ترامب لا يتخلّى عن أطماعه: «القبة الذهبية» تمرّ من غرينلاند

يهدد تشويه إدارة ترامب المتعمّد لتاريخ غرينلاند بنسف التفاهمات التي تمّ التوصل إليها، في وقت تنظر فيه واشنطن إلى الجزيرة باعتبارها «امتداداً» لمشروع «القبة الذهبية»، وأرضاً خصبة للموارد الحيوية المستقبلية.

المساعي التي بدأها ترامب لـ«تزوير» تاريخ غرينلاند، قد تُفضي، في المستقبل القريب، إلى تجدّد التوترات..

بعد أسابيع من تصعيد دونالد ترامب لخطابه حول نيّته وضع غرينلاند تحت سيطرة الولايات المتحدة، أعلن ساكن البيت الأبيض، في منشور عبر وسائل التواصل الاجتماعي، عقب «المنتدى الاقتصادي العالمي» في دافوس، أنه توصّل، خلال اجتماع مع الأمين العام لـ«الناتو» مارك روته، إلى «إطار اتفاق مستقبلي» بشأن الجزيرة ومنطقة القطب الشمالي، متراجعاً عن تهديداته بفرض رسوم جمركية جديدة على بعض الدول الأوروبية التي تعارض استحواذه عليها. على أنه وعلى الرغم من «الانفراجات» الأخيرة، يرى العديد من المحلّلين أن المساعي التي بدأها ترامب لـ«تزوير» تاريخ غرينلاند، قد تُفضي، في المستقبل القريب، إلى تجدّد التوترات.

وفي مواجهة ذلك، لا يفتأ العديد من المؤرّخين يفنّدون الوقائع التاريخية المرتبطة بالجزيرة، في محاولة لدحض مزاعم الرئيس الأميركي ونزعاته التوسّعية. ويؤكّد هؤلاء أن غرينلاند تُعتبر إقليماً دنماركياً منذ أكثر من ثلاثمئة عام، فيما لم تمنح الدنمارك الحكم الذاتي للجزيرة ذات الكثافة السكانية المنخفضة، إلا في عام 1979. وفي عام 2009، أصدرت الدنمارك «قانون الحكم الذاتي» في غرينلاند، والذي أعطى الأخيرة قدرة أكبر بكثير على توسيع سلطتها في ما يتعلق بالشؤون الداخلية، بما في ذلك الشرطة والمحاكم وخفر السواحل، بينما لا تزال الأولى تمسك بالشؤون الخارجية وسياسة الدفاع والسياسة النقدية في الجزيرة، وتقدّم دعماً سنوياً لها بحوالي 600 مليون دولار. كما منح القانون شعب غرينلاند الحق في إعلان الاستقلال عن الدنمارك، وهو ما لم يحدث.

نبذة تاريخية

في مقابل ادّعاء ترامب عدم وجود أي «وثائق مكتوبة» تؤكّد أن غرينلاند هي منطقة مملوكة من الدنمارك، انتشرت بعض التقارير التي تفيد بأن كوبنهاغن كانت تتمسّك بغرينلاند منذ توحيد الدنمارك والنرويج تحت النظام الملكي نفسه حتى أوائل القرن التاسع عشر. وكجزء من «معاهدة كيل» عام 1814، التي أنهت الصراع بين الدنمارك والسويد، تنازلت الأولى عن النرويج للأخيرة، إنما مع الاحتقاظ بالمستوطنات النرويجية في الجزيرة وأيسلندا وجزر فارو. وفي عام 1933، خلال نزاع بين الدنمارك والنرويج حول الأراضي في المنطقة الشرقية من غرينلاند، قضت «المحكمة الدائمة للعدل الدولي» – وفق ما كانت تُعرف به آنذاك -، بأن الدنمارك أثبتت أنها «تمتلك سند ملكية صالحاً للسيادة على كلّ غرينلاند»، مستشهدة بـ«معاهدة كيل».

وفي عام 1941، بعد عام واحد من سقوط الدنمارك في أيدي ألمانيا النازية خلال الحرب العالمية الثانية، تصرّف المبعوث الدنماركي إلى الولايات المتحدة، هنريك كوفمان، بمفرده لصياغة اتفاقية دفاع تمنح واشنطن الحق في استخدام أراضي غرينلاند للدفاع عنها. وبعد عشر سنوات، وقّعت الولايات المتحدة والدنمارك، وكلاهما عضوان «جديدان» في «حلف شمال الأطلسي» الذي تأسّس عام 1949، اتفاقية دفاعية مُحدثة، حدّدت شروط العمليات العسكرية الأميركية في الجزيرة، إنّما مع التأكيد على أن «الأذونات مُنحت من دون المساس بسيادة مملكة الدنمارك». وعندما تمّ تعديل هذه الاتفاقية في عام 2004 في عهد إدارة جورج دبليو بوش، اعترفت الولايات المتحدة مرة أخرى بأن غرينلاند «جزء من مملكة الدنمارك»، علماً أن الجزيرة كانت قد أصبحت، منذ عام 1953، مقاطعة تابعة للدنمارك، وليس مستعمرة، وحصلت على تمثيل في البرلمان الدنماركي.

بدأت محاولات استحواذ واشنطن على غرينلاند منذ القرن التاسع عشر

على أن ما تقدّم، لا يعني أن أطماع واشنطن في الاستحواذ على الجزيرة كانت مخبوءة، إذ إن محاولات السيطرة عليها بدأت منذ القرن التاسع عشر، وتحديداً في الستينيات، بعدما اشترت واشنطن ألاسكا من روسيا، وشرعت تبحث عن «أراضٍ أخرى قريبة»، بحسب ما يرد في تقرير لصحيفة «واشنطن بوست». وفي تقرير لوزارة الخارجية عام 1868، زعم روبرت جيه ووكر، وزير الخزانة الأسبق، أن الولايات المتحدة «ينبغي لها أن تشتري أيسلندا وغرينلاند، ولكن بشكل خاص الأخيرة»، مشيداً بـ«ساحل الجزيرة العظيم، وثرواتها الثمينة من الفحم والمعادن، ومصائد الأسماك الهائلة وكميات هائلة من الحيتان وفرس البحر والفقمة وأسماك القرش». وبالمثل، في عام 1910، كتب سفير الولايات المتحدة لدى الدنمارك، موريس فرانسيس إيغان، رسالة إلى الولايات المتحدة تتضمّن ما وصفه بـ«الاقتراح الجريء للغاية»، الذي يقضي بأن تستحوذ بلاده على الجزيرة وجزر الهند الغربية الدنماركية مقابل جزر مينداناو الفيليبينية. وفي كانون الأول 1946، عرضت إدارة هاري ترومان على كوبنهاغن، بشكل مباشر، بيع الجزيرة، وهو ما قوبل بالرفض.

ويرى المؤرّخ الدنماركي، راسموس مارياغر، في حديث إلى الصحيفة، أن «المقاومة ضدّ بيع غرينلاند تتكرّر اليوم، مثلما كانت وقتذاك تماماً». وإذ شكّك ترامب مراراً في المطالبات القانونية الدنماركية بغرينلاند، زاعماً، في رسالة وجّهها أخيراً إلى رئيس وزراء النرويج، أن «كل ما في الأمر أن قارباً هبط هناك منذ مئات السنين، فيما كانت لواشنطن قوارب هناك أيضاً»، يؤكّد أولريك برام غاد، من «المعهد الدنماركي للدراسات الدولية»، أن «الفايكنغز الدنماركيين والنرويجيين هبطوا في غرينلاند منذ آلاف السنين»، وأن «هناك العديد من الوثائق والمعاهدات التي تؤكّد السلطة الدنماركية على غرينلاند، وبعضها وقّعتها واشنطن بنفسها».

لماذا اليوم؟

من خلال إجراء قراءة سريعة لـ«استراتيجية الدفاع الوطني» التي خطّها «البنتاغون» أخيراً، يمكن استخلاص أن «القبة الذهبية» التي تُقدّر قيمتها بنحو 175 مليار دولار حتى عام 2029، أصبحت في صلب اهتمامات إدارة ترامب. وبعدما استوحى ترامب فكرة نشر مجموعة من الأنظمة الدفاعية، من تجربة «القبة الحديدية» في إسرائيل، بهدف حماية الأراضي الأميركية من أي صواريخ قادمة من الصين أو روسيا أو حتى إيران، يرد في تقرير نشره «مجلس العلاقات الخارجية»، أن موقع غرينلاند بين أوروبا وأميركا الشمالية، وقربها من المحيط المتجمد الشمالي والمحيط الأطلسي الشمالي، يجعلانها ذات أهمية استراتيجية للأغراض العسكرية والدفاعية، خاصة في ما يتعلق بمراقبة النشاط العسكري الصيني والروسي المتزايد في المنطقة.

ورغم أن الولايات المتحدة لديها بالفعل قاعدة عسكرية في غرينلاند، وتأكيد وزير الخارجية الدنماركي لارس لوك راسموسن، عقب اجتماع عُقد في 14 كانون الثاني بين مسؤولين أميركيين ودنماركيين وغرينلانديين، أنه «بموجب اتفاقية الدفاع لعام 1951، يمكن للولايات المتحدة أن تطلب دائماً زيادة وجودها العسكري في غرينلاند»، فإن «السيطرة الكاملة على الجزيرة قد تمكّن واشنطن من توسيع نفوذها في العمليات الجوية والبحرية في القطب الشمالي، وكذلك في الفضاء».

وفي هذا الإطار، تؤكّد ريبيكا بينكوس، مديرة «معهد القطب الشمالي» في «مركز ويلسون»، لـ«راديو ليبرتي»، أن أهمية غرينلاند تتزايد في وقت «نجد فيه أنفسنا في منافسة عالمية مع الصين وفي ثورة تكنولوجية جديدة في الحروب»، ما يجعل الجزيرة «مهمة من منظور الدفاع الصاروخي والفضاء والمنافسة العالمية». كذلك، يرى مراقبون أن أقصر مسار للصواريخ الروسية أو الصينية التي قد تتجه نحو المدن الأميركية الكبرى، من مثل نيويورك وشيكاغو، يمرّ مباشرة فوق القطب الشمالي وغرينلاند. ومن دون الأخيرة، ستفقد «القبة الذهبية» قدرتها على رصد الصواريخ في مرحلة الصعود أو منتصف المسار، ما يقلّل وقت الاستجابة الأميركي.

«ذوبان الجليد»

إلى جانب الشقّ العسكري، تشهد الطبقة الجليدية في غرينلاند، التي تغطّي نحو 80% من مساحتها، ذوباناً متسارعاً، ما يجعل طرق التجارة في القطب الشمالي أكثر قابلية للملاحة، وقد يسفر، مع الوقت، عن فتح طرق تجارية أقصر وأسرع بين آسيا وأوروبا وأميركا الشمالية، وتحوّل الجزيرة إلى «مركز بحري دولي». وحالياً، تمتلك ثماني دول، بما في ذلك الولايات المتحدة، أراضيَ في القطب الشمالي، على وقع توسّع متزايد لنفوذ الصين وروسيا هناك.

أيضاً، يجعل ارتفاع درجات الحرارة المرتبط بتغيّر المناخ الوصول إلى المعادن الأرضية النادرة في غرينلاند، من مثل الليثيوم، المهم للسيارات الكهربائية والبطاريات، أكثر سهولة. وفي عام 2023، أشار تقرير صادر عن الحكومة الدنماركية إلى أن غرينلاند هي بمثابة «مستودع للمواد الخام الحيوية»، والتي يُستخدم الكثير منها في التحوّل إلى الطاقة الخضراء». كما يُرجّح أيضاً أن نوك تمتلك احتياطيات هائلة من النفط والغاز غير المستغلة؛ وفقاً لتقديرات الولايات المتحدة لعام 2008، في حين قدّرت «هيئة المسح الجيولوجي» تلك الكمية بحوالي واحد وثلاثين مليار برميل من مكافئ النفط (BOE) – أي كمية الطاقة الموجودة في برميل واحد من النفط الخام -، على الرغم من أن الجزيرة حظرت جميع عمليات التنقيب عن النفط والغاز في عام 2021، بسبب «مخاوف بيئية».

عن موقع ميادين المقاومة

من الداخل إلى الإقليم و العالم، لتكون الأقرب للمشهد السياسي.. بمنظورٍ مُقاوِم! هدفنا أن تكون بيئتنا الكريمة شريكةً في الوعي.. لا مجرّد متلقّية للخبر!

شاهد أيضاً

متري: الشرع لم يناقش ولم يطلب مني تسليم افراد من “حزب الله” حاربوا الى جانب نظام الاسد في سوريا

أشار نائب رئيس مجلس الوزراء ​طارق متري​، في حديث تلفزيوني، الى أن “الرئيس السوري احمد …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *