تاريخ التجربة الكردية في إيران: الغلبة دائماً… للنظام

لم تنظر الولايات المتحدة والغرب، يوماً، إلى القضية الكردية في إيران أو في غيرها من منظور العدالة، بل ظلّت هذه القضية، على امتداد التاريخ، بمنزلة ورقة ضغط يُستفاد منها عند الضرورة، وتُجمَّد حين لا تعود ثمّة حاجة إليها.

تمكّنت طهران، خلال الاحتجاجات الأخيرة، من القبض على عشرات المجموعات المسلّحة التابعة لحركات انفصالية..

لم يَعُد في الإمكان قراءة الاضطرابات التي شهدتها إيران، في العقدَين الماضيَين، بوصفها انفجارات غضب اجتماعي معزولة. ذلك أنها باتت، حتى في نظر أصحاب القرار في طهران، جزءاً من نمط تاريخي متكرّر تتقاطع فيه المطالب الداخلية مع الحسابات الخارجية. فمع كلّ لحظة ارتباك سياسي أو أمني في البلاد، تعود إلى الواجهة ملفّات قديمة، في مقدّمتها المسألة الكردية، بما تحمله من إرث التوظيف السياسي والمغامرات غير المكتملة. أمّا اليوم، فلا يمكن النظر إلى دور بعض الأحزاب الكردية المسلّحة، من مثل «حزب الحياة الكردستاني» (PJAK) وتنظيم «كومله»، وانخراطهما المبكر في عسكرة الاحتجاجات الأخيرة، إلّا كامتداد لمسار سبق أن تكرّر مع بدايات الثورة الإسلامية عام 1979، حين تحوّلت الشعارات السياسية سريعاً إلى صدام مسلّح على الحدود، انتهى، كما الجولات السابقة، بخسائر محلّية وانسحاب تكتيكي لداعمي القضية الكردية.

وإذا كان انحسار الاحتجاجات لا يؤشّر إلى نهاية المواجهة، فهو بالتأكيد ينقلها إلى مستويات استخبارية أكثر تعقيداً، مع انكشاف ما يبدو أنها بنية هجينة للاضطرابات، جمعت بين حراك اجتماعي ذي مطالب معيشية، ومستوى آخر منظّم جرى توظيفه أمنياً. إذ لعبت غرف عمليات خارجية دوراً في «عسكرة» التحرّكات، مستفيدةً من نشاط أحزاب مسلّحة أعادت فتح خطوط التوتر عبر إطلاق النار واستهداف المواقع الأمنية الحدودية، في مشهد استنسخ سيناريوات الثمانينيات بكلّ تفاصيلها. غير أن العامل الحاسم في احتواء هذه الموجة، لم يكن أمنياً صرفاً، بل تمثّل في وعي شعبي متراكم بأن الانجرار خلف مشاريع التفكيك يحمل كلفة وجودية تتجاوز المطالبة بالإصلاح.

على أن جولة تاريخية سريعة تكفي لرسم معالم التشدُّد في مبدأ «وحدة الأراضي» لدى الموالين للنظام الإسلامي والمعارضين له على السواء، خصوصاً بعد تحوّل النموذج الكردي إلى أحد مصادر التهديد الدائم التي خلقتها الأزمات الجيوسياسية، وتشكيله خاصرة رخوة في وجه أيّ نظام في المنطقة. وتعود نقطة البداية في المسار المضادّ لذلك التحوّل إلى معركة «جالديران» عام 1514، التي تكوّنت معها «الجغرافيا الكردية» بين الصفويين والعثمانيين، وبات المكوّن الكردي ساحة للاستثمار في صراعات القوى الكبرى، سواءً كحرس حدود أو كورقة ضغط متبادلة. ومع تواصل الحَراك الكردي ضدّ الحكم الصفوي في إيران، إلى حين اندلاع «ثورة قلعة دمدم» (1609) ضدّ الشاه عباس الصفوي، ظهرت وقتذاك أوّل محاولة عسكرية منظّمة لتأسيس سلطة كردية مستقلّة، لكنها انتهت بالسحق وترسيخ قاعدة سيادية في إيران مفادها بأن أيّ سيادة موازية لسيادة الدولة ستواجَه بالحسم.

منذ أواخر الخمسينيات، لم تنظر واشنطن إلى المسألة الكردية بوصفها مشروع دولة بل كأداة ضغط مرنة

أمّا عقب دخول القرن التاسع عشر، فشهدت التحرّكات الكردية تحوُّلاً نوعيّاً؛ إذ بعد قرون من حالات التمرّد القبلية، ظهرت نزعات تحمل ملامح قومية، وتُوّجت بثورة «عبيد الله النهري»، عام 1880، بوصفها أول محاولة تتجاوز الإطار المحلّي سعياً إلى بناء كيان سياسي يمتدّ عبر حدود الدولتَين القاجارية والعثمانية. غير أن هذه الثورة اصطدمت سريعاً بواقع التوازنات الإقليمية، فسُحقت هي الأخرى بعدما تخلّت عنها القوى الدولية، ما أعطى مؤشرات مبكرة إلى هشاشة الرهان الكردي على الخارج. وفي إثر سقوط القاجارية، في مطلع القرن العشرين، تكرّر مشهد التمرّد مع سمكو الشكاكي (1919-1930) الذي استغلّ ضعف السلطة المركزية. إلّا أن صعود رضا شاه بهلوي بمشروعه القومي، أنهى هذا التمرّد بقوّة السلاح، وأرسى قاعدة رفض وجود أيّ كيانات موازية تنافس السلطة المركزية للدولة.

غير أن المحطّة الأهمّ في تاريخ أكراد إيران، لم تكن إلّا في عام 1946، مع إعلان «جمهورية مهاباد»، كثمرة للاحتلال السوفياتي لشمال إيران. وقد استمرّت تلك الجمهورية 11 شهراً، قبل أن يرتكس المشهد لغير صالحها مع انسحاب القوات السوفياتية نتيجة الضغوط الأميركية التي سلّطها الرئيس هاري ترومان على واشنطن، وصفقة النفط التي أبرمتها الأخيرة مع طهران. يومها، تُركت مهاباد مكشوفة تماماً، حيث تَقدَّم الجيش الإيراني في كانون الأول 1946 نحوها، وسحق الحَراك، واعتقل قائد التمرّد، قاضي محمد، وسط صمت أميركي مطبق، ومباركة ضمنية لإستعادة الشاه للسيادة في كردستان، وامتناع عن أيّ ردّ فعل تجاه إعدام قادة الجمهورية بعد عام من محاكمتهم، بل وعدّ ذلك «انتصاراً» للاستقرار ضدّ التمدُّد الشيوعي.

لكن هذا الدرس التاريخي لم يمنع تكرار التجربة مع الولايات المتحدة؛ فمنذ أواخر الخمسينيات، لم تنظر واشنطن إلى المسألة الكردية بوصفها مشروع دولة، بل كأداة ضغط مرنة أو كـ«ورقة احتياط» تُفعَّل عند الضرورة، وتُجمَّد فور تَعارضها مع أمن نظام الشاه، الذي كان يمثّل «شرطيّ الخليج»، والخطّ الأمامي لتطويق الاتحاد السوفياتي جنوباً. أمّا ذروة التخلّي الأميركي، فتمثّلت في ما يُعرف بـ«اتفاقية الجزائر» عام 1975 بين إيران والعراق؛ فبمجرد تسوية الخلافات الحدودية بين الشاه وصدام حسين، أُغلق الملفّ الكردي دفعةً واحدة، وسَحبت واشنطن يدها نهائيّاً، ليلخّص هنري كيسنجر ذلك الوضع بعبارته الشهيرة: «العمل السرّي لا يُدار كعمل خيري». بعد الثورة الإسلامية عام 1979، انقلب المشهد الجيوسياسي؛ إذ إنه مع تحوُّل إيران من حليف إلى خصم، تغيَّر توظيف الأقليات من «خطر على الاستقرار» إلى «فرصة للاختراق». وفي السنوات الأولى للثورة، رفعت أحزاب «كومله» و«الديموقراطي» السلاح في غرب البلاد، ثمّ أتى مِن بَعدها حزب «بيجاك» الذي وُلد في العقد الأول من الألفية، وعاد معه النمط ذاته: تصعيد مسلّح ثم تراجع عند تغيُّر المعادلات. والمعادلة نفسها عادت بقوّة خلال الاحتجاجات الأخيرة، حيث تمكّنت طهران من القبض على عشرات المجموعات المسلّحة التابعة لحركات انفصالية دخلت من قواعد تمركُز لها على الحدود الإيرانية، وسعت عبرها إلى عسكرة الاحتجاجات وتنفيذ أهداف انفصالية.

عن موقع ميادين المقاومة

من الداخل إلى الإقليم و العالم، لتكون الأقرب للمشهد السياسي.. بمنظورٍ مُقاوِم! هدفنا أن تكون بيئتنا الكريمة شريكةً في الوعي.. لا مجرّد متلقّية للخبر!

شاهد أيضاً

متري: الشرع لم يناقش ولم يطلب مني تسليم افراد من “حزب الله” حاربوا الى جانب نظام الاسد في سوريا

أشار نائب رئيس مجلس الوزراء ​طارق متري​، في حديث تلفزيوني، الى أن “الرئيس السوري احمد …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *