بين إغراءات حلم «الدولة»… وإكراهات الواقع: أكراد دمشق منقسمون

يكشف الانقسام بين أكراد دمشق التناقض بين الحلم القومي والإكراه، فيما تماهى معظم هؤلاء إلى حدّ بعيد مع نسيج العاصمة الاجتماعي من العرب وغيرهم.

بعض أهالي حي ركن الدين في دمشق يحتفلون عقب إصدار الشرع مرسوماً تضمّن إقراراً بحقوق الكرد..

يستعصب أكراد دمشق الحديث عن قضيتهم في الوقت الحالي، في ظلّ استشعار بعضهم أن تبنّي «القومية الكردية» قد يُفهم كتهمة، وأن الخوض في نقاش حول قيام دولة للأكراد يُعدّ «خيانة»، وإيثار بعضهم الآخر المطالبة بحقوق «عالضيّق»، خلافاً للحلم السياسي الذي سعى أكراد سوريا – الأقلية التي يقدّر عددها بنحو 10% من سكان البلاد – إلى تحقيقه طوال السنوات الماضية في الشمال الشرقي من سوريا.

والواقع أن كرد العاصمة، الذين استقروا في دمشق منذ حوالى ألف عام، تماهوا إلى حدّ بعيد مع نسيجها الاجتماعي من العرب وغيرهم، بعضهم بدافع القناعة، وآخرون بدافع الخوف. وإذ يتفاخر هؤلاء بقوميتهم، فإنهم يكادون لا يجتمعون على رأي واحد في ما يتصل بقضيتهم، رغم أن بعضهم يقرّون صراحة بخوفهم من المجاهرة بوجهات نظرهم. وفي هذا السياق، يقول ش.خ.، أحد سكان الحي المذكور، في حديثه إلى «الأخبار»، إن «القضية الكردية بالنسبة إلينا قضية حقّ لأمّة عريقة تمّ تقطيع أوصالها بقرارات سياسية قهرية؛ هي قصة شعب له لغته وثقافته الخاصة، وجد نفسه مشتتاً بين أربع دول، ومستهدفاً في هويته، ومحروماً من حقه في تقرير المصير». ويبيّن أن بوصلة هذه القضية تتمثّل في «كرامة الإنسان الكردي مهما تعقّدت الظروف السياسية»، مضيفاً أن «محاولات طمس اللغة ومحاربة الثقافة لم تزد أبناء هذه القومية إلا تمسكاً بحقهم في الوجود بكرامة فوق أرضهم». وعن حلم قيام دولة كردية، يقول إن «الواقعية السياسية تفرض أن يبدأ هذا المشروع من الدول التي تضمّ غالبية كردية، مثل تركيا أو العراق، وليس انطلاقاً من كرد سوريا الذين لا يستطيعون تحمّل هذا الثقل وحدهم في المرحلة الراهنة».

تبرز بعض المواقف النقدية حيال «قسد» في أوساط الكرد أنفسهم

في المقابل، ترى (نور. ظ.) أن القضية الكردية بالنسبة إليها تقتصر على «حقوق ثقافية واجتماعية تحت سقف الوطن»، معتبرة، في حديثها إلى «الأخبار»، أن «الخط الأحمر هو وحدة سوريا». وتضيف أنها ترفض «أي مشروع انفصال أو تقسيم. فحقوقي أستمدها من كوني مواطنة سورية في دولة قوية وموحّدة. علينا اليوم أن نفكّر كسوريين أولاً، مع تأكيد حصول جميع الكرد على حقوقهم كمواطنين».

على أن مسألة أن تكون «كردياً سورياً» أو «سورياً كردياً»، ترتبط على ما يبدو بالبيئة الاجتماعية ودرجة الاندماج مع العرب، حيث يُلاحظ مثلاً أن كثيراً من السيدات الكرديات المتزوجات من سوريين عرب يضعن «القومية الكردية» في مرتبة ثانية بعد «الوطنية السورية» عند تعريف أنفسهن. وفي هذا الإطار، تقول (أم مهند): «أنا شامية كردية، أنتمي إلى حيّ الأكراد وإلى أهل دمشق، وهذا الانتماء ليس وليد اللحظة، بل متجذّر فينا منذ عهد الدولة الأيوبية»، مشيرة، في حديثها إلى «الأخبار»، إلى أن «الكرد والعرب في سوريا تشاركوا الأفراح والأتراح عبر قرون طويلة، واختلطت العائلات في ما بينهم بروابط اجتماعية متينة». وتضيف أن «الفخر بالقومية الكردية ثابت، لكن الاندماج مع العرب والانتماء إلى سوريا جعلانا لا نعرّف أنفسنا ككرد، إنما كسوريين أولاً».

وينسحب الموقف نفسه على (وائل.ع)، الذي يقول: «أنا سوري أولاً بالانتماء السياسي والوطني، وكردي بالانتماء القومي. سوريا هي المظلّة التي تحمي الجميع، وولائي للدولة هو الضمانة الوحيدة لأمننا والحفاظ على كرامتنا ككرد»، مشدّداً، في حديثه إلى «الأخبار»، على أن «الاعتزاز بالقومية لا يتعارض مع الوطنية، بل يغني الهوية السورية ولا يضعفها؛ فالمواطنة الصادقة لا تتطلب التخلي عن الأصل».

أما (ل.ب.)، فترى أن التخلي عن القومية لصالح الوطنية «أمر صعب»، خصوصاً في ظلّ «الظلم التاريخي الذي تعرّض له الكرد في سوريا ودول أخرى»، لافتة إلى أن «الكرد باتوا غير قادرين على المطالبة بحقوقهم أو التصريح بتأييدهم قيام دولة كردية بسبب القمع والإقصاء اللذين يواجهونهما». وتستدرك، في حديثها إلى «الأخبار»، بأنه «قد يكون كرد دمشق أقلّ معاناة من كرد الشمال، وأكثر اندماجاً مع العرب، وأضعف ارتباطاً بالقضية الكردية».

أما عند الانتقال إلى المشهد العسكري والسياسي في الشمال الشرقي، فتبرز بعض المواقف النقدية حيال «قوات سوريا الديمقراطية»، رغم عدم إنكار «التضحيات» التي قدّمتها هذه القوات التي تأسّست عام 2015. وفي هذا السياق، يقول (ش.خ)، في حديثه إلى «الأخبار»، إن «هناك تحفّظات جوهرية على قسد منذ تأسيسها، أبرزها الخلل في التكوين؛ فالحامل الأساسي لها يُفترض أن يكون كردياً، بينما الغالبية من عناصرها من العرب». وإذ يعرب عن مخاوفه من «وضع الكرد في محرقة سياسية أو عسكرية قد تهدّد وجودهم»، فهو يرى أنه «لا يمكن تجاهل دور قسد في حماية الأكراد في المناطق التي تقع تحت سيطرتها، ومحاربة التنظيمات المتشددة».

في المقابل، يعارض (وائل.ع) أي تشكيل عسكري يعمل خارج سلطة الدولة والجيش السوري، مشيراً، في حديثه إلى «الأخبار»، إلى أن «قسد لا تمثّلنا؛ فمصلحة الكرد الحقيقية هي مع الدولة السورية فقط. ولا نريد تنظيمات تقف في وجه الدولة وترتكب انتهاكات باسم الكرد».

عن موقع ميادين المقاومة

من الداخل إلى الإقليم و العالم، لتكون الأقرب للمشهد السياسي.. بمنظورٍ مُقاوِم! هدفنا أن تكون بيئتنا الكريمة شريكةً في الوعي.. لا مجرّد متلقّية للخبر!

شاهد أيضاً

متري: الشرع لم يناقش ولم يطلب مني تسليم افراد من “حزب الله” حاربوا الى جانب نظام الاسد في سوريا

أشار نائب رئيس مجلس الوزراء ​طارق متري​، في حديث تلفزيوني، الى أن “الرئيس السوري احمد …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *