استباحة لمحميّة العباسية… وقرارات الحماية حبر على ورق

اعتداءات متواصلة منذ 3 سنوات على محميّة البقبوق» في العباسية، تشمل تجريفاً وبناءً غير قانوني وصيداً جائراً، وسط تقاعس رسمي يهدّد التنوع البيئي وتوازن الطبيعة.

فيما لا يزال الاعتداء على محميّة شاطئ مدينة صور قائماً من دون إزالة أو محاسبة المرتكبين، تشهد محميّة «البقبوق» على شاطئ العباسية (صور) اعتداءً متعدّد الأبعاد، بدأ منذ نحو ثلاث سنوات ولا يزال يتوسّع تدريجياً.

ففي تشرين الأول 2022، باشر أصحاب العقار الرقم 1849، الواقع ضمن المنطقة الحزامية (Buffer Zone) لمحميّة العباسية، وهي منطقة مُصنّفة ذات حساسية بيئية خاصة، بأعمال تجريف للكثبان الرملية، وصبّ أساسات إسمنتية، وحفر حفرة للصرف الصحي. وعلى إثْر هذه المخالفات، تحرّكت جمعيات بيئية، من بينها «الجنوبيون الخضر»، وأصدر وزير البيئة آنذاك ناصر ياسين، قراراً بوقف الأعمال لعدم استيفائها الشروط القانونية، وطلب إزالة المخالفات، وإعداد دراسة للأثر البيئي قبل الشروع في أي أعمال جديدة.

أمين سرّ لجنة محميّة العباسية، الدكتور حيدر جوني، لفت إلى أنّ أصحاب العلاقة كانوا قد تقدّموا بطلب إلى بلدية العباسية للحصول على ترخيص لإنشاء خيمتين وغرف للعمّال. ورغم رفض مديرية الآثار في وزارة الثقافة السماح بتنفيذ مثل هذه الأعمال على العقار، لكونه يقع ضمن المنطقة الحزامية المحاذية لمحميّة العباسية، منحت وزارة الأشغال إذناً بتنفيذ الأعمال لمدّة ستة أشهر. غير أنّ الأشغال المُنفّذة تجاوزت بكثير ما ورد في طلب الترخيص، وتضمّنت إنشاء مسبح، وتركيب ألواح طاقة شمسية، ومولّدات كهربائية، ومكعّبات إسمنتية، إضافة إلى حفرة للصرف الصحي.

ورغم وقف الأشغال بعد متابعات متعدّدة، لم تُزل التعدّيات، خلافاً لما طلبه ياسين، بل استُؤنفت صيف عام 2025، إلى الجنوب من الموقع الأول، وضمن العقار نفسه.

وبحسب صور اطّلعت عليها «الأخبار»، شهد الموقع تغييرات جذرية في طبيعته، تمثّلت في تشييد ثلاثة جدران إسمنتية من ثلاث جهات، مع واجهة مفتوحة باتجاه البحر، فيما سُوّيت الكثبان الرملية داخلها نتيجة أعمال تجريف واسعة طاولت الكثبان والغطاء النباتي معاً. ولفت مؤسّس جمعية «الجنوبيون الخضر»، هشام يونس، إلى أنّ الكثبان الرملية والغطاء النباتي يُعدّان من أبرز مقوّمات المحميّة، إذ يشكّلان نظام حماية وملاذاً طبيعياً للحشرات والزواحف والطيور التي تتميّز بها. وأوضح أنّ تكوّن الكثبان يحتاج إلى عشرات السنين، وأنّ لها وظيفة أساسية في الحفاظ على التوازن البيئي العام، مؤكّداً أنّ ما جرى يُشكّل «تعديلاً خطيراً لهذا النظام البيئي».

القوى الأمنية لم تحضر إلى الموقع حتى الآن رغم طلب المحافظ بناءً على تكليف من وزيرة البيئة

التُقطت الصور الأولى للأعمال الحديثة في 19 تموز الماضي، في وقت كان يُفترض بأن أصحاب العلاقة يُعِدّون دراسة الأثر البيئي للأشغال السابقة، علماً أنّ هذه الدراسة يُفترض إنجازها قبل الشروع في أي مشروع، لا بعد تنفيذه ولا أثناءه.

وتشير المعلومات إلى أنّ اجتماعاً عُقد قبل نحو أسبوعين، جمع بلدية العباسية ولجنة المحميّة والجمعيات البيئية، انتهى إلى ضرورة إزالة المخالفات القائمة، وتكليف جوني بمتابعة الملف بشقّيه القديم والجديد، وإعداد رأي قانوني قبل استكمال دراسة الأثر البيئي، لتحديد ما إذا كان المشروع الذي يطرحه أصحاب العقار يستوفي الشروط القانونية التي يرعاها نظام المحميّات.

كذلك تحرّكت وزيرة البيئة تمارا الزين، عقب تلقّيها كتاباً من جمعية «الجنوبيون الخضر» في تشرين الثاني الماضي، وطلبت من محافظ الجنوب منصور ضو تكليف القوى الأمنية بالكشف على الموقع المعني وتحديد طبيعة التعدّيات. وعلمت «الأخبار» أنّ القوى الأمنية لم تحضر إلى الموقع حتى الآن رغم طلب المحافظ!

وإلى التلوّث والزحف العمراني، تواجه محميّة العبّاسية خطراً لا يقلّ جسامة، يتمثّل في فوضى الصيد البرّي والبحري، ولا سيّما صيد الطيور المهاجرة والمقيمة. فرغم قرارات وقف الصيد البرّي على كامل الأراضي اللبنانية، ومنعه جنوب الليطاني نظراً إلى حساسية المنطقة، تُسمَع طلقات بنادق الصيد يومياً عند أطراف المحميّة وعلى الشاطئ، مستهدفة طيوراً يُفترض أن تجد في هذا المكان ملاذاً آمناً، لا مصيدة قاتلة.

كما يشهد البحر المحاذي للمحميّة ممارسات أشدّ فتكاً، في مقدّمها الصيد بالديناميت، وهي جريمة بيئية موصوفة تُدمِّر الكائنات البحرية وموائلها من أعشاب وبيض ويرقات، وتحيل البحر إلى مقبرة صامتة.

هذا الواقع يعكس غياباً فاضحاً للردع الحقيقي، ويترك المحميّة مكشوفة أمام ممارسات تُفرِغها من مضمونها ومعناها البيئي. فجميع هذه الانتهاكات تعني خسارة فادحة في التنوّع الحيوي، واختلالاً في السلاسل الغذائية، وتهديداً مباشراً لقدرة الطبيعة على التعافي. ولأن الحفاظ على محميّة العبّاسية هو في جوهره حفاظ على ذاكرة الجنوب البيئية وما تبقّى من توازنه الطبيعي، فإن حمايتها تستدعي رقابة صارمة وتطبيقاً جدّياً للقوانين، يرقى إلى قيمة هذا الموقع وحساسيته.

عن موقع ميادين المقاومة

من الداخل إلى الإقليم و العالم، لتكون الأقرب للمشهد السياسي.. بمنظورٍ مُقاوِم! هدفنا أن تكون بيئتنا الكريمة شريكةً في الوعي.. لا مجرّد متلقّية للخبر!

شاهد أيضاً

متري: الشرع لم يناقش ولم يطلب مني تسليم افراد من “حزب الله” حاربوا الى جانب نظام الاسد في سوريا

أشار نائب رئيس مجلس الوزراء ​طارق متري​، في حديث تلفزيوني، الى أن “الرئيس السوري احمد …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *