تحذيرات من «مخطط أميركي – إسرائيلي»: واشنطن تعيد «داعش» إلى العراق

بدأت بغداد نقل معتقلي «داعش» من سجون شمال شرقي سوريا إلى العراق بتنسيق أميركي، في خطوة أثارت جدلاً واسعاً ومخاوف أمنية من إعادة تدوير خطر الإرهاب داخلياً.

أميركا تريد نقل 7 آلاف معتقل من “داعش” من سوريا إلى العراق..

باشرت الحكومة العراقية تنفيذ قرار نقل الآلاف من عناصر تنظيم «داعش» وأفراد عائلاتهم من السجون الواقعة شمال شرقي سوريا إلى العراق، وذلك وسط إجراءات أمنية مشددة وبالتنسيق مع «التحالف الدولي» بقيادة الولايات المتحدة. وجاء هذا القرار الذي أقرّه «مجلس الأمن الوطني»، بعد حديث الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، عن بدء عملية ترحيل سجناء التنظيم في سوريا، حيث أدى انهيار منظومة الأمن التي كانت توفّرها «قسد» للسجون، إلى فرار عدد من «الدواعش»، وإثارة مخاوف متفاقمة من هروب آخرين.

وبحسب المتحدث العسكري باسم رئيس الوزراء العراقي، صباح النعمان، فقد تسلّم العراق الدفعة الأولى المؤلفة من 150 معتقلاً من جنسيات عراقية وأجنبية وعربية، من سجون تديرها «قسد» في محافظة الحسكة. وأوضح النعمان أن العملية ستتواصل على دفعات، وفق تقدير الموقف الأمني، مبيّناً أن العناصر المرحَّلين يُعدّون من قيادات المستوى الأول في التنظيم، ومنبّهاً إلى أن بقاءهم في سوريا بات يشكّل خطراً حقيقياً في ظل المواجهات والانهيارات الأمنية هناك.

ورغم تلك المبرّرات، فإن القرار لم يمرّ بهدوء؛ إذ عبّر قطاع واسع من العراقيين عن قلقهم من نقل «قنابل موقوتة» إلى الداخل، محذّرين من مخاطر أمنية جسيمة، فضلاً عن الأعباء الاقتصادية المترتّبة على إيواء آلاف المعتقلين في سجون عراقية، وتأمين الغذاء والرعاية والخدمات لهم. وترافقت هذه المخاوف مع تحذيرات من إمكانية عودة تحركات تنظيم «داعش»، سواء عبر محاولات هروب أو إعادة تنظيم الخلايا النائمة.

وفي هذا السياق، يرى قيادي في فصائل المقاومة، تحدث إلى «الأخبار» مفضلاً عدم الكشف عن اسمه، أن «تسليم عناصر داعش إلى العراق لا يمكن فصله عن مخطّط أميركي – إسرائيلي واضح»، مذكّراً بأن «هذا ما حذرنا منه سابقاً، واليوم يتحقّق على الأرض. إعادة تدوير الإرهاب قد تكون لها تداعيات وخيمة على العراق». واعتبر أن وجود هذا الخطر، إلى جانب «الاحتلال الأميركي والصهيوني»، يجعل من الصعب الحديث عن تسليم السلاح، مؤكّداً أن «جميع الفصائل مستعدة للدفاع عن الحدود العراقية، ولن نقبل بتكرار سيناريو داعش طالما نحن موجودون».

تجميع هذا العدد من الإرهابيين داخل العراق يجعله أشبه ببرميل بارود

في المقابل، دافع مسؤولون حكوميون وأمنيون عن القرار، معتبرين إياه «خطوة استباقية» تهدف إلى حماية الأمن القومي العراقي. وقال المتحدث باسم الحكومة، باسم العوادي، إن «سرعة تطوّر الأحداث في سوريا لا تسمح بالتأخير»، مدافعاً، في تصريحات صحافية، بأن الحكومة تدرك تماماً مكامن القوة والضعف في مثل هذه القرارات، ولا تتّخذها من دون دراسة. كما أكّد «مجلس القضاء الأعلى» أن جميع المعتقلين، بغضّ النظر عن جنسياتهم، سيخضعون لسلطة القضاء العراقي، وستُطبّق في حقهم الإجراءات القانونية من دون استثناء.

وبحسب مصادر أمنية رفيعة، فإن المعتقلين سيودَعون في 3 سجون مركزية، جرى تفريغ أجزاء واسعة منها مسبقاً، وهي سجن سوسة في السليمانية، وسجن الناصرية المعروف بـ«الحوت»، وسجن مطار بغداد «كروبر». وأفادت المصادر بأن النقل يجري بطائرات مروحية أميركية، لافتةً إلى أن الهدف الأساسي من ذلك هو منع أيّ احتمال لهروبهم من السجون السورية، في ظلّ الانهيار الأمني هناك.

لكن الخبير الأمني، محمد الياسري، يحذر، في تصريح إلى «الأخبار»، من تداعيات مستقبلية خطيرة لعملية نقل عناصر «داعش»، قائلاً إن «تجميع هذا العدد من الإرهابيين داخل العراق، في ظلّ أزمات سياسية واقتصادية وأمنية متواصلة، يجعل البلاد أشبه ببرميل بارود». ويشير إلى مخاوف من «توظيف هؤلاء مستقبلاً بشكل سلبي»، سواء عبر ضغوط سياسية أو اختراقات أمنية، داعياً إلى شفافية كاملة في إدارة الملف، وإشراك الرأي العام في تفاصيله.

ولم يأتِ الجدل حول نقل معتقلي «داعش» من فراغ؛ فالعراقيون الذين عاشوا تجربة سيطرة التنظيم على ثلث البلاد عام 2014، لا تزال ذاكرتهم مثقلة بصور المجازر والتهجير والدمار. وتخشى شرائح واسعة من المجتمع من أن يؤدي وجود آلاف «الدواعش» في سجون داخلية إلى إعادة إنتاج الخطر، سواء عبر عمليات هروب محتملة، أو استهداف السجون من قبل خلايا نائمة، أو حتى توظيفهم كورقة ضغط في صراعات إقليمية ودولية.

ومن زاوية سياسية أوسع، يرى مراقبون أن الدور الأميركي في هذا الملف يتجاوز البعد التقني المتعلّق بتأمين السجون، ليصل إلى إعادة توزيع المخاطر في المنطقة. فالولايات المتحدة، التي أعلنت عبر «القيادة المركزية» عن خطة لنقل ما يصل إلى نحو 7 آلاف معتقل من عناصر «داعش» من شمال شرقي سوريا إلى العراق، تبدو وكأنها اختارت «نقل المشكلة» بدلاً من معالجتها في مكانها. وتشير المعطيات إلى أن العملية تُدار وفق جدول زمني متّفَق عليه مع بغداد، في حين يذهب محللون إلى أن واشنطن تسعى إلى تقليص أعبائها المباشرة في سوريا، مقابل تحميل العراق مسؤولية ملف شديد الحساسية، بما يفتح الباب أمام ضغوط سياسية وأمنية مستقبلية، ويُبقي مستوى التوتر مرتفعاً في البلاد.

ولا يقتصر الجدل على المعتقلين وحدهم؛ إذ يشمل القرار أيضاً نقل نحو 4 آلاف من عائلات عناصر التنظيم من مخيم «الهول» السوري إلى مخيم الجدعة جنوب الموصل. وهذا الملف، بحسب خبراء اجتماعيين وأمنيين، لا يقلّ خطورة، خصوصاً في ظلّ هشاشة برامج التأهيل وإعادة الدمج، والتي تجعل من احتمالات تحوّل المخيمات إلى بيئات خصبة للتطرّف حاضرة بقوة، ما لم تُعالج القضية وفق رؤية شاملة وطويلة الأمد.

عن موقع ميادين المقاومة

من الداخل إلى الإقليم و العالم، لتكون الأقرب للمشهد السياسي.. بمنظورٍ مُقاوِم! هدفنا أن تكون بيئتنا الكريمة شريكةً في الوعي.. لا مجرّد متلقّية للخبر!

شاهد أيضاً

موجة غارات إسرائيلية تستهدف تجمعاً للآليات في الجنوب

شنّ الاحتلال الإسرائيلي، اليوم، موجة غارات على عدة بلدات في جنوبي لبنان، في خرق متواصل …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *