص القدرة على تصوّر البدائل التفاوضية أو الوسطية، ويجعل القيادة الإيرانية أكثر قابلية للانزلاق التدريجي نحو ردود تصعيدية يصعب التراجع عنها، بينما تسهم شيطنة القيادة وربطها بالقمع الداخلي في تعزيز تحيّز السمعة، وزيادة الضغط لاتخاذ قرارات دفاعية أو تصعيدية.

وأخيراً، يعزّز استهداف الحلفاء الإقليميين عبر تضخيم تهديدهم تحيّز اليقظة المفرطة، ويوسّع احتمالات سوء التوقيت أو الإفراط في الرّد، ما يزيد من تعقيد إدارة التحركات الاستراتيجية الإيرانية.

بناءً على ذلك، يتّضح من دراسة الخطاب العبري أنه لم يكن مجرد انعكاس لتقديرات عملياتية آنية، بل أداة مدروسة لإدارة الصراع على صعيد الإدراك قبل الفعل. فقد جرى توظيف الإعلام والتصريحات والتسريبات بوصفها وسائل ضغط إدراكي تهدف إلى إعادة تشكيل بيئة القرار الإيراني، لا عبر فرض خيار محدّد، بل عبر جعل القرار العقلاني ذاته أكثر كلفة نفسياً وزمنياً، وتحويل الانتظار، والغموض، وكثافة المؤشرات، إلى عناصر استنزاف ممنهج.

فقد أظهر الخطاب نمطاً متدرجاً يجمع بين التصعيد والضبابية والتهديد الوجودي، بما يفعّل حزمة واسعة من التحيزات المعرفية لدى صانع القرار الإيراني، من تضخيم الاحتمال والتهديد، إلى وهم الحتمية، وتحيّز الفعل، وسوء التوقيت، وتجنّب الخسارة. وبدل دفع إيران نحو خيار واحد بعينه، يسعى هذا النمط إلى تضييق فضاء البدائل، وإضعاف القدرة على التفكير الاحتمالي الهادئ، ودفع القيادة إلى العيش داخل سيناريو التهديد بدل إدارته من خارجه.

وعليه، لا يمكن فهم هذا الخطاب حصراً كتمهيد تقليدي للحرب، بل كجزء من صراع إدراكي طويل الأمد يسعى إلى إنهاك القرار، ورفع كلفة العقلانية، وتحويل البيئة النفسية المحيطة بالقيادة الإيرانية إلى ساحة ضغط دائمة، تتآكل فيها القدرة على المناورة الاستراتيجية المتزنة.

عن موقع ميادين المقاومة

من الداخل إلى الإقليم و العالم، لتكون الأقرب للمشهد السياسي.. بمنظورٍ مُقاوِم! هدفنا أن تكون بيئتنا الكريمة شريكةً في الوعي.. لا مجرّد متلقّية للخبر!

شاهد أيضاً

موجة غارات إسرائيلية تستهدف تجمعاً للآليات في الجنوب

شنّ الاحتلال الإسرائيلي، اليوم، موجة غارات على عدة بلدات في جنوبي لبنان، في خرق متواصل …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *