الخنق البطيء خياراً أول: أميركا ليست جاهزة لـ«تبديل جلد» كوبا

على الرغم من التهديدات بتكرار سيناريو كاراكاس في هافانا، تسعى إدارة ترامب لابتزاز النظام الكوبي اقتصادياً، من دون دفعه نحو انهيارٍ كابوسي قد يرمي بملايين اللاجئين صوب سواحل فلوريدا.

في خضمّ انتشار العديد من التقارير التي تفيد بأن واشنطن تقترب من تكرار «سيناريو فنزويلا» في كوبا قريباً، وإقرار مسؤولي الإدارة الأميركية بأنهم ركّزوا في اجتماعاتهم مع المنفيّين الكوبيين والجماعات المدنية في ميامي وواشنطن على تحديد هوية شخص داخل الحكومة الحالية، يمكن التوصّل معه إلى اتفاق على الإطاحة بـ«النظام الشيوعي في الجزيرة بحلول نهاية العام»، فإن العديد من المراقبين يجادلون بأن الاستراتيجية الأميركية تجاه الجزيرة ستكون، على الأغلب، «مختلفة».

في الواقع، وفي أثناء الأزمة الاقتصادية الحادّة السابقة التي شهدتها كوبا بعد انهيار الاتحاد السوفييتي، صاغت وكالة المخابرات المركزية تقديراً سرياً، يبدو أنه يتطابق، بسهولة، مع الواقع الذي تشهده كوبا اليوم. آنذاك، خلصت الوكالة إلى أن «دخول الجزيرة في حال من عدم الاستقرار الخطير سيكون له تأثير فوري على الولايات المتحدة»، في إشارة إلى التدفق الهائل للمهاجرين، وتحريض مجتمع المنفيّين في ميامي، وزيادة «الضغوط من أجل التدخل العسكري الأميركي أو الدولي». ورغم عدم القدرة على التنبؤ بخطوات دونالد ترامب التالية، فقد صدرت تلميحات واضحة إلى أن إدارته ترغب في تجنّب هذا السيناريو الكابوسي، وهو ما انعكس في إعلان وزير الخارجية، ماركو روبيو، أنه ليست للولايات المتحدة «مصلحة» في أن تكون كوبا «غير مستقرّة».

وفي هذا السياق، يرد في تقرير نشرته صحيفة «بوليتيكو» أن الانهيار الاقتصادي في كوبا، على بعد 90 ميلاً فقط من شواطئ فلوريدا، قد يجلب معه عواقب وخيمة على الولايات المتحدة، نظراً إلى ارتفاع خطر المعاناة الإنسانية بسبب نقص الغذاء والطاقة والموارد الأخرى، والذي يمكن أن يشعل هجرة جماعية لملايين الكوبيين، وفقاً لخمسة مسؤولين أميركيين سابقين عملوا على ملف أميركا اللاتينية. وبينما تعتقد إدارة ترامب أن كوبا ستتعثّر من تلقاء ذاتها، في أعقاب القبض على الزعيم الفنزويلي نيكولاس مادورو، تبقى هنالك مخاوف من أنه ليست لدى واشنطن خطّة لإدارة التداعيات، وهو ما أقرّ به مسؤولون أميركيون في أحاديث إلى وسائل الإعلام أخيراً.

وتنقل الصحيفة عن جيفري دي لورينتيس، القائم بالأعمال السابق في السفارة الأميركية في كوبا في أثناء إدارتَي باراك أوباما وترامب الأولى، قوله إن التاريخ يكشف أنه ستكون «هنالك هجرة جماعية، بعدما يحاول الناس الفرار»، فيما يشير ريكاردو زونيغا، أحد مهندسي جهود إدارة أوباما لإعادة فتح العلاقات مع كوبا، إلى أن هذا «القلق شكل الحجة الأساسية ضدّ إسقاط الدولة في غياب بديل يحلّ محلها».

وعلى ما يبدو، تسعى إدارة ترامب، في الوقت الراهن، إلى تطبيق نظرية «الخنق البطيء» إزاء هافانا، وذلك بهدف إبقاء الأخيرة «في حال ضعف»، وانتزاع تنازلات منها، مع تجنب تدفق الملايين نحو سواحل فلوريدا. ورغم تعويل الولايات المتحدة على أن سقوط مادورو سيوجّه ضربة قاصمة إلى الاقتصاد الكوبي، فإن البيت الأبيض يدرك، على الأرجح، أن هافانا ليست كاراكاس، لا سيما وأن العقيدة العسكرية المتجذّرة في الجزيرة تجعل من الانقلاب الداخلي أمراً معقداً. ويُضاف إلى ما تقدّم، أن للنظام الكوبي «شريان حياة آخر»، تغذّيه المكسيك بشكل خاص، وهو ما يحاول المسؤولون الأميركيون التعمية عليه.

تحاول واشنطن التعتيم على واقع أن للنظام الكوبي «شريان حياة آخر»، تغذّيه المكسيك بشكل خاص

ذلك أنه بعدما أخذت فنزويلا على عاتقها، طوال عقود، دعم الجزيرة اقتصادياً، متكفلة بإرسال ما يصل إلى 100 ألف برميل من النفط يومياً إليها في ذروة حكم هوغو شافيز، إلا أنه في السنوات الأخيرة، ومع تعثّر إنتاج فنزويلا من النفط، كثفت المكسيك جهودها في هذا الاتجاه. وتشير بعض البيانات إلى أن الأخيرة أصبحت «أكبر مورّد للنفط إلى كوبا العام الماضي»، أي قبل وقت طويل من الإطاحة بمادورو. وفي حين تضع الرئيسة المكسيكية، كلوديا شينباوم، هذه السياسة في إطار «المساعدة الإنسانية»، إلا أن الرئيسة تسير، عملياً، على خطى معلّمها الرئيس السابق أندريس مانويل لوبيز أوبرادور، الذي انحازت المكسيك، في عهده، بشكل مستمر، إلى الحكومات اليسارية في المنطقة.

ويجادل البعض بأن غضّ الولايات المتحدة النظر عن «صمام الأمان» هذا، يهدف إلى تجنب «الانفجار الاجتماعي الكامل»، وتبعاته على الداخل الأميركي. وفي السياق، تنقل مجلة «جاكوبين» الأميركية عن توني وود، الأستاذ المساعد في تاريخ أميركا اللاتينية في «جامعة كولورادو»، قوله إنه للوهلة الأولى، قد يظن البعض أن استراتيجية ماركو روبيو، تتمثل في قطع كلّ شرايين الحياة المتبقية وإجبار النظام على الركوع، «لكن مما رأيته أخيراً، فإن الولايات المتحدة تسمح فعلياً باستمرار شحنات النفط من المكسيك، والتي تشكل ما يقرب من 40 بالمئة من النفط الكوبي في هذه الأيام». وبناءً على ذلك، يخلص وود إلى أن «الهدف ليس التسبّب في الانهيار التام للحكومة الكوبية، بل زيادة الضغوط وجعلها أكثر مرونة. لا أعلم إذا كان هذا سينجح في كوبا بالدرجة نفسها. فالحكومة كيان موحّد إلى حد كبير وأقل تركيزاً على شخصية واحدة مما كانت عليه في حال فنزويلا ومادورو. كما أن الجيش أصبح أكثر صلابة وتوحيداً».

ويردف صاحب الرأي المقدّم، أنه رغم أن كوبا هي في لحظة «سيئة وخطيرة»، إلا أنه يُستبعد أن تكون الولايات المتحدة مستعدة لـ«التصعيد ضدّها كما فعلت مع فنزويلا»، حيث استطاعت ضمان نتيجة «جيدة» من دون الحاجة إلى إرسال قوات إلى الأرض. ويحتمل وود وجود «استراتيجية تفاوضية ترامبية على أمل أن ينسحب المسؤولون الكوبيون ويوافقوا على إجراء انتخابات يفوز فيها الشخص الذي اختاره ماركو روبيو بنفسه». على أنه ورغم وجود معارضة يتمّ تمويلها، أميركياً، منذ أكثر من عقدين في فنزويلا، وكانت، نظرياً، «جاهزة» لتسلّم السلطة، بناءً على النموذج الأميركي «القديم»، فإن واشنطن، تتجنبت القيام بذلك حتى. أمّا في كوبا، فإن تلك الأرضية ليست جاهزة أصلاً؛ ورغم ما يزعمه اللوبي اليميني الكوبي في الولايات المتحدة منذ ستة عقود، إلا أنه ليس لديه بديل جاهز لما هو موجود حالياً في كوبا، مما يدفع بالعديد من المراقبين إلى التأكيد أنه برغم «وحشية إدارة ترامب وعدم عقلانيتها»، فإنها لن ترغب في خلق مستنقع على غرار ما حدث في العراق.

ويتبنّى وود وجهة النظر تلك، مشيراً إلى أنه «من الواضح أن روبيو سيدفع من أجل نسخة ما من تغيير النظام، لكنني أعتقد أيضاً أنه سيكون سعيداً بالانتظار وزيادة الضغط على كوبا وفقاً للخطوط الحالية حتى تتاح الفرصة، التي لن تتوفر قبل بعض الوقت». وفي هذه الأثناء، سيكون هناك المزيد من المعاناة بالنسبة إلى الشعب الكوبي على نحو لا يطاق، كما أن «عقوداً من العقوبات غير الأخلاقية تماماً سوف تستمر»، طبقاً للمصدر نفسه.

وإذ قد تحاول الإدارة الأميركية تطويع النظام في كوبا، فإن العديد من الخبراء يقدّرون أن الإدارة المتخيَّلة في الجزيرة ستحاول «السيطرة على سلوك النظام، مع الحفاظ على العناصر الأساسية مثل الحزب الشيوعي والقوات المسلحة والمؤسسات الأمنية الرئيسة»، محذرين في المقابل من أن «تحقيق هذا الهدف قد يكون أكثر صعوبة مما هو عليه في فنزويلا، حيث غيرت التشافيزية توجهاتها بسرعة، في حين أنه وبعد 67 عاماً في السلطة، ومقاومة الولايات المتحدة، أصبحت النخب في كوبا أكثر التزاماً أيديولوجياً من حلفائها التشافيزيين السابقين».

عن موقع ميادين المقاومة

من الداخل إلى الإقليم و العالم، لتكون الأقرب للمشهد السياسي.. بمنظورٍ مُقاوِم! هدفنا أن تكون بيئتنا الكريمة شريكةً في الوعي.. لا مجرّد متلقّية للخبر!

شاهد أيضاً

متري: الشرع لم يناقش ولم يطلب مني تسليم افراد من “حزب الله” حاربوا الى جانب نظام الاسد في سوريا

أشار نائب رئيس مجلس الوزراء ​طارق متري​، في حديث تلفزيوني، الى أن “الرئيس السوري احمد …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *